الاتحاد

دنيا

إبراهيم أصلان: السخرية في أعمالي وجه آخر للأسى


القاهرة - حمدي أبوجليل:
الروائي المصري ابراهيم اصلان فاز مؤخرا بجائزة الشاعر اليوناني كفافي عن مجمل أعماله القصصية والروائية، والتي تعتبر من أهم الجوائز ذات المصداقية في مصر واليونان، وهي الثانية التي يحصل عليها ابراهيم اصلان عن مجمل اعماله بعد تقديرية الآداب التي حصل عليها العام الماضي·
التقينا اصلان في قصر المانيسترلي فور تسلمه الجائزة حيث اغتنم الفرصة وطالب المؤسسات المصرية بالاحتفال بالشاعر اليوناني كفافي وبغيره من الشعراء والكتاب العظام الذين عاشوا أو اهتموا بالثقافة العربية، وروجوا لها وساندوها· مؤكداً أن من حسن حظ اعمال الشاعر اليوناني العظيم كفافي أنها ترجمت بشكل جيد، وعمل عليها مترجمون مخلصون مثل محمد ابراهيم اشويش والشاعر احمد مرسي، لافتاً النظر إلى غياب الاهتمام حتى بالكُتاب العرب الذين يكتبون بلغات أجنبية، رغم ان عواملهم وهمومهم وقضاياهم والشخصيات التي يكتبون عنها معربة وعربية صحيحة، مقترحاً سلسلة أدبية لنشر أعمال العرب الذين يكتبون بلغات أخرى، معرجاً على ما أضافه جيل الستينات الذي يعتبر أصلان أحد أبرز كتابه، وهنا التفاصيل:
سألنا إبراهيم أصلان عما تمثله له الجائزة فقال: الجائزة مفاجئة، وصادقة، ومشهورة بالنزاهة والموضوعية، والاسماء التي فازت بها قبلي تشهد بذلك، ثم انني من المحبين للشاعر اليوناني العظيم الذي تحمل اسمه، واعتبره شاعرا مصريا، ولد في الاسكندرية وعمل موظفا في شركة المياه لمدة طويلة، ورغم انه يكتب باليونانية فان همومه بسبب شموليتها تظهره وكأنه منبت الصلة باليونان والأرض بشكل عام·
وعما إذا كانت الجائزة تعني أن مشروعه قد اكتمل باعتبارها تأتي عن مجمل أعماله، أجاب: 'حصلت في مشواري على ثلاث جوائز· الأولى كانت عن روايتي 'مالك الحزين' وهي جائزة طه حسين التي تمنحها جامعة المنيا ومازلت اعتز بها حتى اليوم، والثانية هي جائزة الدولة التقديرية في الاداب، والأخيرة هي جائزة كفافي، وهي ليست عن مجمل الاعمال، ولكن عن مجمل الاسهامات في هذه المرحلة وهذا احساسي بها، وربما هناك تداعيات أخرى ولكن لا أفضل ان اعرفها وبالطبع لن اكون مسرورا بأن هذه الجائزة ستشيعني'!
سخرية الغبطة
ولأن السخرية ملمح اساسي في أعمال إبراهيم أصلان سألناه عن سبب ازديادها في أعماله الأخيرة بعد أن كانت متوارية وربما خجولة في اعماله الأولى، فعلق قائلا:
'السخرية وجه آخر للأسى، وهي نقيضة لقوى أخرى عكسها، وهي جزء من تكوين الكاتب ولا يمكن افتعالها، واعترف انني في المراحل الاولى كنت اخشى من الانغماس فيها· كان لدي ميل طبيعي للسخرية، ولكن في نفس الوقت كان لدي احساس بأنها ستحول الموقف أو المشهد أو القصة الى نكتة أو مسخرة· والسخرية عامل فعال في النص وتحتاج الى خبرة لانها لصيقة اكثر بما هو انساني وهذا يحتاج الى نوع من الدربة، واعتقد انني وفقت الى حد ما بربط السخرية بما هو انساني في اعمالي، وما اسعى اليه من خلالها ليس الاضحاك الذي يمكن ان يفوز به بهلوان أو مهرج ولكنه نوع من الغبطة الانسانية·
ملامح الستينات
وبما أن إبراهيم أصلان واحد من جيل الستينات، واكثرهم انشغالا بهموم التجديد سواء القصة أو الرواية حاولنا معرفة ما الذي اضافه هذا الجيل بعد نجيب محفوظ فقال: 'لن استطيع التحدث عن كل كُتاب الستينات فهم ليسوا شيئا واحدا، ولكني اتصور ان هناك عدة ملامح عامة تواترت في الاعمال الاساسية للبارزين منهم، ابرزها واهمها في نظري ان نجيب محفوظ شأنه شأن الكتاب الراسخين الكلاسيكيين كان صاحب رسالة والعمل لديه يبدأ بمفهوم اساسي، من فكرة أو معنى يسعى لايصاله للقارئ، وهذا يعني ان العمل الروائي أو القصصي يتحول الى برهنة على هذا المفهوم، في حين ان كتابة جيلنا لا تبدأ برسالة أو مفهوم، ولكنها تسعى من خلال الكتابة لرسالة، بمعنى انها لا تبدأ برسالة جاهزة ويبرهن عليها العمل، فهي غير قابلة وغير راغبة في تبني أو البرهنة على أي من المفاهيم الموجودة مثل قضايا الحرية والعمل والاخلاق وغيرها من القضايا الكبرى، والحقيقة لديها هي الحقيقة الفنية التي ليست في حاجة الى أي برهان، شأنها شأن الوجود الانساني، ومن هنا فهي كتابة تسعى الى أفق ابعد، لا تبدأ بالمعنى ولكن تسعى اليه· وهناك أعمال قليلة لدى كتاب الستينات نهجت هذا المنهج وأنا شخصيا تواكب هذا الاختيار معي، ولا اقول انه الصيغة الصحيحة، ولكنها الصيغة التي تناسبني وفي متناول يدي·
الذاكرة البصرية
وهناك أيضا الاعتماد اكثر على الذاكرة البصرية، بمعنى ان اللغة لم تعد لدى بعض كتاب الستينات الطريق الامثل للتعبير عما هو مرئي واللغة وسيط بين الكاتب والمتلقي، وانت لا يمكنك اثراء الوسيط الا عبر امكانيات تعبيرية بوسائط اخرى مرئية، والاستفادة من الوسائط المرئية ليس غرضه اغناء الاداة أو اللغة، بقدر ما هو رغبة في الاستمتاع بأن تكون ذاكرتك بالاساس بصرية·
وأنا ذاكرتي بصرية وعادة اذكر الاشياء وانسى الاسماء، لذلك أنا متعلق بلغة الصورة، واعمل على اللغة عبر النص لتكون نقيضا لفعل القراءة نفسه· قلت مرة انني اعمل على تلاشي اللغة لكي تبرز المشاهد والاماكن والاحاسيس، واعتقد انك اذا قرأت وانت لا تسمع وتشم وتستخدم كل حواسك جيدا يبقى فعل القراءة ناقصا، أنا اسعى لكي يكون النص مسموعا ومرئيا وحركته تنطق بالمشاعر والاحاسيس المكنونة فيه·
ولديَّ ولع برد الكلمات الى عناصرها الأولى ولا أحب التفاصح، ولا ان تكون القراءة نوعا من الدردشة اللغوية، وأسعى الى نص يقوم على نسيج لغوي ينبثق عن حركة وعلاقات والوان وليس عن كلمات فقط، بمعنى انك كقارئ تعيش حالة ولا تقرأ حالة لذلك لا احب التفاصح، ولا أحب التشدق بالمفردات، واعتقد ان بلاغة النص الادبي ليست بلاغة اللغة، ولكن بلاغة الحالة النفسية والجمالية التي يجسدها·

اقرأ أيضا