الاتحاد

عربي ودولي

نقل الأمم المتحدة من نيويورك إلى مونتريال

نيويورك - 'الاتحاد' - خاص:
بهدوء، وبكثير من التهذيب، طوى 'كوفي أنان' مشروعه الخاص بإصلاح الأمم المتحدة والذي استغرق منه، ومن فريق العمل، آلاف الساعات، فيما يقول الكاتب السياسي الفرنسي الشهير 'أندريه فونتين': 'لنضع المنظمة الدولية في الثلاجة إلى ما بعد الحرب العالمية الثالثة'·
ولكن ماذا عن مشروع إعادة تأهيل المبنى الذي مرّ عليه أكثر من نصف قرن؟ التكلفة 1,6 مليار دولار، على أن تنتهي العملية في العام ·2014 هناك من يلقي بهذه القنبلة الصوتية داخل المبنى الزجاجي: الانتقال من نيويورك إلى مدينة أخرى أقل كلفة في المعيشة بنسبة 40 في المئة، كما أنها لا تبعد عن المدينة الأميركية سوى 500 كيلومتر: مونتريال··
الفكرة واقعية ومنطقية· اهتز شاربا المندوب الأميركي 'جون بولتون'، ولم يعلق· لكن ماذا إذا علق؟
··· حتى المبنى الزجاجي دخل في الشيخوخة وبات بحاجة إلى إعادة تأهيل· ألا تعاني الأمم المتحدة أيضاً من الشيخوخة؟
'كوفي أنان'، أمين عام المنظمة الدولية، أمضى ستة آلاف ساعة من العمل، ساعده في ذلك فريق من الاختصاصيين في مختلف المجالات التي لها علاقة بعمل المنظمة، من أجل صوغ أفكار لإصلاحها· كان متفائلاً بأن مشروعه سيشق طريقه إلى النور لأنه إذا ما استمرت الاوضاع على ما هي عليه، فقد تضطر الأمم المتحدة ذات يوم إلى إقفال أبوابها، لأن الاجترار الراهن لم يعد لمصلحة أحد·
مشروع 'أنان' طوي بصمت· عضو في أحد الوفود قال: 'هل يمكن لكل تلك الأفكار أن تقدم علفاً للدواجن؟'، ثمة كلمة سر تم توزيعها: 'الاصلاح مرجأ إلى وقت آخر'· عضو في وفد عربي قال: 'إذا طرحت عملية توسيع التمثيل فقد يتحول المبنى الزجاجي إلى برج بابل'· هذا لأن دولاً هددت بالانسحاب إذا لم تحصل على العضوية الدائمة، فيما تبين أن الآلية المقترحة للتوسيع تنطوي على بعض الثغرات التقنية والعملية·· هذا ليس مبرراً على الاطلاق للاستمرار في خط الشيخوخة الذي يعني، حتماً، خط الشلل· لابد من تثوير المنظمة وبالصورة التي تجعلها أهم بكثير من حائط مبكى للبعض، ومن غرفة عمليات لإدارة الكرة الأرضية للبعض الآخر·
التسمية من 'روزفلت'
على كل، كان هناك من يقول إن الارجاء كان بتوافق بين بعض الدول الخمس الدائمة العضوية· هذه تفقد ألقها إذا ما ارتفع العدد إلى 15 أو إلى عشرين دولة، وإن كان معروفاً أن عدد الدول الأعضاء، حالياً، في مجلس الأمن هو ،191 أي أكثر بأضعاف مما كان عليه في السنوات الخمس التي أعقبت التأسيس الذي بدأ بخمسين دولة، ثم اضيفت اليها بولونيا ليصبح العدد ·51
المنظمة التي باشرت عملها في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1945 بعد تلك المداولات التي شاركت فيها الدول الخمسون في سان فرنسيسكو والتي استمرت ما بين 25 نيسان / أبريل و26 حزيران / يونيو ،1945 أخذت اسمها من تعبير استحضره الرئيس الأميركي 'فرنكلين روزفلت'، واستخدم للمرة الأولى في الأول من كانون الثاني/ يناير 1942 لدى إعلان 26 دولة التزامها مواصلة القتال ضد دول المحور· هذا بعدما كان رئيس آخر هو 'وورو ويلسون' قد أطلق' عصبة الأمم'· قطعة الأرض تبرع بها 'جون روكفلر'، وكان ثمنها آنذاك 8,5 مليون دولار، فيما أصبح المبنى الذي يتألف من 39 طبقة جاهزاً في العام ·1947
لا ريب أن هيكلية المنظمة الدولية تأثرت بمناخ مؤتمر يالطا في فبراير 1945 والذي جمع كلاً من 'فرانكلين روزفلت' و'جوزف ستالين' و'نستون تشرشل'، هذا قبل أن تندلع الحرب الباردة لعقود عرف خلالها المبنى الزجاجي أكثر المعارك الديبلوماسية ضراوة، خصوصاً مع نشوء حركة الحياد الايجابي في الخمسينات والتي كان من أبرز نجومها 'جمال عبدالناصر' و'جواهر لال نهرو' و'جوزف بروز تيتو' و'أحمد سوكارنو' و'كوامي نكروما'· لم يتحطم زجاج المبنى، ولكن ماذا لو كان العالم من دون تلك المنظمة؟
قمة يالطا ومقرراتها ذهبت أدراج الرياح ثمة قرية كونية الآن· كل العالم ممثل في الأمم المتحدة ما عدا الفاتيكان وتايوان· الأعضاء الخمسة لا يزالون إياهم، وان حلت الصين محل تايوان· هل حقاً أن الكرة الأرضية لا تدور؟
الغريب أن يكون من طرح هذا السؤال هو المؤرخ الأميركي 'آرثر شيلسنجر'· لابد من ابداء الاستغراب إذا ما لاحظنا ان شيئاً يتغير داخل المنظمة· بالطبع تبدلت وجوه الأمناء العامين، من 'تريغيف لي' (النرويج) و'داج هامرشولد' (السويد) و'يوثان' (ميانمار)، و'كورت فالدهايم' (النمسا)، و'خافيير بيريز دوكويلار' (البيرو) و'بطرس غالي' (مصر) و'كوفي أنان' (غانا)، ولكن بنيويا ثمة خدا أحمر (أم أسود؟) يحول دون إعادة الهيكلة بالصورة التي تتوافق والتغيرات المثيرة التي حصلت في العالم· الطريف أن ثمة رأساً ساخراً للمندوب الأميركي 'جون بولتون': 'هل تقصدون أن نعطي الصين أربعة مقاعد إضافية دائمة في مجلس الأمن؟'، هذا عندما طرحت مسألة أخذ البعد الديمرغرافي بالاعتبار، وهو الذي سبق وقال ألا شيء يتغير إذا ما أزيلت بضع طبقات من المبنى··
المسألة لم تعد تحتمل لا السخرية ولا اللامبالاة· ثمة واقع يفرض نفسه، ولكن على الذين يطالبون بالاصلاح أن يغضوا الطرف حالياً لأن المشهد الدولي لا يسمح بإطلاق تلك الورشة المعقدة·إذاً، كل شيء يبقى على حاله· يكتب 'اندريه فونتين': 'لنضع الأمم المتحدة في الثلاجة إلى ما بعد الحرب العالمية الثالثة'· الكاتب السياسي الفرنسي الشهير يلاحظ وجود خلل عميق في البنية الراهنة للمنظمة، وفي آلية الأداء: 'هل من الواقعي أن نحافظ على منطق الديناصور؟'· لا أحد هناك يجب على مثل هذه الأسئلة· 'كوفي أنان' شديد التهذيب، ويفضل أن يطوي أوراقه بهدوء كي لا تهب العواصف· حتى الأمم المتحدة لا تستطيع أن تتجاوز المنطق القائل إن التأجيل هو أفضل الحلول·
العالم العربي
لا يعني شيئاً أن الكرة الأرضية قد تغيرت· ماتت الشيوعية، وقال 'فرنسيس فوكوياما' أن التاريخ انتهى· لا يهتز المبنى الزجاجي ما دام أحد لا يكترث بأن عدد سكان الهند تجاوز المليار نسمة، وأن ألمانيا واليابان تشكلان القوة الثانية والثالثة في الاقتصاد العالمي، وان عدد سكان العالم العربي (كمنظومة إقليمية في اطار المنظومات الاقليمية الأخرى التي ستؤخذ بالاعتبار) يتجاوز الربع مليار نسمة· بالامكان إذاً، إبقاء ثلثي سكان الأرض داخل الجمعية العمومية التي تحولت إلى منبر خطابي للدول التي لا تجد مكاناً آخر أكثر حساسية لرفع صوتها· لا إصلاح للأمم المتحدة، كبنية سياسية عالمية، ولكن ماذا عن المبنى نفسه؟ في شهر كانون الأول/ ديسمبر الفائت، كان على 'كوفي أنان' أن يلغي جولة آسيوية مقررة إلى كل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام، هذا لأن 'بولتون' أبلغه أن الوقت لا يسمح بمثل هذه الزيارات البروتوكولية فيما المنظمة تستعد للبحث في مسألة حساسة للغاية: الموازنة··
الموازنة التي تخضع لتجاذبات مثيرة يتقاطع فيها السياسي مع المادي مع الأخلاقي· فقد سبق لــ 'أنان وطلب مبلغ 1,6 مليار دولار من أجل اعادة تأهيل مبنى الأمم المتحدة، وهو ما جعل البعض يطرح هذا السؤال اللافت: هل من الضروري لمنظمة مهمتها حفظ السلام العالمي، ومكافحة الفقر، وهي تلهث باستمرار بحثاً عن المال لتغطية نفقاتها أن تشغل قطعة أرض في منطقة هي الأغلى في العالم، وفي واحدة من أكثر المدن ارتفاعاً في كلفة المعيشة؟
والواقع أن أحداً لا يستطيع أن ينفي أن المبنى الذي انقضى أكثر من نصف قرن على اقامته بات بحاجة ماسة إلى التحديث التدريجي، طبقات بعد طبقات، حتى أن البعض راح يقول إن المبنى تحول إلى مغارة زجاجية، أو إلى عمارة هرمة في إحدى دول العالم الثالث· على الأقل، إنه لم يعد يليق بمدينة مثل نيويورك ترتفع فيها الابراج الأنيقة والهائلة·
هل تقبل الإمبراطورية؟
خطة إعادة التأهيل تلحظ موعداً أقصى للإنجاز هو العام ،2014 مع امكانية ان تتجاوز التكلفة المبلغ الذي طرحه 'أنان'، خصوصاً مع تطور التقنيات في مجال البناء، ومع رغبة البعض في أن يعكس المبنى مظاهر الحداثة والتطور، وحتى الرفاه، التي بلغت ذروتها في الحقبة الراهنة، وبالطبع دون النظر إلى المشاهدة الأخرى في دول الفاقة· ولكن إذا ما أقرت الجمعية العمومية الخطة، فهذا يعني أن الجزء الأكبر من الموجبات المالية سيكون على عاتق 15 دولة تساهم، عادة، في تغطية 86 في المئة من الموازنة السنوية، أما البلدان المتبقية فإن المعدل الوسطي لقيمة ما تدفعه كل منها هو 0,08 في المئة· وفي هذه الحال، على الدول الخمس عشرة أن تفكر في ما إذا كان هناك من بديل غير خطة الأمين العام·
لاشيء في الميثاق الذي يتألف من 111 مادة يوجب أن يكون مقر الأمم المتحدة في مكان معين· لكن المدينة التي يتواجد فيها المبنى هو نيويورك، ونيويورك هي في الولايات المتحدة، فهل تقبل أكبر امبراطورية في التاريخ أن 'تفلت' المنظمة من يديها؟
ثمة من سيلقي هذه القنبلة الصوتية داخل المبنى الزجاجي على أساس أن الطرح لا يتناقض وأساسيات الميثاق، ثم أن المطلوب أن يكون المبنى البديل في دولة متقدمة، تحترم حقوق الإنسان، آمنة، ديموقراطية، منفتحة على العالم الخارجي، وتتمتع ببنى تحتية متطورة، كما أن كلفة المعيشة فيها ليست مرتفعة جداً· بالطبع لابد أن تكون المدينة المقصودة تتكلم الانجليزية أو على الأقل تكون هذه اللغة موجودة بقوة فيها، ناهيك عن أن من الأفضل جداً أن تكون متعددة الأعراق لتعكس الغرض الفلسفي من قيام المنظمة الدولية·
حي صيني أيضاً··
مدينة بديلة عن نيويورك ولا تبعد عنها سوى 500 كيلو متر: مونتريال!! حكومة كندا، وكذلك حكومة ولاية كويبك، مستعدتان لتقديم الأرض مجاناً· هناك مساحات فضفاضة في دولة تقارب مساحتها مساحة الولايات المتحدة ولكن بعدد سكان محدود جداً· لا مأخذ البتة على المدينة التي تتوافر فيها كل الوسائل التكنولوجية، كما لو أن البيئة هناك تبعث على البهجة، خصوصاً إذا ما أنشئ المبنى على مسافة من الزحام وبين غابة من الأشجار·
لن يكون المبنى عبارة عن مكاتب وقاعات للاجتماعات، بل أن بالامكان تشييد مجمع متكامل: قاعات الاجتماعات، ردهات جانبية، مكاتب، شقق سكنية، مدارس، مركز تجاري، وحتى مبان مستقلة للوفود· المجمع قريب من مونتريال التي تتواجد فيها أرقى المستشفيات والفنادق والجامعات، بالإضافة إلى مطارها الحديث·
المدينة تتكلم الانجليزية والفرنسية بطلاقة· إذا افتقد الصينيون 'تشاينا تاون' في نيويورك فلسوف يجدون شيئاً قريباً في مونتريال، لابل أن كل وفد سيجد أن بني قومه قد سبقوه إلى المدينة التي تكتظ بالعرب· هذا يعني أن الوفود العربية ستكون الأقل غربة· مدارس عربية، ومطاعم لا تحصى تقدم التبولة، ومناقش الصعتر، والكشري، والكوسكوس وما إلى هنالك من أطباق معروفة في العالم العربي· بالطبع وصولاً إلى الفول المدمس (الذي مع منقوشة الزعتر) غزا الذوق الفرنسي والانجليزي هناك، إضافة إلى أبناء الاتنيات الاخرى· وبعبارة أخرى، كل وفد يجد نفسه هناك مدينة مفتوحة ومنفتحة، وهي، إلى حد ما، ورغم العلاقات الجغرافية والاستراتيجية والاقتصادية بين كندا والولايات المتحدة، تبدو هذه الدولة شبه حيادية، دون أن ننسى أنها في الشمال لا في الجنوب الأميركي الذي يحمل مفاهيم وقيم وتصورات وآراء مختلفة· ولكن من أين يؤتى بالمال لتغطية نفقة إنشاء المجمع؟ المسألة سهلة، فالـ 8,5 ملايين دولار التي دفعها 'جون روكفلر' ثمناً للأرض التي أضحت ملكاً للمنظمة الدولية تضاعفت على نحو جنوني· إنك في نيويورك حيث حبة التراب تعادل أو تتجاوز حبة الذهب· وعلى هذا الأساس يتم بيع الأرض في نيويورك· وبالفعل فهناك من عرض الشراء، واقترح نقل المبنى الى خارج المدينة· كلفة المعيشة في مونتريال أدنى بــ 40 في المئة من تكلفة نيويورك، وهذا يعني أن بالامكان توفير مئات ملايين الدولارات التي - إذا حسنت النوايا - تخصص لمكافحة الايدز والعوز· قد يدعم الانجليز، حلفاء الولايات المتحدة بامتياز، الفكرة باعتبار أن كندا هي عضو في الكومنولث و'تخضع' لصاحبة الجلالة الملكة 'اليزابيث الثانية'· هذا مع اعتبار أن نفوذ الولايات المتحدة في مدينة كندية لن يكون أقل، إلا من الناحية السيكولوجية ربما، من نفوذها في مدينة اميركية، ولكن هل تبقى نيويورك إذا ما انسحبت منها الأمم المتحدة؟ الفكرة مطروحة بجدية السيد 'جون بولتون' يرصد ردات الفعل بطرف عينه· شارباه يهتزان···

اقرأ أيضا

إعصار "تريفور" يضرب أستراليا والسلطات تتأهب