الاتحاد

تقارير

جرائم الحرب الإسرائيلية أمام المحاكم الأوروبية

جرائم الحرب الإسرائيلية أمام المحاكم الأوروبية

جرائم الحرب الإسرائيلية أمام المحاكم الأوروبية

منذ ثلاثة أعوام ونصف العام، أُجبِرَ الجنرال احتياط الإسرائيلي''دورون الموج'' على الهرب من بريطانيا بعد وقت قصير من هبوط الطائرة التي كانت تقله في لندن، وذلك بعد أن وصلته معلومة عن أمر مفاجئ أصدره قضاة لندن بالقبض عليه بتهمه ارتكاب جرائم حرب· وفي الوقت الراهن، الذي يشهد إثارة المزيد من القضايا الخاصة بارتكاب جرائم حرب خلال العملية العسكرية التي قامت بها في غزة مؤخراً، تضاعف الدولة اليهودية، وجماعات الدفاع عن حقوق الإنسان على حد سواء من استعداداتها لمواجهة احتمال رفع المزيد من القضايــــا المحتملــة ضد الضباط العسكريين والقادة السياسيين الإسرائيليين، في أوروبا، وربما في أماكن أخرى·
بدلاً من المحاكم الدولية، أو النظام القانوني الإسرائيلي، يتوقع أن يكون المكان الرئيسي لنظر هذه القضايا هو المحاكم الأوروبية الخاصة التي تستخدم نهجاً قانونياً معروفاً باسم''نهج العدالة العالمية''، يسمح بمحاكمة مرتكبي الأفعال الشنيعة، والتعذيب، وجرائم الحرب التي تقع خارج حدودها·
ينظر الإسرائيليون إلى هذه التهديدات باعتبارها جزءاً من حملة سياسية مستمرة لمطاردة مسؤوليها المتهمين بالخروج على القانون·
أما الفلسطينيون والناشطون في مجال القضايا الإنسانية، فينظرون إلى المحاكم المحلية على أنها المنبر الوحيد الذي يمكن من خلاله تحديد ما إذا كانت هناك جرائم حرب قد ارتكبت أم لا·
يعلق ''دانييل ماتشوفر'' وهو محام بريطاني إسرائيلي المولد، يعمل بالتنسيق مع ''مركز حقوق الإنسان الفلسطيني'' ومقره غزة، كان من ضمن من طالبوا بالقبض على'' الموج'' عام 2005 على ذلك بقوله:''الأنظمة المستخدمة بالفعل في عدد من الدول سيتم فحصها··· ولدينا فرق قانونية تعمل عبر أوروبا وما وراءها يمكنها أن تقوم بذلك'' ويضيف:''ليس هناك طريقة أخرى يمكن بها لبلد تحــت الاحتــلال أو أرض تحــت الاحتـــلال أن تسعى للعدالة''· وقد لعب'' ماتشوفر'' دوراً في عرض قضية اغتيال إسرائيل للقائد العسكري لـ''حماس'' عام 2002 في عملية عسكرية قتل فيها 12 مدنيًا فلسطينيًا آخرين في ضواحي غزة أمام المحاكم الإسبانية·
في الأسبوع الماضي فقط أعلن قاض إسباني فتح تحقيقا حول هذه القضية وهو ما أثار توتراً بين إسرائيل وإسبانيا، كما أثار المزيد من التكهنات بشأن الجهود التي تبذل لمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين المتهمين بارتكابهم لجرائم حرب·
بعد أن وجدت نفسها مطاردة بسلسلة من الإدعاءات التي تتراوح ما بين استهداف مواقع مدنية، إلى الحيلولة دون إخلاء أفراد غير مقاتلين، أعادت الحكومة الإسرائيلية في الأسابيع الأخيرة التأكيد على التزامها بتقديم دفاع قانوني لجنودها وسياسييها المتورطين في هذه القضايا، كما قررت أيضاً عدم الكشف عن هويات هؤلاء الجنود لحماية أكبر عدد ممكن منهم من المحاكمة·
وفقا للمسؤولين الفلسطينيين لقي ما يزيد عن 1300 غزّي مصرعهم، كما أصيب آلاف غيرهم في عملية ''الرصاص المسكوب'' الإسرائيلية التي استمرت ثلاثة أسابيع· أما عدد غير المقاتلين ضمن هذا العدد الإجمالي، فلا يزال مختلف بشأنه· وخلال تلك العملية أيضاً لقي 13 إسرائيلياً فقط مصرعهم (عشرة عسكريين وثلاثة مدنيين)·
في خطابها الأول كسفيرة للولايات المتحدة الأميركية في المنظمة الأممية دعت''سوزان رايس'' إسرائيل للتحقيق في سلوك جيشها خلال حرب غزة الأخيرة، كما اتهمت ''حماس'' بارتكاب انتهاكات بقيامها بإطلاق الصواريخ ضد المدن الإسرائيلية والعمل انطلاقاً من مناطق مدنية في قطاع غزة·
وقيام إسرائيل بإجراء تحقيق من جانبها أمر غير محتمل، وهو ما يرجع لاقتناع معظم الإسرائيليين أن الجيش الإسرائيلي قد بذل قصارى جهده للحد من الأذى، الذي يمكن أن يتعرض له المدنيون، واقتناعهم كذلك ـ ومعهم الولايات المتحدة ـ أن ''حماس'' قد خرقت القانون الدولي من خلال إطلاق الصواريخ على المدن والبلدات الإسرائيلية من خلال استخدام المناطق المدنية الفلسطينية كقاعدة لتلك الهجمات·
والمفارقة هنا هي إن إسرائيل كانت من أوائل الدول التي استشهدت بمبدأ العدالة الدولية عندما أكد نظامها القانوني على حقها في محاكمة القائد النازي'' أدولف هتلر'' على الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبها خلال الحرب العالمية الثانية· مع ذلك، لم يشترك الإسرائيليون ولا الفلسطينيون في المعاهدة التي تم على أساسها إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في''لاهاي'' مما يجعل من الصعوبة بمكان رفع دعاوى تتعلق بجرائم حرب عبر هذا المنبر· ولعل هذا يفسر السبب الذي جعل معظم التحديات التي تواجه المسلك الإسرائيلي، تأتي من قبل المحاكم المحلية في أوروبا بدلا من المحاكم الدولية·
ويشار إلى أن أحد الخبراء القانونيين الإسرائيليين قد قلل من شأن الجهود الرامية لإجراء محاكمات للمسؤولين الإسرائيليين المتهمين بجرائم حرب في الخارج· وقال إن ذلك ليس سو ى امتداد لـ'' الحرب الأعلامية'' التي تُشن ضد الدولة اليهودية بسبب عملية غزة· ويقول ''دنيال رايسنر'' الرئيس السابق للقسم الدولي التابع للجيش الإسرائيلي، إن الصلاحية القضائية الدولية تستخدم لمتابعة الدعاوى المرفوعة ضد إسرائيل فحسب، وليس ضد ''حماس''· مـــع ذلــــك يؤكــــد ''رايسنر'' أن هنـــاك خطراً لا يزال يواجه إسرائيل، وأن هذا الخطر يأتي من''الدول التي تتمتع بصلاحيات قضائية متجاوزة لحدودها وأن السؤال الآن هو: هل يمثل ذلك خطراً كبيراً على إسرائيل أم خطراً صغيراً''·
يشار في هذا الصدد أن محكمة بلجيكية نظرت عام ،2001 في إمكانية إدانة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ''آرييل شارون'' بسبب الدور الذي لعبه في المذابح التي ارتكبت ـ كما قيل ـ أثناء الغزو الإسرائيلي لبيروت عام ·2002
كما يشار إلى أن التطبيق الواسع النطاق للصلاحيات القضائية العالمية من خلال محاكم وطنية تابعة لطرف ثالث دون أن يكون لهذا الطرف أي روابط بمرتكبي أو ضحايا جرائم الحرب، هو تطور حديث نسبياً يقول بعض الخبراء الأوروبيين إنه لم يكتسب زخماً بعد·
مع ذلك وفي التاسع والعشرين من يناير الماضي، أصدر قاض في المحكمة الوطنية الإسبانية أمراً بالتحقيق في الأفعال التي زُعم أن إسرائيل قد ارتكبتها عام 2002 عندما ضربت بالقنابل القائد العسكري لحماس'' صلاح شحادة'' ما أدى إلى مصرعه هو و14 آخرين تسعة منهم من الأطفال·
وعلق وزير البنى التحتية الإسرائيلي الحالي ''بنيامين بن اليعازر'' الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع آنذاك والذي ورد اسمه ضمن أسماء سبعة أشخاص مطلوبين للتحقيق معهم بالقول إن قرار المحكمة ''مجحف''· وأضاف ''اليعازر'' أيضاً قوله:''إن المنظمات الإرهابية تستخدم الأنظمة القانونية المطبقة من قبل الدول الديمقراطية لمقاضاة دولة تقوم بمحاربة الإرهاب''·

ساندي تالون

أستاذ مشارك بكلية أننبرج للإتصلات بجامعة كاليفورنيا الجنوبية ومؤلف كتاب شجرة الليمون عربي ويهودي في قلب الشرق الأوسط
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان سينس مونيتور

اقرأ أيضا