الاتحاد

دنيا

ملاحظات غربي في خيمة بدوي


القاهرة ـ ابراهيم فرغلي:
عن واقع البدو العرب في مطلع القرن الماضي ورؤية الغرب لهم يدور كتاب يمثل الترجمة العربية الأولى لمذكرات رحالة اميركي هو ويليام سيبروك كان قد زار مناطق البدو في الشام والعراق في عشرينات القرن الماضي وكتب عن رحلته· في مقدمة الكتاب لا يجد الكاتب مبررا يدفعه للترحال الى المنطقة العربية، لكنه يوضح ان هناك دوافع سيكولوجية مركبة أكثر من كونها دوافع معرفية·
ويقول سيبروك: لم أفهم قط علة أي شيء، وأقل ما فهمته هو تلك الأشياء الغامضة من ذكرياتي الأولى وهو كتاب صور أعطتنيه أمي في أيام الحضانة المبكرة وكانت الصورة التي تواجه صفحة العنوان تظهر شخوصا ثلاثة مهيبة من عالم آخر، متخفية في أرديتها، وممتطية صهوة بهائم غريبة هائلة تبدو كأنها تطارد النجوم· لقد أفعمت تلك الصورة خيالي الغض بانفعال لا يوصف· أما الصورة الثانية فكانت صورة طفل وأناس راكعين ولم تثر اهتمامي·
وفي موضع آخر يقول: قرأت 'ألف ليلة وليلة' ورحلة ماركو بولو وحاولت أن أخبر اصدقائي عما سنجده في سمرقند من معابد وقصور وقباب مذهبة، وعمالقة سود يحملون سيوفا معقوفة، وعبيد شراكسة موثقين الى اعمدة، من رخام، لكنهم سخروا مني، واتخذوا قرارا بالتخلي عني، والانطلاق في صباح اليوم التالي الى معرض شيكاغو العالمي وهم يغنون·
ويحكي عن محاولة للتسلل الى ظهر إحدى البواخر للذهاب الى تركيا انتهت بالامساك به في نابولي والقبض عليه الى ان التقى يوما شابا شرقيا اسمه داود عزالدين وعنه يقول 'كان داود، الدرزي الآتي من بلاد العرب، أحد نبلاء تلك السلالة الغريبة الشديدة البأس من المحاربين الذين كانوا في نظر الأميركيين حينئذ أسطوريين شأن جموع يأجوج ومأجوج، وأصبحت المعرفة بهم أوضح بعد الثورة العنيفة التي قادوها ضد الفرنسيين في سوريا'·
أحلام
ويتابع سيبروك: أصغيت الى داود مسحورا وهو يتحدث عن قومه الساكنين في قصور اقطاعية مبنية بالحجارة البركانية وسط الجبال المحاذية للصحراء العربية الكبرى، وعن عبيد حرب السيوف وصقور، وكلاب صيد، ونساء جميلات ذوات نقاب ابيض، وفرسان ذوي شعور طويلة مجدولة، ورماح ملتمعة· وجاشت أحلامي الغافية على نحو تصعب مقاومته هذه المرة· كان المال هو العائق، اضافة الى الاعتقاد الشائع بان المسيحيين الذين يخاطرون بأنفسهم وسط اولئك الجبليين الاسطوريين لا يرجعون دائما أحياء· بيد أن داود أدرك بعد أمسيات أخرى كم كنت جادا في الأمر فقال: لن يصعب عليك العثور على والدي في بيروت المؤرخ الدرزي سليمان بك عز الدين· فما عليك إلا أن تغادر الى بيروت وتسأل أول عربي تراه أين بيت عز الدين؟
وكانت هذه المقابلة هي المفتاح الذي أمسك به سيبروك، لكي يحقق أحلامه الطفولية في بلاد العرب، ولكن من هو ويليان سيبروك؟
الاشارة التي قدمها المترجمان عارف حديفة ونبيل حاتم تعتبره لغزا غامضا، وكان قد ولد في بلدة ويستمنستر بولاية ميريلاند الاميركية عام ،1886 وتجول في أكثر بلاد العالم غرابة مستكشفا المختلف والمتميز في المكان والسكان، سابرا أغوار مجتمعات وثقافات أثارت جدلا في التاريخ، أو لفتت أنتباه العالم لتميزها أو اختلافها· وشدت كتبه ملايين القراء حين كتب واصفا رحلته المشهورة الى بلاد العرب ـ موضوع هذا الكتاب ـ أو في كتابه 'جزيرة السحر' حيث عاش أشهرا مع جماعة السحر الأسود في جزيرة هايتي، لكنه صدم قراءه عندما وصف مشاركته الطعام لجماعة من أكلة لحوم البشر في كتاب 'الحياة في الغابات'· وقالت عنه زوجته الثانية مار جوري ورثينجتون في كتابها عنه: كان رجلا رائعا ذكيا ومحبا وصادقا في نقل مشاهداته وكان فيه مس من عبقرية وجنون معا·
وقد مات منتحرا في عام 1945 بعد تناول كمية من المسكنات وفي أول فصول الكتاب يشرح الكاتب كيف ذللت الرسائل التي حملها من الامير أمين أرسلان في بيروت الطريق الى خيمة شيخ القبيلة التي توجه اليها والذي يعرف باسم الشيخ مثقال·
ونبحت الكلاب فوضع منصور يده بمحاذاة فمه، وأطلق صيحة مثل هندي ليعلن اقترابنا، فجاوبته صيحات من المخيم· كان القمر يتحول لونه من الفضي الى الذهبي الشاحب ولكن ضوء النهار كان ما يزال في السماء· نساء مخيفات وبرونزيات مثل الرجال، سافرات الوجوه، وكلهن مرتديات ثيابا سوداء طويلة تتجرجر على الرمل، ومعهن اطفال عراة تماما يلتصقون بهن، وقفن أمام الخيام الصغيرة في أثناء مرورنا بها· كن فضوليات وغير مستحيات ولا يشبهن في شيء نساء المدن المسلمات· تلقينا منهن تحية ودية، بل ان احدى الصغيرات رفعت صوتها محيية وهي تضحك·
ويصف زعيم القبيلة 'بني صخر' الذي وقف على باب الخيمة لاستقباله وعانقه، بأنه السيد المطلق لخمسين الف رأس من الماشية واثنى عشر الف محارب، وهذا يجعله مليونيرا كبيرا حتى لو حسبت ثروته بالدولار الاميركي· ومالك ست قرى وعدة أميال من الأرض المزروعة· وقصر تقيم فيه بطانة من العبيد وأكبر زوجاته، الا انه لا يسكنه، ونادرا ما يرتاده الا لاستقبال ضيوف الدولة الرسميين فهو يفضل قيادة قبائله ومشاركتها الحياة في الصحراء·
ويصف الكاتب زعيم القبيلة، الذي كان يحافظ على بساطته، ويقدم وصفا لمراسم الضيافة التي بدأت بطقوس تقديم القهوة· لكن الكاتب رفض تناول القهوة من منطق يقينه في فكرة بسيطة هي 'أنه عندما يقبل انسان ضيافة آخر سواء أكان ذلك في غرفة استقبال أم في خيمة، فلا يضيره أن يراعي جميع قواعد الكياسة السائدة هناك'·
ويصف لاحقا طقوس تناول النرجيلة والتدخين، ثم العشاء في قصعة كبيرة منبسطة قطرها خمسة أقدام حملها خمسة رجال ممسكين بحلقات من حديد· استقرت عليها شاتان مذبوحتان على كومة من الأرز والمرق ثم صفت حول حافة القصعة لفائف من الخبز الرقيق الطري· ومن اليوم التالي قرر ان يلبس كالبدو، وهو ما أثار سعادة مضيفيه كثيرا وساهم في تعميق العلاقة معه·
صدق وتسامح
وعلى امتداد الكتاب يقدم الكاتب ملاحظاته·· وهي تكشف انطباعات غربي عن مجتمع عربي، حتى لو أن ذلك يعود لوقت طويل مضى، لكنه، بالتأكيد مازال يلقي بظلاله على علاقة الشرق بالغرب الآن·
ويقول سيبروك: كان اصدقائي من البدو من بني صخر مسلمين مؤمنين صادقين مخلصين، ولكنهم لم يكونوا متعصبين ولا متشددين في مراعاة الطقوس· ولقد وجدت الأمور على هذا النحو بين القبائل التي عرفتها شمالي الصحراء العربية على الأقل·
ويوضح أن تسامحه الديني الذي شرحه لمضيفيه في احدى الجلسات أغرى زعيم القبيلة ان يجعله يردد الشهادة فرددها بلا تردد وهو ما جعل مثقال يشعر بالسعادة مؤكدا انه اكتشف ان ضيفه الأجنبي مؤمن صادق الإيمان·
ويقول المؤلف: 'كانت هذه طريقته الصادقة في النظر الى الأمر وما كان عندي أي رغبة في أن أنكر ذلك· لم يشعر أنه قد هداني الى دين جديد، أو أنني أرتددت الى ايمان آخر· لقد شعر بانني مسلم بالفطرة لاغير'·
وفي موضع آخر يلاحظ كيف تتعامل القبائل مع بعضها فيقول: لما وصل اربعة رجال من قبيلة صليب ـ وهي قبيلة غير عادية ومغمورة من المسيحيين الرحل مقامها في الجنوب الشرقي من دمشق ـ ليقايضوا حميرا بالحبوب، أحسنت معاملتهم، ولكن باعتبارهم أقل شأنا·
أغدقت عليهم الماء والقهوة في مقعد مثقال، غير أني لاحظت أنهم أنفردوا عن رجالنا، ولما حل المساء، نصبوا خيمة صغيرة خاصة بالترحال، وأعدوا فيها طعامهم، ثم ناموا· وصديقي الأمير أمين أرسلان الذي عرف قبيلة الصليب عندما كان واليا على الصحراء في العصر التركي كان يرى أن القبيلة قد تشكلت نتيجة الاختلاط منذ الحملة الصليبية الأخيرة وهي قبيلة بلا طقوس، ولا احتكاك لها بالموارنة أو أي طائفة محلية مسيحية ورمزها الوحيد هو صليب خشبي· وهي تؤمن بألوهية المسيح· وأغلبهم زرق العيون وشقر وهم يملكون حميرا لكنهم لا يملكون خيولا· ويوضح الكاتب ذلك بأن الأصل في ذلك يعود الى فترة انتهت منذ أربعين سنة أو نحو ذلك· إذ كان لا يسمح لأبناء البلاد من اليهود والمسيحيين بأن يظهروا بين الناس على ظهور الخيل·
ويلاحظ المؤلف نفور البدو من الحمير وفحول الخيل، موضحا ان خيل الركوب كانت كلها افراسا وهم يكنون لها حبا عظيما· أما الحيوانات المدللة فكانت ابل مثقال الهجان·
ويشير الى الكثير من الكتابات التي وصفت الجمال بأوصاف مشينة تجمع بين الحقد والبلاهة التي يتصف بها الجمل الجورجي ذو الرأس الذي يشبه الجرة· فهو قبيح كالخطيئة وقلبه الأسود مليء بالكراهية السوداء الشريرة·
لكنه يستدرك قائلا: في الصحراء العربية سلالة من الأبل مختلفة عن سلالة ابناء الشيطان هذه وهي سلالة الابل الهجان، أو ابل السباق، مفخرة اصحابها وموضع اعتزازهم و'في ليلة تالية وصل موكب ضم خمسمئة من تلك الحيوانات الرائعة الجمال· كانت خالصة البياض، وذات أطراف طويلة ونظيفة· وأعناق رشيقة، ورؤوس صغيرة حسنة الشكل وكان يتولى أمر العناية بها شيخ صغير السن'·
وعندما شاهد مثقالا يطعم جمله لاحظ شيئا غريبا وشت به عينا البعير لم يستطع أن يثبته حتى أدرك أن له أهدابا كثيفة على جفنيه الأعلى والأسفل، وهذا ما جعل عينيه تبدوان انسانيتين على نحو غريب·
ومن بين ما لاحظه عن المجتمع النسائى في مجتمع البدو قوله: 'ان النسوة البدويات يتمتعن بحرية لا تعرفها النساء المسلمات في المدن، غير ان الرجل يبقى هو الولي والسيد سواء كان في الصحراء أم في المدينة· والعربي الذي ينتمي الى قبيلة مثل بني صخر هو ارستقراطي نادرا ما تجده النساء المطالبات بالمساواة متعاطفا مع أن شعاره دع النساء يقمن بالعمل، فهو يفخر أشد الفخر بأن القتال هو عمله الوحيد'·
وفي موضع آخر يقول: صحيحا أن نساء البدو، حتى في القبائل الشريفة الأصل يصبن بالوهن مبكرا، أي يفقدن شبابهن ونضارتهن ولكنهن يحتفظن بالأبهة وحرية التصرف، ويبقين في أكثر الأحوال منتصبات القامة كالرماح، ولا يصبن بالسمنة·
كما توجه الكاتب الى منطقة جبل الدروز جنوب شرقي دمشق وهي الرحلة التي رافقته فيها زوجته هذه المرة حيث التقيا سلطان باشا الأطرش في السويداء، كما انطلقا للقاء حسين باشا الأطرش زعيم قرية عنز، على ظهور الجمال الى دار حسين باشا التي يصفها بمعقل حصين ضخم على سفح تل، وقد تراكمت تحتها مئات المنازل ذات السقوف المستوية والجدران الحجرية السميكة·
وقدم لهما العشاء على المصطبة عبدان اسودان كأنهما خرجا من كتاب الف ليلة وليلة بثوبيهما الواسعين ولكن مع انهما شكلا خلفية تاريخية ترجع الى عصر هارون الرشيد، فان الوجبة كانت 'حديثة' حتى اللمسة الأخيرة'·
كما يقدم ملاحظاته عن بعض الخرافات التي شاعت آنذاك عن أن أهل المكان يدفنون موتاهم في جدران المنازل ويؤدون طقوسا خفية ويؤمنون بالسحر الأسود·
ولكنه فهم من حسين باشا لاحقا أن الدروز المتمسكين بالأفكار والعادات القديمة يؤمنون بالخرافات ويعتقدون أن الأرواح الشريرة تتلبس الانسان·
وحضر الكاتب بنفسه جنازة أحد الدروز وشرح تفاصيلها، موضحا انه اكتشف ان الفكرة الخاصة بدفن الدروز لموتاهم في جدران منازلهم ليست حقيقة، لكنها تقوم على ان جماعة تعرف 'بالعقال' كانوا يدفنون هكذا حتى جيل مضى·
كما يصف الكاتب لقاءه بالسيدة المختارة ذات النقاب 'الست نظيرة جنبلاط' أم كمال جنبلاط الذي كان عمره تسعة أعوام في ذلك الوقت·
ويقول: 'جلست في كرسي هزاز ثم دعتنا الى الجلوس· تحدثت نحو عشر دقائق، وكان صوتها رنانا موسيقيا· كانت حريصة على معرفة من نحن بالضبط، وكانت صريحة في طرح الاسئلة على مضيفنا ولما عرفت أننا أصدقاؤه صارت أكثر ايحاء بالمودة'· فسألت كاتي زوجتي عن حياة النساء في اميركا وعن الحركة النسوية وعن حق الاقتراع للنساء·

اقرأ أيضا