الاتحاد

الملحق الثقافي

أي مستقبل للعلمانية في العالم العربي؟



أحد أهم الأسئلة المطروحة على العالم العربي منذ سنوات التحرر من الاستعمار الغربي في خمسينات وستينات القرن المنصرم هو ذاك الذي يبحث في آفاق العلمانية العربية وجدلية تعايشها مع الوضع العربي المعاصر، ويبدو أن علامة الاستفهام حول ذلك المستقبل لا تزال حائرة، وبخاصة في ظل غياب المحددات الفكرية أو الإضاءات التي تقدم لنا جواباً شافياً وافياً.
على أنه لا يمكن استشراف مستقبل العلمانية في العالم العربي إلا إذا وقفنا على أمرين: الأول تعريفها السريع وغير السطحي في ذات الوقت، والثاني يتصل بتبيان ما هو ضدها، انطلاقاً من القاعدة الفكرية: «بضدها تتمايز الأشياء».


يمكن القول بأن أفضل تعريف للعلمانية ــ حتى نتجنب الجدل البيزنطي المثار حولها عربياً منذ أزمنة طويلة ــ هو أنها التفكير في النسبي بما هو نسبي، وليس بما هو مطلق... لماذا؟ لأن المطلق لا يقبل الاختلاف أو التعددية، فيما النسبي يحتمل الاختلاف والتباين، بل يفسح المجال للآخر بوصفه مكملاً له وليس ضداً يختصم منه.
والشاهد؛ أنه في حال استطلعنا آفاق العلمانية عربياً، سوف نتوقف عند «الأصولية»، فإذا كانت العلمانية فعلاً تقدمياً، تحررياً، ليبرالياً، فإن فعل الأصولية، سلفي رجعي، لا يرى الخير إلا في كل سلف ويعتقد السوء في كل خلف.
من هنا يمكن للمرء أن يستشعر الكثير  من المخاوف تجاه مستقبل  العلمانية عربياً، سيما بعد صحوة الأصوليات المرة، وانتشار خلايا التفكير الماضوي، والتي أفرزت عربياً وفي الأعوام القليلة المنصرمة، وخاصة في الدول التي عرفت بما يسمى «الربيع العربي» ، حالة من حالات الهروب إلى أودية الإرهاب السحيقة.
وحتى لا تضحي هذه السطور تنظيراً إنشائياً فحسب، فإننا نحتاج إلى رؤية وصفية للمستقبل، وهذا بدوره لا يمكن أن تقوم له قائمة أو يشتد عوده، إن لم نلق على الماضي العلماني في العالم العربي نظرةـ، ولو سريعة، تساعدنا في تشخيص مسار حالة العلمنة عربياً مستقبلاً.

رفض مبكر
يمكن القطع بأن العلمانية في عالمنا العربي قد جوبهت، ومنذ بداياتها، من قبل علماء الدين الذين سيطر عليهم هاجس الكفر كصنو للعلمانية، فإثر صدور كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وما فيه من إرهاصات علمانية مبكرة قررت هيئة كبار العلماء في مصر محاكمة الشيخ «علي عبدالرازق»، واتهمته بالكفر بدعوى أن كتابه يحوي أموراً تخالف القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الأمة، والعهدة هنا على الراوي الفيلسوف المصري المعاصر الدكتور مراد وهبة في مؤلفه الشهير «زمن الأصولية .. رؤية للقرن العشرين».
من هنا يمكن الإشارة إلى أن الشيخ «علي عبد الرازق» حاول وضع لبنات للتفكير العلماني، حتى وإن كانت القضية المحورية في كتابه هي الدعوة إلى فصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية، أي فصل النسبي عن المطلق، وقد تطلع مبكراً جداً لإسهام المفكرين معه في تأسيس تيار علماني يسمح على الأقل بحرية الرأي والتعبير.
هل كان التفكير العلماني وقتها أساس الفترة الذهبية الليبرالية التي عاشتها مصر ما بين 1920 و 1942؟
يمكن القول بموثوقية عالية إن العلمانية هي أساس الليبرالية الداعية إلى حرية الإنسان في إبداء رأيه من غير منع الآخر من إبداء رأي معارض، وعندئذ تكون الحرية نسبية وليست مطلقة، ثم أنه إذا كانت العلمانية هي التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق فتكون العلمانية عندئذ هي أساس الليبرالية.
والشاهد أنه وعبر نحو سبعة عقود لاتزال الانتكاسة التي واجهتها علمانية الشيخ علي عبد الرازق قائمة في كثير من العقول العربية، ومنتشرة على مقياس جغرافي واسع من المحيط إلى الخليج، وليس أدل على صدقية معاناة التيار العقلاني والعلماني العربي، من قضايا «الحسبة» التي عرفتها مصر في العقد الأخير من القرن العشرين، وراح ضحيتها الباحث والمفكر الدكتور نصر حامد أبو زيد، عطفاً على فقيد الدعوة العلمانية المصرية الدكتور فرج فودة الذي اغتالته أيادي الأصولية، الضد الطبيعي لكل ما هو ومن هو علماني.

الحال المعرفية
يتصل سؤال مستقبل العلمانية في العالم العربي بعدد وافر من المنطلقات، ربما تعجز المساحة المتاحة للكتابة عن الإحاطة بها، وفي مقدمتها الحالة المعرفية لدول المنطقة فلا علمانية دون معرفة شافية وافية، تتيح للجميع البعد العقلاني الكافي لملاقاة دعاة التيارات الظلامية التي تزخر بها مجتمعاتنا من عينة القاعدة وداعش ومن لف لفهم.
أحد الذين نظروا لإشكالية المجتمع العلماني العربي، هو الدكتور محمد الرميحي، عالم الاجتماع الكويتي المعروف، والذي يذهب إلى أن الأطراف العربية الداخلة في اللعبة السياسية من «إسلام سياسي» و «قوى مدنية حداثية» تعرف أن المأزق الحضاري الذي يواجه العرب ، ينطلق من عدد من المدخلات، أولها المعرفة بأسس الدولة الحديثة، من دستور حديث، إلى تقسيم واضح بين سلطة مرجعية لتفسير القوانين.
والشاهد أيضاً أن الدولة الحداثية عمادها الفكر المتفتح الحاضر للتلاقح والتنافح مع الآخر، والقابل للاستفادة من تجربته دون أدنى إحساس بالدونية، أو  إصابة ما بالشوفينية، وعليه فإنه لا مستقبل للعلمانية في أشباه الدول، أو في الكيانات القبلية التي لا تزال غير مبارحة لمكانها في حظوظ التاريخ القديم وخطوط الجغرافيا الأقدم.

الحال الحزبية
ثم تأتي على طريق البحث عن العلمانية المستقبلية عربياً الحالة السياسية الراهنة للأحزاب في العالم العربي ومعطياتها الآنية والمستقبلية، وقد أثبتت تجربة السنوات الست المنصرمة، أنها حالة هشة بل كرتونية ولا حضور لها في الشارع العربي من الأصل، ولا نغالي إن قلنا إن التيار الأصولي المتشدد والمتطرف يجبّها مرة وإلى ما شاء الله، وما حالة التشظي العربية التي نعيشها الآن إلا نتاج طبيعي لغياب أي رؤى حزبية سياسية علمانية، تتمحور حول شعارات من عينة العدالة والإخاء، الحرية والمساواة للجميع والتي هي صلب العمل العلماني وقاعدته المركزية.
قبل بضعة أعوام أصدرت مؤسسة «كارنيجي للسلام الدولي» في الولايات المتحدة الأميركية قراءة مهمة عن حالة العلمانية ومستقبلها في الوطن العربي، خلصت فيها إلى أن الأحزاب العلمانية في الوطن العربي أصبحت تمثل أقلية هامشية في المجتمعات العربية نتيجة لوجودها بين طرفين يحاصرانها: نظم الحكم ، والحركة الإسلامية الشعبية التي يتصاعد شأنها ، وبين هذين الطرفين تسعى الأحزاب العلمانية كي يكون لها دور وتأثير، وتناضل في بعض الحالات من أجل البقاء والاستمرار.
الدراسة المشار إليها سلفاً، توضح عمق الأزمة العلمانية مستقبلاً، سيما بعد اعتراف واضح من قبل أنصار التيارات العلمانية السياسية تحديداً بأن جمهورها الانتخابي راكد، وأنها لا تمتلك أدنى خطة لاسترجاع المواقع التي خسرتها خاصة في بلدان كالمغرب ومصر.
وفي السياق ذاته يعن لنا أن نتساءل: هل الخطاب العلماني العربي الحالي في أزمة حكماً ستؤدي إلى تدهور أوضاعه مستقبلاً وبشكل أكثر سوءاً؟
 أغلب الظن أن ذلك كذلك فمن خلال تتبع الخطاب العلماني العربي الحالي نجده يستخدم خطاباً تبريرياً يلقي باللوم على الآخر، ويطرح نفسه ضمن أطر مظلومية تاريخية من قبل النظم السلطوية، وذلك بدلاً من أن يجتهد لتكوين قاعدة انتخابية واسعة تتهم الحركات الإسلامية &ndash وإن كان الاتهام في مضمونه صحيح &ndash باستعمال المساجد من أجل حشد الأنصار، واستخدام العمل الخيري من أجل إنماء قواعدها.

الحال النخبوية
يتصل سؤال مستقبل العلمانية العربية بواقع حال النخب العربية وهل هي جماعات علمانية مثقفة لها رؤية ومنهج معرفي أم أنها عوضاً عن أن تكون نخب نهضوية، إذ بنا نراها نخباً نهبوية، بمعنى أنها براغماتية الحضور والتوجه، تسعى وراء تعظيم مصالحها الشخصانية دون أدنى اعتبار للصالح العام، وقد كانت التجربة المصرية في الأعوام الأخيرة كاشفة للكثير من الخفايا التي لم يتصورها أحد، بمعنى أن العديد من الوجوه التي بدت طويلاً مؤمنة بالعلمانية كفكر وتوجه حياتي، وبالليبرالية كأداة لتسهيل الحياة، هذه الوجوه فوجئ المصريون بتحولها ثلاثمائة وستين درجة، إلى جهة الأصولية، بمجرد أن اعتلى الإخوان المسلمين حكم مصر في السنة اليتيمة (2012 &ndash 2013).
هنا يصبح مستقبل العلمانية ضبابياً إن لم يكن قاتماً إن كانت النخب المفكرة، على هذا القدر من الخيانة بل ومن الازدواجية، في حين تتطلب العلمانية رؤية واضحة ومصداقية وحرية لا تعرف التقية، وعلى المرء أن يتذكر هنا ما قاله أديب فرنسا الكبير «فولتير» ذات مره من أنه: «أختلف معك في الرأي، لكن يمكنني أن أضحي بحياتي في سبيل كفالة حقك في قول ما تريد».

الغرب أيضاً
ضمن إطار البحث نجد علامة استفهام أخرى حول علاقة الدول الغربية بالحركات العلمانية والتنويرية، سياسية كانت أو ثقافية، اجتماعية أو اقتصادية، في العالم العربي، فهل تعمد تلك الدول إلى تشجيع تيارات الليبرالية والعلمانية عربياً في أيامنا؟
الجواب يصيبنا بصدمة حضارية، إن جاز التعبير، ومرد ذلك، أن تلك الدول تعلم تمام العلم أنه في حال سادت العلمانية بكافة مشتقاتها وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير، والقدرة على الفرز والتمييز، وإجادة التفكر والتدبّر، فإن مساحات عريضة من الهيمنة الأوربية أو الأميركية سوف تطوى، بمعنى أن تلك التيارات ستضحي ضارة لحالة السلطوية الغربية التقليدية.
ولعل ما يدلل على صحة هذا الطرح هو الارتباط غير المتصور والعضوي بين حواضر غربية وبين حركات الإسلام السياسي، التي  تمثلها الأصولية في أعلى درجاتها، والمناوئة للعلمانية كماً وكيفاً وإلى ما شاء الله.
نعم هو رهان خاسر، إن راهن العلمانيون العرب على دعم الغرب الذي يتشدق بالعلمانية لهم، غير أن الكارثة قائمة بين ثنايا المشهد الغربي &ndash الأصولي، بدءاً من دعم الامبراطورية البريطانية لجماعة الإخوان المسلمين في أوائل القرن العشرين، وصولاً إلى دعم الولايات المتحدة لحركة طالبان التي أفرزت القاعدة، والتي بدورها ولد من رحمها تنظيم داعش، بل إن تلك الدول كثيراً ما استخدمت دولاً أو أشباه دول عربية، من أجل تحقيق هدفها الأكبر، وهو أن تبقى الشعوب العربية ضمن دائرة «الظلاميات التاريخية»، وبعيداً عن أي استحقاقات للتنوير قد تجود به النخب العلمانية الصادقة في دعوتها.. ولعل السؤال الأخير هو: «كيف للشعوب العربية وللنخب الصادقة أن تدعم مسيرة العلمانية؟
وأقرب جواب هو استغلال الأزمات الراهنة، لاسيما التي فجرتها التيارات المعادية للعلمانية، كآليات نحقق بها ومن خلالها  ما سمّاه الفيلسوف الألماني «هيجل» بـ «مكر التاريخ»، بمعنى أنه لا بد للتاريخ من أن يتقيأ ما ركد في جعبته من ظلامية وتخلف، من تكلس ومعاداة للعصرانية، من استبداد فكري وأحادية ذهنية، ليحل محلها عالم تترسخ فيه الديمقراطية، وتشيع من حوله الحرية العاقلة المسؤولة، وتسوده العدالة الاجتماعية بفحواها الأخلاقي.
والخلاصة أنه وإن كانت كارثة العالم العربي الآن هي التطرف الأصولي فإن العلمانية هي السلاح الأقدر والأجدر بمواجهته ودحره.
العلمانية ليست كفراً... لا نريد أصوليات ظلامية، ولا علمانيات مسطحة، وإنما البحث عن علمانيات أنوارها لا تعمي.

 

اقرأ أيضا