الاتحاد

دنيا

الحج في حملات تيك أواي


أكرم يوسف:
عندما يحزم الحاج حقائبه ويقرر الرحيل للأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج فهو يدرك جيدا أنه ليس في طريقه إلى النزهة والاستجمام في سويسرا أو باريس ويعلم أنه ستكون بانتظاره مشقة لأن الحج جهاد كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جهاد الكبير والصغير والمرأة: الحج ·
وفي تلك اللحظات الروحانية الاستثنائية التي يقترب منها الإنسان أكثر إلى الله يمكن ابتلاع أي شيء والقفز فوق كل المشاكل سواء الإقامة السيئة أو الطعام الفاسد الذي يؤدي للإسهال أو المعاملة غير الحضارية، ولكن مالا يقبله أحد هو إحساس الحاج أنه يؤدي المناسك بطريقة تجارية 'تيك أواي' بسبب جهل مسؤول الحملة ورغبته في اختصار الوقت والجهد والمال، فالرحلة بالنسبة لشركة السياحة مشروع تجاري مربح جدا جدا تقوم به كل عام، ولكنه بالنسبة للحاج تبدو الصورة مختلفة تماما فهو ترك أهله وأولاده ودنياه وجمع كل ما يملك لكي يؤدي الفريضة مرة واحدة في العمر ولذلك يتحرى الدقة في كل خطواته حتى يكون حجه مبرورا·
فالصورة الوردية التي رسمتها إحدى شركات السياحة والسفر والاستيراد والتصدير والحج والعمرة من خلال موقعها على الإنترنت لصور الحجاج في السنوات السابقة تحولت إلى كابوس مفزع على أرض الواقع ليس للفارق الكبير بينها وبين بقية الحملات داخل الدولة وخارجها في الخدمات والأسعار والمعاملة، ولكن بسبب الطريقة التي تؤدى بها المناسك، فكل شيء أصبح مشروعا من خلال فتاوى سابقة التجهيز·
فيجوز طواف الإفاضة قبل رمية الجمرة الكبرى، وعدم أداء صلاة الفجر في منى في الثامن من ذي الحجة، وأيضا يجوز عدم المبيت بالمزدلفة وصلاة الفجر بها بل وعدم الوقوف بها أساسا، ويجوز أيضا يوم الثاني عشر التعجل ورمي الجمرات قبل الزوال وليس بعده·
كل شيء يجوز لدى أصحاب تلك الحملات رغم أن الرسول عليه الصلاة والسلام رخص للنساء والأطفال والضعفاء ومن يقوم بتولي شؤونهم في بعض الحالات منها عدم البقاء حتى صلاة الفجر في المزدلفة والذهاب إلى منى بعد منتصف الليل ولم يرخص للأصحاء والشباب والقادرين بالمغادرة قبل الفجر·
ولكن المسؤول عن إحدى الحملات بالدولة وهو يعمل مدرس ابتدائي منح رخصا للجميع في كل الحالات والمواقف لأنه لا يجد (بارك) للباص، بل إنه كان بطلا لأطرف واقعة في موسم الحج على الإطلاق حيث اختار (بارك) للسيارات في نهاية منطقة عرفات وأمر سائق الباص بالتوقف وقال للجميع هنا المزدلفة ونزل الحجاج وأدوا صلاة المغرب والعشاء قصرا، وجمعوا الجمرات وتناولوا الطعام وبعد ساعتين اكتشفوا أن تلك المنطقة ليست المزدلفة فأخبروا مسؤول الحملة فقال لهم غاضبا بلهجة لا تتناسب مع ملابس الإحرام التي يرتديها: 'هذه المرة الرابعة التي أؤدي فيها مناسك الحج وأعرف أكثر منكم نحن في المزدلفة'·
وذهب الحجاج للتأكد واكتشفوا أن معلومات مسؤول الحملة عن الحج لا تختلف كثيرا عن معلوماته عن اللغة الصينية ووجدوا لافتة كبيرة بعرض الشارع بعد 200 متر مكتوب عليها بداية المزدلفة، ليتحرك الباص من جديد للوقوف في المزدلفة وأعادوا الصلاة بسبب جهل مسؤول الحملة·
وكاد يوم 'التعجل في رمي الجمرات' الثاني عشر من ذي الحجة أن يشهد ماسأة أخرى بسبب إصرار مسؤول الحملة على تحرك الباص في الساعة الواحدة ظهرا من منى إلى مكة وهو ما يعني 'دعوة للموت' لأن الوقت الشرعي لرمي الجمرات بعد الزوال أي في الساعة الثانية عشرة والنصف تقريبا، ومن المستحيل أن يتمكن الحاج حتى لو كان 'سوبرمان' أن ينتهي من رمي الجمرات في نصف ساعة فقط لأن هناك الملايين من الحجاج يتحركون للرمي في هذا التوقيت وهو الذي شهد سقوط أكثر من 350 شهيدا هذا العام بسبب الزحام والتدافع·
تلك الوقائع وغيرها في بعض الحملات الأخرى تكشف إلى أي مدى تكون الصورة على أرض الواقع بعيدا عن بريق وجاذبية الدعاية في مواقع الإنترنت، فالغرف داخل الفندق القريب من الحرم لا تتسع إلا لوضع الحقائب وليس بها مكان للبشـــــــــــــــر، والطعام الفاسد أصاب العشرات بالإسهال في منى، والمناسك تؤدى بطريقة 'تيك أواي' لتوفير المال والجهد، والواعظ لا يظهر في الحملة إلا ليقول: 'يجوز'!!·

اقرأ أيضا