الاتحاد

تقارير

موسم التراجع الروسي

في خضم الأزمة الاقتصادية وما صحبها من نزاعات سياسية داخل روسيا وخارجها، وجه الكريملن دعوة للرئيس الأسبق ميخائيل جورباتشوف، بقصد استشارته في ما يجري· بل تجرأ الرئيس ميدفيديف على توجيه الانتقادات لرئيس وزرائه وأقوى شخصيات حكومته: بوتين· وربما بدا في مؤشرات التغير الطفيف هذه في سياسات موسكو القابضة، ما حمل بعض المحللين على الاعتقاد بتراجع قادتها نوعاً ما أمام الضغوط المالية الكبيرة التي تواجهها بلادهم· بل رأى فيها البعض أن روسيا بوتين لم تعد تلك الدولة الغنية السابحة فوق بركة من النفط، الشديدة المناكفة للغرب، إلى جانب إخراسها لصوت المعارضة الداخلية· ومن بين مؤشرات التغيير هذه، ظهور بوتين في ''قمة دافوس'' الأخيرة وإدهاشه للحاضرين جميعاً بحديثه الحماسي عن مزايا الحكم والاقتصاد المنفتحين·
وقبل وقت قريب جداً، كان مستحيلاً على موسكو أن توجه دعوة تشاورية كهذه إلى محرر صحيفة ''نوفايا غازيتة'' المعارضة، ولا إلى ميخائيل جورباتشوف، الذي يعرف عنه كونه رمزاً لسياسة ''الجلاسنوست'' أو الانفتاح والمصارحة· وكان هذان قد التقيا بالرئيس ميدفيديف في الكريملن مؤخراً، حيث أعرب لهما عن حزنه على مقتل محام بارز لحقوق الإنسان وصحفية من ''نوفايا غازيتة'' المعارضة في الشهر الماضي، مؤكداً في الوقت نفسه أهمية ارتفاع صوت المعارضة في بلاده·
إلى ذلك أبدت موسكو موافقتها على فتح طريق للإمدادات يمر من روسيا إلى أفغانستان، من شأنه تمكين قوات ''الناتو'' من تفادي طريق الإمدادات الخطير، الذي كان يمر عبر الأراضي الباكستانية المضطربة والمعادية للحلف· تعليقاً على هذه التحولات في الموقف الروسي، قال ديمتري أورشكين -المحلل الرئيسي بـ''معهد موسكو للجغرافيا- إن المنطق بسيط للغاية : ''فكلما قل مالك، كلما قل صلفك وتواضعت''· وفي الوقت نفسه بدأت قلة تتحدث بقدر أكبر من الجدية عن احتمال وشيك لانهيار القيادة الروسية· إلا إن الحقيقة هي أن قبضة القادة على هياكل السلطة ومؤسساتها، وكذلك على أجهزة المخابرات والأمن، إلى جانب سيطرتهم على النخبة الاستثمارية، لا يزالان على قوتهما· بل إن شعبية هذه القيادات لا تزال على ارتفاعها·
ولعل ما حمل البعض على الاعتقاد بدنو انهيار القيادة، أن هذا الموسم بدأ باغتيال ستانسلاف ماركيلوف محامي حقوق الإنسان البارز، والصحفية أناستاسيا بابروفا، بطلق ناري في وضح النهار، وقريباً من قصر الكريملن في التاسع عشر من شهر يناير المنصرم· كما بدأ العام بامتناع موسكو عن تصدير منتجاتها الغازية إلى أوروبا عبر جارتها أوكرانيا، بسبب خلافاتها مع الأخيرة حول أسعار الغاز· وإلى هذه البدايات السيئة للعام، تضاف مشكلة الانخفاض الحاد لأسعار النفط العالمي، وانكماش الاحتياطي الروسي من الذهب والنقد، بفعل تداعيات الأزمة المالية الاقتصادية العالمية· وتبعاً لها تأتي مشكلة ارتفاع معدلات البطالة، وتزايد إغلاق الشركات والمصانع والاستثمارات، وتأخر صرف رواتب ومستحقات العاملين· وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى تزايد السخط الشعبي على أداء الحكومة· والآن أصبحت الحكومة بحاجة ماسة إلى وفرة نقدية كي تحقق بها أهداف العقد الاجتماعي المبرم بين بوتين والمواطنين الروس، وهي الأهداف الرامية إلى تحسين المستوى المعيشي للمواطنين، مقابل الحصول على دعمهم السياسي له· لكن وخلافاً للسنوات الأخيرة الماضية التي حققت فيها روسيا فائضاً اقتصادياً كبيراً في ميزانياتها السنوية، يتوقع أن تعلن موسكو عجزاً في موازنتها العام الحالي·
ويرى بعض المحللين أن المظاهرات ومواكب الاحتجاج الشعبي على تردي الأوضاع الاقتصادية، التي شهدتها العديد من المدن الروسية مؤخراً، لا تهدد بتراجع شعبية حكومة بوتين فحسب، بل إنها تنطوي على خطر أكثر جدية، قائلين إن بعضها كان منسقاً ومدفوعاً بتحريض من سلطات رسمية إقليمية، خاصة في الأجزاء الشرقية النائية من روسيا· ومن رأي المحلل الرئيسي أورشكين، أن زمن ''الإجماع'' الشعبي على بوتين قد ولى بذهاب عائدات النفط وموارده الضخمة، لأن تلك الموارد هي التي مكنت بوتين من شراء الولاء الشعبي له· بل إن الموارد نفسها هي التي مكنته من المحافظة على التأييد الذي كان يحظى به من قبل النخب الاقتصادية الروسية·

ميجان كي· ستاك- موسكو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا