الاتحاد

دنيا

السواد يزحف ببطء على الشاشات الرسمية


د· نصر الدين لعياضي
عبر مسؤول عن إحدى القنوات التلفزيونية الأوروبية، منذ مدة، عن تشاؤمه من مستقبل التلفزيون بهذه القارة قائلا: 'لقد اصبح المحاسبون الماليون يديرون القنوات التلفزيونية )( لست ضد المحاسبين، لكني أعتقد بأن المال يجب أن يخدم الأفكار لا أن يستعبدها'· هذا التشاؤم لا يخفي التخوف من سقوط القنوات التلفزيونية في يد أرباب المال فحسب، بل يدق ناقوس الخطر الذي يهدد وجود القنوات التلفزيونية العامة أو التابعة للقطاع العام، أي للدولة التي لا تنشد الربح· إن مبرر هذا التخوف لا يعود إلى الأسئلة التالية، التي أصبحت تطرح، بشكل أكثر إلحاحا، منذ أكثر من عقد من زمن: ماذا تعني قناة تلفزيونية تابعة للقطاع العام في عالم يسير بخطى سريعة نحو اللبيرالية، وفي زمن تزايد فيه عدد الدول التي رفعت يدها عن ملكية وسائل الإعلام خاصة الإذاعية والتلفزيونية؟ وهل تندثر القنوات التلفزيونية العمومية من الوجود أم أنها ستضطر لخوض غمار منافسة القنوات التلفزيونية الخاصة في أرضيتها المفضلة: الحصول على أكبر حصة من عائدات الإعلان للوصول إلى أكبر عدد من الجمهور أو العكس، الوصول إلى أكبر عدد من الجمهور للإستحواذ على النصيب الأوفر من عائدات الإعلان!·
إن مصدر هذا التخوف ناجم عن غياب اجابة وافية ومقنعة على هذه الأسئلة، لأن مظاهر الخطر التي تهدد وجود القنوات الخاصة وجدت في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، بعد أن أصبحت القنوات التلفزيونية أكبر موزع للإعلان، ،وأصبح هذا الأخير الممول الأساسي للعديد من القنوات التلفزيونية·
لقد تراجع عدد مشاهدي القنوات التلفزيونية العمومية في القارة الأوروبية من 82 % سنة 1982 إلى 46 % سنة ·1995 ولم تقم الحكومات المتعاقبة في العديد من الدول التي تعاني من هذه الظاهرة سوى بالتأكيد الرسمي على ضرورة وجود القنوات التلفزيونية العمومية وأهميتها، لكنها كررت، عمليا، طلبها من مسؤولي القنوات التلفزيونية بالإلتزام بسياسة التقشف المالي، أي التقليل من المصاريف، والسعي للبحث عن مصادر مالية أخرى، غير تلك التي كانوا يعتمدون عليها إعتمادا شبه كلي، أي أموال الدولة·
لقد عملت أعرق وأشهر قناة تلفزيونية عمومية في القارة الأوروبية (بي· بي· سي·) بما طلب منها، فلجأت إلى التخفيف من عدد عمالها، واستغنت عن خدمات 3 آلاف عامل ليصل عدد موظفيها الإجمالي إلى 27 ألف موظفا· وبعد أن أعربت الحكومات البريطانية المتعاقبة عن نيتها في عدم رفع الرسوم عن ملكية التلفزيون لتواكب الارتفاع الملحوظ في مستوى المعيشة، أعلنت هذه القناة في فبراير 1990 عن إبرامها لأول عقد في تاريخها مع بنك 'ليود'، والذي يقوم بموجبه هذا الأخير بتمويل برنامجها التلفزيوني المعنون بـ 'افضل موسيقي شاب في السنة' في حدود 3,1 مليون جنيه استرليني· لكن رغم هذه الإجراءات استمر عدد مشاهدي هذه القناة في التناقص ليبلغ 9,32 % في سنة 1992! وعملت بعض الحكومات الأوروبية، من جهتها، على رفع الإعتمادات المالية التي تخصصها لقنواتها التلفزيونية العمومية، مع حثها على البحث على ما يكمل ميزانيتها في ظل تزايد كلفة الانتاج التلفزيوني في المجال الأخباري والدرامي بفعل الاستثمار في المجال التكنولوجي·
رغم أهمية المال في النهوض بالقطاع العام في مجال الإذاعة والتلفزيون في المجتمعات الحديثة إلا أنه لا يقدم الحل المناسب لكل المشاكل التي أصبحت تعاني منها القنوات التلفزيونية العمومية·
تصورات السوق
إن العالم تغير وتغيرت معه التصورات والرؤى للثقافة والمجتمع والإعلام· إن البروز الاستعراضي للاستثمار الخاص في مجال التلفزيون في العالم قد غير قواعد العمل التلفزيوني وغايته، وأحدث انقلابا في المفاهيم الأساسية التي كانت توجهه· إن القنوات التلفزيونية الخاصة لا تعترف بمفهوم المجتمع بل تستبدله بالسوق، ولا تؤمن بالمادة أو البرنامج التلفزيوني بل تعوضه بالسلعة، ولا تتحدث عن الثقافة والتربية لأنها تؤمن بالترفيه والتسلية فقط· ولا تتحدث عن المواطن لأنها تراه مستهلكا فقط، ولا تشير إلى الأمة بل تتحدث عن العالم أو الكون· وتطرح مسألة الذوق وليس الحاجة، والسعر، وليس القيمة· والكم وليس النوع· لقد أصبحت هذه المفاهيم متداولة بكثرة على لسان كل المهتمين بالشأن التلفزيوني، بما فيهم المسؤولين عن القنوات التلفزيونية العمومية، دون أن يدركوا أن هذه المفاهيم تتعاطى مع القناة التلفزيونية كمشروع تجاري لا غير!
إذا مسألة القنوات التلفزيونية العمومية ترتبط بالتصور لماهيتها ودورها في العصر الحالي الذي وقع ضحية السوق وأديولوجياته· ويبدو هذا الإرتباط أكثر في الدول التي خرجت، منذ أكثر من عقد من الزمن، من ربقة الحكم الشيوعي: تشيكيا، سلوفاكيا، بولندا، هنغاريا، رومانيا، وبلغاريا· فمفهوم قناة تلفزيونية عامة يحيلها إلى الماضي الذي يذكرها بمزيد من تحكم الدولة المركزية في منافذ الثقافة والإعلام، وغياب إستقلالية وسائل الإعلام وتغييب الإعلام لصالح الحضور القوي للدعاية الرسمية·
قبل التفكير في المحتوى الثقافي والسياسي الذي يمكن أن نعطيه لنشاط القنوات التلفزيونية العمومية، وبالتالي تحديد دورها، ومهامها في العصر الحالي، يجب التساؤل عن الأسباب الأساسية التي أسهمت في صناعة أزمة هذه القنوات·
تفكك الإجماع
بعد الحرب العالمية الثانية عملت الدول الصناعية الغربية على ترسيخ نظام قائم على بعض المثل واقناعات، مثل: توفير العمل الدائم للجميع، استقرار العملة الوطنية، التقدم والإزدهار، قيام الدولة بالحماية الاجتماعية وفق نظام من الضمان والتضامن الاجتماعي، إحداث التناغم والانسجام بين الدولة والأمة، العمل على إحداث الأمن والاستقرار الدوليين خوفا من عواقب حرب عالمية ثالثة نووية· وقد عملت القنوات التلفزيونية العمومية على نشر هذه المثل وحققت الإلتفاف الشعبي حولها· لكن منذ التسعينيات من القرن الماضي، وبعد زوال خطر الحرب العالمية الثالثة نتيجة تفكك المعسكر الشيوعي وزواله، وبعد أن ترسخ وجود الدول الصناعية الغربية وتنامت قوتها، بدأ الإختلاف حول المثل التي شكلت الإجماع السابق يدب، وتفككت معه أرضية عمل للقنوات التلفزيونية العمومية في الدول الغربية الصناعية·
لعل العامل الأساسي الذي قاد القنوات التلفزيونية العمومية إلى الأزمة الحالية، يتمثل في التحولات الكبرى التي بدأ العالم يشهدها في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، والتي أدت إلى تراجع مفهوم 'الدولة ـ الأمة'، وتقلص دور الدولة بعد أن سحبت منها العديد من الصلاحيات ليتولى القيام بها القطاع الخاص الوطني والدولي أو المنظمات والهيئات الدولية·
العامل التكنولوجي
لكن بداية أزمة القنوات التلفزيونية العمومية تعود إلى التطور التكنولوجي الذي أتاح للبث التلفزيوني بتعدد قنواته وظهور أجهزة التلفزيون المتعددة القنوات التي عملت على 'تفتيت' المشاهدين، وسعت لتلبية الحاجات الخاصة، بعد أن كانت الحاجات العامة هي المسيطرة والمهيمنة· واستفحلت هذه الأزمة بعد أن انفتحت أبواب السماء أمام البث التلفزيوني المباشر الذي اخترق الحدود الجغرافية والكيانات الثقافية، بفضل العديد من القنوات التلفزيونية الناجحة 'تجاريا'، والتي أصبحت تعد بمثابة مرجع مهني للعديد من القنوات، بما فيها العمومية·
أمام كل هذه التحولات لم تستخلص العديد من الحكومات في دول الجنوب الدروس الضرورية لإعادة النظر في وضع قنواتها التلفزيونية العمومية، بل استمرت في ترسيخها كلسان ناطق لها، ووسيلة دعاية للحكم التسلطي في البعض منها·
المنافسة بالتقليد
أما في بعض الدول الغربية، مثل: فرنسا، بريطانيا، وإيطاليا، فقد قامت قنواتها التلفزيونية العمومية بتقليد القنوات التليفزيونية الخاصة (التجارية)، تحت حمى المنافسة الشرسة، وأصبحت تشترك في بث ما تبثه هذه القنوات، بغية الوصول إلى أكبر عدد من الجمهور والحصول على أكبر قدر من عائد الإعلان· إذا أين خصوصية القناة التلفزيونية العمومية إذا اصبحت صورة شاحبة للقناة التلفزيونية الخاصة؟
إذا لابد من إعادة التفكير في هوية القنوات التلفزيونية العمومية، والتأكيد على الخصوصية التي تفرضها طبيعة مهامها والتي تتمثل في العمل على ترسيخ الهوية الوطنية للدولة، وتدعيم حرية التعبير والتعددية السياسية والفكرية، وتعزيز الثقافة واللغة الوطنيتين، وتدعيم النشاط التربوي في المجتمع· لقد ذهب مسؤول المعهد الوطني للتلفزة في البيرو البرتو ميرافي سويز، إلى إعتبار التلفزة العمومية بمثابة الماء والكهرباء اللذان يجب على الدولة توصيلهما إلى المعنين حيثما وجدوا·
لا يختلف الكثير من المختصين حول المهام التي يجب أن تقوم بها كل قناة تلفزيونية تنتمي إلى القطاع العام، لكنهم يختلفون في تحديد أدواتها التنفيذية، وإن كانوا يقرون بضرورة الالتزام بشرطين أساسيين: (تحقيق استقلاليتها عن الحكومات المتعاقبة، وإعادة النظر في أشكال تمويلها)· ولتحقيق الشرط الأول، تنازلت الحكومات عن تعيين المسؤولين المباشرين على القنوات العمومية وأوكلته إلى هيئة مشتركة مستقلة تضم ممثلين عن المجالس المنتخبة أو الاستشارية· كما تنازلت أيضا عن مراقبة ميزانيتها المالية ليتكفل بها البرلمان والهيئات القضائية المختصة· أما بالنسبة لتمويل القنوات التلفزيونية العمومية، فالقضية لازالت محل إجتهاد ونقاش· لقد اقتنعت جل الدول الغربية، أخيرا، بضرورة الإعتماد على الإعلانات في تمويلها بجانب المخصصات المالية التي تمنحها الدولة لها· وبقيت بعض الدول، مثل بريطانيا، ترفض أن تبث قناة (بي· بي· سي·) الإعلانات، وسمحت لها بالبحث عن أشكال مختلفة من التمويل مثل: الإشراف المالي المشترك على بعض البرامج التلفزيونية، أو تمويل بعضها، أو الانتاج المشترك، أو بيع الخدمات التلفزيونية للقنوات التلفزيونية·
حل مبتكر
لعل الشكل المبتكر في تمويل القنوات التلفزيونية العمومية يعود إلى 'فنلندا· فمع الاستمرار في رفض قيام القناة التلفزيونية العمومية ببث الإعلان، فرضت على القنوات التلفزيونية التجارية دفع رسوم على المواد الإعلانية التي تبثها· وتدفع عائدها إلى القنوات التلفزيونية العمومية·
إذا تم حل معضلة التمويل بهذا الشكل أو ذاك فإن السؤال الجوهري يظل مطروحا: كيف السبيل إلى الجمهور الواسع؟ هل ستبث المواد التلفزيونية 'الجماهيرية' ذات الطابع الغنائي والمسلسلات السطحية وكل البرامج التي يزهو بها تلفزيون الواقع أم أنها تبحث عن نوعية جديدة من المواد التلفزيونية على صعيد الشكل والمحتوى والوظيفة؟ للإجابة على هذا السؤال، اقترح بعض المختصين على القنوات التلفزيونية العمومية الإنصراف لانتاج وتقديم البرامج التي لا تقدمها القنوات التلفزيونية التجارية أو لا تستطيع تقديمها، مثل البرامج الثقافية والتربوية· وانتقد البعض الآخر هذا الإقتراح لأنه يزج بالقناة التلفزيونية العمومية في 'غيتو' أو 'برج' ثقافي، فلا تهتم ببرامجها سوى نخبة قليلة من المثقفين·
نعتقد أن العديد من المسؤولين على القنوات التلفزيونية العمومية لم تدرك الخطر الداهم الذي يهدد هذه القنوات في المستقبل القريب· ومن أدرك هذا الخطر، مثل السيدة سمر شما، مديرة القناة الأولى في التلفزيون السوري، حصره فقط في تسرب اليد العاملة المختصة التي قضت القنوات التلفزيونية العامة سنوات في تكوينها وتأهيلها لتتوجه إلى القنوات الخاصة أو التجارية· ربما ما أجل عدم إدراك الخطر الداهم أن جمهور القنوات العمومية في العديد من الدول العربية لم يتراجع، بشكل مخيف، مثلما هو الأمر بالنسبة للدول الغربية· فرغم انصراف جزء مهم من هذا الجمهور لمتابعة برامج الفضائيات الخاصة العربية والأجنبية (الفرنسية، والبريطانية والأميركية، والاسبانية) إلا أن أغلبية جمهور التلفزيوني العربي مازال يتابع برامج القنوات التلفزيونية العمومية وذلك لأن هذه الأخيرة استمرت في بث برامجها عن طريق الإرسال التماثلي أو التناظري الأرضي· وأن قطاعا واسعا من الجمهور التلفزيوني لم تسمح له ظروفه الاقتصادية بشراء جهاز استقبال البث التلفزيوني المباشر· ومن استطاع ذلك فإنه يشكو من وضعه المالي الذي لا يمكنه من تجديد اشتراكه الشهري لمتابعة برامج القنوات التلفزيونية الخاصة المشفرة·
ستشعر القنوات التلفزيونية العمومية في الدول العربية بضرورة التفكير في مستقبلها إذا تطورت المبتكرات التكنولوجيات وزهد سعرها ليصبح في متناول العامة متابعة البرامج الفضائيات الخاصة، بشكل مستمر·

اقرأ أيضا