الاتحاد

دنيا

مركز الوثائق والبحوث ذاكرة الرمل والماء

جمال مشاعل:
كلما انعطفت على الجسر المقابل لمنصة العرض والمؤدي إلى أرض المعارض على طريق المصفح نحو الطريق المتجهة من أبوظبي إلى دبي والعين، ولاح أمام عيني مبنى مركز الوثائق والبحوث بلونه الأصفر وقبته الزرقاء - تنازعتني ثلاثة أحاسيس: أولاً سحر ذلك المبنى الذي يعكس بيئة أبوظبي الموجودة بين حرف وجرف: حرف الصحراء وشطآن الخليج، صفرة الرمال وزرقة الماء، وبدا لي ذلك التجاوب الدقيق بين مظهره وجوهره؛ إذ إن داخله يزخر بوثائق تحكي تاريخ الرمال الصفراء بلهيبها والمياه الزرقاء بصفائها وعطائها، وثانياً: كلما تأملت ذلك الصرح البديع بذلك الانسجام كنت كمن يتأمل خط الأفق وهو واقف على كثبان رملية؛ فأجد لون الأرض يحاكي لون السماء، وتبدو لي أهداف هذا المركز بنبلها وسموها تصوغ حكاية الأرض، وهي تتطلع بإكبار نحو السماء·
ثالثاً: ولعل الأكثر واقعية من كل ما سبق شكل ذلك المبنى الذي يشبه وثيقة التفت دائرياً، وبقيت بدايتها حرة تفسح المجال لمن يريد الاطلاع والإبحار في المضامين الثمينة··· نعم يطيب لي دوماً أن أدعوه 'المبنى الوثيقة'؛ فهو وثيقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى: وثيقة أنيقة بشكله، ووثيقة ثرية بمضمونه·
تستدرجني الوثيقة الجديدة بشكلها والغنية بتاريخها وإنجازاتها، فأدخل عالمها، مثل كل الأماكن الرائعة في هذه البلاد· أول ما تطالعنا باحات العشب الأخضر تحيط بالمبنى الدائري من مختلف جهاته إحاطة السوار بالمعصم، وعلى هذه الباحات تتوزع أشجار النخيل الباسقة لتترك بصمات البيئة، كالواحات التي يطيب للطيور أن تستظل أفياءها، وتغرد معلنة انتماءها للمكان· وعلى الساحات العشبية الخضراء، وبين النخيل تنبثق بعض نباتات الزينة لتزيد المكان جمالاً·
هوية وشعارعمل
تدخل المبنى من بابه الرئيسي؛ فتطالعك قطع معدنية تتوسط نافورة كبرى تقبع تحت القبة الزرقاء، وإذا توقفت أمام هذه النافورة متأملاً المجسم ذا القطع المعدنية، فإنك ستطلع على هوية المركز: الهوية تتمثل بقول خالد لقائد كبير، إنه الشيخ زايد - طيب الله ثراه ـ الرجل الذي استطاع أن يترك بصماته في البلاد قاطبة، وتخطاها بعطاءاته الجزيلة التي توزعت في أرجاء المعمورة··· قال - رحمه الله ـ: 'الأمة التي ليس لها ماضٍ لا حاضر لها ولا مستقبل'، وهذا هو المركز يؤرخ الماضي ليضيء طريق الحاضر أمام السائرين نحو المستقبل بثقة واقتدار· معانٍ جمة في كلمات معدودة ترسم حدود الزمان، وتبين تداخلات مراحله، وتأثير كل مرحلة في غيرها· وحين يتخذ مركز الوثائق والبحوث من هذه الكلمة الخالدة هوية وشعار عمل، فهو يعرف بدقة شديدة مدى ثقل الأعباء التي عليه أن يتحملها في مسيرته· مكان يثير البهجة بقدر ما يوحي بالجدة والرصانة والتأمل·
قاعة زايد··· نبض التاريخ
بعد المدخل الزجاجي الواسع وعلى يمين النافورة الكبيرة ذات المجسمات المعدنية التي توحي للناظر وكأنها وثائق تنبثق من الأرض لتقول: إن للوثيقة صلابة المعدن وهي تفصل بين الحق والباطل، وتعيد الحقوق إلى أصحابها، وتنسب الفضل إلى الفضلاء، بعد المدخل وعلى اليمين مباشرة تفتح قاعة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أبوابها للزائر ليطلع على الوثائق والكتب النادرة، وعلى الخرائط والصور التي تعتبر وثائق مهمة في تاريخ البلاد·
تتوزع في القاعة عدة مسارات، وكل مسار معني بنوع من الوثائق: فمسار للأنشطة العالمية ومسار آخر للأنشطة العربية والخليجية والمعاهدات، ومسار للأنشطة المحلية والوثائق التي تؤرخها، وتتوزع بين الاتفاقيات والمكاتبات الهامة بين جهات في القيادة السياسية، أو بينها وبين قيادات أخرى· وقد وزعت بعض الوثائق زمنياً وحسب الأنشطة التي حفلت بها البلاد منذ القرن السادس عشر، وصولاً إلى القرن العشرين، وتناسقت الوثائق بأشكالها حسب تسلسلها الزمني، أو حسب موضوع تخصصها، هذا فضلاً عن الخرائط التي بينت تواريخ أماكن هامة من الإمارات على شطآن الخليج العربي، واهتمام الرحالة الأجانب والعرب بهذه المنطقة الحيوية التي تصارعت القوى الأجنبية الكبرى من أجل السيطرة عليها بعدما أدركت أهميتها؛ فكان مضيق هرمز بوابة لخطوط التجارة بين بلاد الغرب وبين أسواقها في بلاد الهند وفارس وما وراءهما، ثم بزغت بوادر الكم الهائل للمخزون النفطي، ما زاد في أهميتها؛ لذا سوف يجد الزائر أقدم خريطة موجودة لساحل الخليج، وتظهر فيها جزر: قشم ولارك، وطنب الكبرى والصغرى، وأبو موسى، ذلك إلى جانب أقدم خريطة للمنطقة، وهي خريطة كونتينو الكروية التي تعود إلى 1502م، وعدد كبير من الخرائط القديمة التي عنيت بالخليج وبوسط شبه الجزيرة العربية··، وغيرها·
وترصد وثائق القاعة أيضاً محطات النشاط الاقتصادي في الإمارات، والتي بدأت بالغوص، ثم شهدت منعطفاً هائلاً باكتشاف النفط، وما رافق ذلك من تنمية عمت البلاد، وفي القاعة جناح خاص لإصدارات المركز من الكتب والمجلات، وجناح آخر للكتب النادرة·
قاعة الواقع الافتراضي
على يسار المدخل تنهض قاعة سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وهي قاعة 'الواقع الافتراضي' أو ما يسمى بالخيال العلمي، وتعرض هذه القاعة فيلماً وثائقياً قصيراً ومفيداً، ثلاثي الأبعاد بتقنية عالية هي الأولى من نوعها في قارة آسيا، وهو عن تاريخ الإمارات· يستعرض واقع هذه البلاد وما آلت إليه من جنة وارفة بعدما كانت رمالاً تذروها الرياح، وما ذلك التحول الكبير إلا بفضل العطاء الصادق الذي امتاز به الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه·
قاعة المسرح
بجانب قاعة سمو الشيخ محمد بن زايد تقبع القاعة الخاصة بانتظار كبار الزوار· ومقابل المدخل تفتح قاعة المسرح أبوابها، تلك القاعة التي تتشرف بأنها حملت اسم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان -حفظه الله-، وتتسع لمئات من الحضور، وقد حفلت بأنشطة مؤتمر المجلس الدولي للأرشيف citra 5002، وباجتماعات الجمعية العامة للمجلس الدولي للأرشيف، وبالانتخابات التي أجريت إلكترونياً، ولم تكن نتائج التصويت حينذاك تستغرق أكثر من بضع ثوان حتى تظهر أمام المتابعين· والجدير بالذكر أن هذه الانتخابات أسفرت عن تزكية مدير عام مركز الوثائق والبحوث الدكتور عبدالله عبدالكريم محمد الريس نائباً لرئيس المجلس الدولي للأرشيف لشؤون التسويق والترويج· وعلى يمين ويسار هذه القاعة تنتشر بعض الغرف الصغيرة التي تؤدي دور المرافق أو تدعم أشكال وأساليب العمل في المركز·
إلى الأدوار العليا يمكن الصعود بعدة أساليب فهناك السلّم الحجري، والسلّم الكهربائي، والمصاعد العادية الموزعة على الجانبين، والمصاعد الزجاجية التي تتوسط المبنى· والصاعد بالسلم الكهربائي أو بالمصاعد الزجاجية يستمتع بمشاهدة جماليات المبنى، ويطل على ما في الخارج أيضاً·
أماكن الباحثين
من الداخل تنمّ المفردات المعمارية للمكان على خصوصية وتميز يجعلان وحدات المكان مؤهلة للقيام بالأعمال التي يجب إنجازها من: توثيق، وأرشفة، وحفظ للوثائق أيضاً· وتنهض إلى جانب هذه المفردات أماكن خاصة بالباحثين والمهتمين والمثقفين؛ ففي الدور الثاني أماكن مخصصة لخدمات الباحثين· ولحساسية المهام التي يضطلع بها المكان، والقيمة المادية والمعنوية التي تتمتع بها مقتنياته، فإن المبنى صمم على قاعدة إلكترونية فريدة أهلته ليكون الأول في الشرق الأوسط في مجاله·
تنتشر عدسات التصوير في كل ركن وزاوية لتراقب بدقة شديدة ما يحدث في جنبات المركز، والمصابيح الكهربائية تعمل بحساسية عالية؛ أي بمجرد وجود الإنسان في المكان تضاء المصابيح دون أي تدخل من أحد· وحرصاً على الالتزام التام فقد زودت أدوار المركز بأجهزة بصمة العين، هذا إلى جانب القاعات المعدة للاجتماعات والقاعات السمعية - البصرية· وقد زودت جميع هذه القاعات بأنظمة صوتية هي الأحدث من نوعها عالمياً، إلى جانب حجرات الترجمة الفورية الصغيرة جداً، والتي أثبتت جدواها أثناء فعاليات المؤتمر الدولي للأرشيف citra 5002، وكانت الترجمة الفورية تتم إلى العربية والإنجليزية والفرنسية· ولم تقتصر التقنية على ذلك وإنما تخطتها إلى أنظمة الشاشات المتطورة وأجهزة العرض البصري الحديثة·
تمتاز مكاتب العاملين في المركز بخدمات عديدة كالتواصل عبر شبكة البريد الإلكتروني الداخلي 'الآوت لوك'، كما أن خدمة الإنترنت متوفرة أيضاً بسرعات عالية إلى جانب خدمة الاتصال الهاتفي، وكل ذلك متاح لما يخدم مقتضيات العمل ومتطلبات تطويره·
مكتبة الإمارات
ومن أجل خدمة الباحثين تم إعداد مكتبة المركز التي تحمل اسم مكتبة الإمارات وفق أحدث التقنيات التي تمكن القائمين من إحضار المراجع المطلوبة بنظام تقني حديث وسريع· ويأتي هذا التحديث ليكمل دور المكتبة المؤلفة من خمسة أقسام رئيسة: التزويد، الفهرسة والتصنيف، الدوريات، خدمات المعلومات، وقسم الإعارة· وتضم مكتبة المركز آلاف العناوين المتخصصة بتاريخ الإمارات ومنطقة الخليج· وبجوار المكتبة يقوم قسم الأبحاث الذي يؤمن مستلزمات الباحث كاملة، ويتيح له إمكانية التواصل مع الجهات التي تساعده أو تمده بالمطلوب في المركز·
يتبع المكتبة قسم للمطالعة خاص بالسيدات على غرار قسم آخر خاص بالرجال· ويضم المركز عدداً من القاعات، منها: القاعات السمعية البصرية، والخاصة بالتدريب والمحاضرات، وقاعة النادي الاجتماعي للسيدات·
أرشيفات عالمية
ينهض المبنى على سرداب كبير تحت الأرض يمكن أن يستخدم مرآباً للسيارات· وقد وضعت حسابات دقيقة في المكاتب تسهل سير العمل في مختلف النواحي، مثل مكاتب الأرشيفات العالمية في المركز وهي كثيرة منها: الأرشيف الألماني، الأرشيف الأميركي، الأرشيف البرتغالي، الأرشيف البريطاني، الأرشيف العثماني، الأرشيف الفارسي، الأرشيف الفرنسي، الأرشيف الهولندي، الأرشيف الياباني، أرشيف مجلس التعاون الخليجي، قسم التوثيق المعاصر، وتنضوي هذه الأرشيفات في إدارة التوثيق· ويحفل المركز بأقسام وإدارات أخرى، كإدارة البحوث والدراسات التي تزود الوسط الثقافي بإصدارات المركز مثل: الفرائد من أقوال زايد، يوميات زايد، قصر الحصن، كتاب النسبة··· وغيرها من المؤلفات الرصينة، ولكل إدارة من إدارات المركز، ولكل قسم من أقسامه طبيعة عمل خاصة تخدم أهداف المركز وتحقق إنجازاته·
أصالة ومعاصرة
بالمقارنة بين شكل المبنى الجديد وتقنياته، ومضامين المركز ومقتنياته يشعر المتأمل أن مركز الوثائق والبحوث استطاع أن يؤالف بين التراث وبين التقنيات المعاصرة، بين الحداثة والأصالة·
وعن المبنى الجديد يقول الدكتور عبدالله عبدالكريم محمد الريس مدير عام مركز الوثائق والبحوث: لقد استغرق العمل في إنجاز المبنى سنوات، كنا خلالها نعمل جاهدين على أن نرتقي به إلى مصاف المراكز المماثلة الموجودة في أوروبا وأميركا، وأثناء عملنا الدؤوب طوال فترة البناء وجدنا الدعم الكبير من سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، وزير شؤون الرئاسة، رئيس مركز الوثائق والبحوث، واستطعنا بفضل توجيهاته أن نذلل جميع الصعوبات، ونحن نسعى إلى إنجاز المكان الذي يليق بمهام المركز وبأهدافه السامية·
إن ما بلغه مركز الوثائق والبحوث من تقدم جعل 90% من محتوياته قائماً على التكنولوجيا المتطورة والتقنيات الحديثة في تداول المعلومات والأرشفة، وإن ما قدمه المركز من خدمات كان لها صداها عبر مسيرته الطويلة التي بدأت عام 1968م، ويعود الفضل في ذلك كله إلى الرؤية الثاقبة التي امتاز بها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الدولة طيب الله ثراه؛ فقد أراد -رحمه الله- لهذا المركز أن يجمع وثائق تاريخ الدولة وتاريخ المنطقة، كما يعود إلى الاهتمام اللامحدود الذي يلقاه المركز من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، وولي عهده الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة -حفظهما الله-· وقد تحقق تقدم المركز بالاعتماد على التوجيهات السديدة والدعم الكبير الذي خصه به سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهان، وزير شؤون الرئاسة رئيس مركز الوثائق والبحوث·
وفي منحى موازٍ لما وصل إليه مبنى مركز الوثائق والبحوث من تطور تقني يضاهي كبريات المراكز المماثلة عالمياً، استجدت فيه عملية الأرشفة الإلكترونية لملايين الوثائق، وهي التي تساهم في حفظ الكنز الضخم من الوثائق التاريخية التي يقتنيها المركز فترة أطول، بعيدة عن ملمس الأيدي، كما أنها تسرع في وضعها في متناول أيدي الباحثين اختصاراً للوقت·
صرح ثقافي
وعلى مستوى أهمية المكان وعظمة الدور الذي يؤديه في خدمة الوطن كان افتتاح المبنى الجديد لمركز الوثائق والبحوث -ذلك الصرح المميز الذي يعد معلماً مهماً وبارزاً في مدينة أبوظبي- مساء السابع والعشرين من شهر نوفمبر 2005م، بحضور بعض الشخصيات القيادية في البلاد، وكوكبة من الإعلاميين، وحشد من الجمهور الذي يقدر لهذا الصرح مكانته العلمية والتثقيفية· ولن ينسى الحضور ذلك المساء المميز حين أضاءت الألعاب النارية السماء معلنة الانطلاقة الجديدة للمركز، وتابع الحاضرون جميعاً أفلاماً وثائقية قصيرة على شاشة كبيرة وضعت مقابل المدخل كانت تحكي عن ماضي الإمارات، وعن صلابة وتصميم أبنائها، وهم يسيرون خلف القيادة الحكيمة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حتى وصلوا بالبلاد إلى ما هي عليه الآن· واستمرت أضواء الليزر تمتع الناظرين، وهي ترسم أشكالاً توحي بأهمية المكان وبالولاء للوطن وقادته العظام، واستكمل كبار الشخصيات مع جمع غفير من الحضور الجولة في أرجاء المركز·
سوف يظل مركز الوثائق والبحوث ركناً ثقافياً هاماً، وصرحاً للوثائق والتاريخ، ومنهلاً عذباً للمثقفين والباحثين في ظل القيادة الرشيدة، وسوف تبقى مكنوناته البرهان الساطع والحجة القوية عندما تستدعي الضرورة إثبات الحقيقة، وتبقى مدخراته دليلاً للمؤرخين والباحثين، وهم يتأملون نشوء الأوطان وبناءها، ويسلطون الأضواء على تجربة عربية رائدة في الوحدة الحقيقة·
ونحن إذ نتابع مسيرة المركز وهو يؤدي مهامه الجليلة، فإننا نتمثل بكلمة القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -رحمه الله- حين زار المركز: 'إن حجم الدول لا يقاس بمساحتها على الخريطة بل بتراثها وحضارتها··· إننا فخورون بما يقدمه مركز الوثائق والبحوث من خدمات لطالبي العلم والمعرفة'·

اقرأ أيضا