الاتحاد

عربي ودولي

عين المختارة على دمشق من نافذة تغيير النظام


بيروت - رفيق نصرالله
وفق المثل اللبناني الشائع فقد كسر الزعيم الدرزي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الجرة ليس مع دمشق فقط بل مع حزب الله وقوى سياسية اخرى لها مواقف مخالفة لمواقفه، واعلن بكل صراحة ان سوريا هي عدوته في هذه المرحلة وان اسرائيل ليست عدوته الآن·
إشارات جنبلاط التي توجت مواقف مثيرة شكلت انعطافة في ادبياته السياسية المتعارف عليها منذ التسعينيات يمكن اعتبارها انها نصف انقلاب في الموازين اللبنانية، فجنبلاط انتقل من موقع الى موقع آخر، ومن تحالفات حافظ عليها ولو بتوتر الى تحالفات مع أعداء الأمس، وانقطع الوصال نهائياً مع نظام دمشق بعدما ترددت معلومات في بيروت وان لم تكن مؤكدة أن بعض الرسل ابلغوا الزعيم الدرزي الا تفاوض معه مهما كانت الاعتبارات وانه يفضل ان تكون العلاقة مستقبلاً مع ابنه تيمور·
جنبلاط··والمقاطعة
واذا كان أحد لا يضمن الغد ولا يضمن البقاء ولا يضمن هذا الواقع السياسي الجديد على مستوى المنطقة فإن المؤكد أن طقوساً جديدة بدأت تفرض نفسها على الخريطة السياسية في لبنان من أبرز معالمها وجود مشروعين كبيرين يتصادمان الآن على طريقة (تفقيس البيض) لدى الطوائف المسيحية في عيد الفصح بحيث لا بد من ان تفقس بيضة او ربما البيضتين معاً· والآن تبدو المخاوف من الا تكون الغلبة لمشروع من المشروعين بل ان ينفجر الموقف مجدداً في ظل ما وصلت إليه الأزمة ويدفع لبنان ثمن جولة جديدة من الفوضى الامنية التي لا يملك احد ما قد تصل اليه في ظل التحول الاقليمي·
أن جنبلاط أكد انه ماضٍ في خياراته ورفض دعوة امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله بعدم الوصول الى القطيعة رافضاً الاجتماع مع الاخير مفضلاً ان يكون ذلك داخل مجلس الوزراء بما فسر انه طلاق حقيقي بين الرجلين كانعكاس للواقع الراهن بما ينذر باستمرار الازمة ومنها استمرار المقاطعة الحكومية وابقاء حالة المراوحة التي تعيشها حكومة فؤاد السنيورة على ما هي عليه بما يترك ذلك من انعكاسات سلبية اقتصادية وامنية وسياسية·
لكن في السياسة لا توجد عداوات مطلقة ولا صداقات مطلقة بدليل ان من مارس سياسة حافة السكين سابقاً وفق المذابح التي جرت بين الدروز وميليشيات القوات اللبنانية تصالح الآن ويخوض معركة واحدة، وهذا يعني أن الطلاق وان وقع بين جنبلاط ونصرالله فانه لن يكون طلاقاً خلعياً· فنصرالله لم يقطع الحبل في العلاقة مع الزعيم الدرزي الساكن في المختارة بعيداً عن الهواجس الامنية التي تلاحقه وجنبلاط يعرف انه لن يستطيع الذهاب بعيداً في الاصطدام مع نصرالله لاعتبارات عديدة بعضها محلي وبعضها اقليمي·
كما أن العديد من القوى المتحالفة مع جنبلاط لا تستطيع مجاراته في خياراته الاخيرة بما في ذلك رئيس كتلة المستقبل سعد الحريري الذي يريد ان يقف في موقعه كزعيم على المستوى اللبناني ولا يريد ان يحصر في موقع مجرد زعيم لشارع سني على خلاف مع قوى اخرى وفق ما يرى مراقبون في بيروت·
كما ان تقاطع الملفات الداخلية المتشابكة يحول دون ان يبقى كل طرف وراء متراسه لان ذلك فعلاً سيؤسس لحرب أهلية جديدة في لبنان وهو ما بدا واضحاً خلال الاسابيع القليلة الماضية عندما تعاظم الخطاب المذهبي والطائفي وبدأ يأخذ منحىً خطيراً بدليل استخدام عبارات انفعالية بعضها لم يستخدم حتى خلال سنوات الحرب ولم يشهدها ادب الميليشيات خلال تلك السنوات·
الهروب نحو الأمام
ووفق كل الدلائل حتى الآن على الاقل فان الطلاق بين جنبلاط ونصرالله لن يكون خلعياً، فثمة فرصة ستظل قائمة· ولعل من يقرأ في الصورة الخلفية لما قاله جنبلاط يتضح ان الهاجس الامني لدى جنبلاط يشكل خلفية واضحة لهجومه الكاسح ضد دمشق، فهو يبدو كمن يركض نحو الامام ويفضل خيار الهجوم الوقائي للدفاع عن مواقعه وعن نفسه لانه يملك كما يبدو معلومات او مخاوف او دلائل تشير الى ان قراراً بقتله قد اتخذ وانه قد ينفذ في اي وقت وبالتالي لا بد من ان (يهجم) لكي يدافع عن نفسه خاصة بعد ان فشلت الوساطات بينه وبين دمشق ومنها وساطة النائب في الكنيست الاسرائيلي عزمي بشارة ووساطة سابقة لحزب الله مع العاصمة السورية وايضاً وساطة روسية ظلت بعيدة عن الاضواء حيث رفضت العاصمة السورية كل هذه الوساطات بعد ان حملت دمشق جنبلاط مسؤولية كل ما جرى لها في لبنان منذ ما قبل وبعد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري، فيما يرى جنبلاط انه حاول الا تصل الامور الى ما وصلت اليه لكن دمشق هي التي سدت الطريق وعليها ان تتحمل مسوؤلية ما سيؤول اليه الوضع·
ان جنبلاط لا يحصر هجومه على العاصمة السورية ضمن الخريطة اللبنانية اي في وقف التدخل السوري في لبنان بل ايضاً يخوض حرباً مكشوفة في سياق المطالبة والعمل على تغيير النظام في سوريا، ويرى ان انقاذ الوضع ينطلق من هذه المعادلة وان كانت بعض القوى اللبنانية لا تريد الوصول الى ذلك خاصة بعد المبادرة السعودية الأخيرة التي تقوم على عدم المساس بنظام دمشق ومحاولة ايجاد توازن يضمن حقوق كل الاطراف··لكن جنبلاط سارع الى (قصف) هذه المبادرة لانها تتناقض مع كل ما نادى به مؤخراً ويرى فيها عودة (السوري) من النافذة·
بالمقابل اتهم البعض جنبلاط بأنه كشف عن ان كل مواقفه تنطلق من مبدأ أخذ الثأر من دمشق التي قتلت والده كمال جنبلاط· وشنت صحيفة الديار اللبنانية هجوماً عنيفاً عليه فهذا السياق معتبرة ان زعيم المختارة يمارس حقده ويريد ان يأخذ بثأره من نظام سوريا على حساب كل اللبنانيين·
الخيارات الصعبة
وعلى خلفية هذا الواقع يتواصل الخلاف الاساسي بين تيارين في لبنان··تيار يرى في الدعم الاميركي - الفرنسي وقرارات الامم المتحدة وما جرى بعد اغتيال الحريري ما يمكن ان يساعد على رسم صورة جديدة للواقع السياسي في لبنان·· وتيارآخر يرى في ذلك انقلاباً على كل ما كرّسه اتفاق الطائف وعلى تغيير هوية لبنان وهو فرض للوصاية الجديدة، وحيال كل ذلك ستظل حكومة السنيورة مكانها، مجرد حكومة صوت لها مجلس النواب لكنها لا تمتلك الفعالية لمواجهة ملفات كبيرة ومعقدة وخلافات تعصف بكل شيء وهو ما يعني ان لبنان أمام مفترقين:
- إما نجاح المبادرات في تحريك حوار داخلي يؤسس لوفاق واقعي·
- أو الفوضى التي يبشر بها البعض والتي تبدو أنها أقرب من أي وقت مضى في سياق مؤشرات بدأت تبرزعلى الأرض وتعززها أدبيات المرحلة الجديدة بكل انفعالاتها·

اقرأ أيضا

تونس: أحكام بإعدام 8 متورطين في تفجير حافلة الأمن الرئاسي