أيقظت تصريحات السفير الإماراتي في واشنطن حول العلمانية مارداً أراد ويريد الجميع أن يظل في قمقمه؛ فليس هناك ادعى لهيجان الكثير من الإسلاميين من ذكر هذه الكلمة التي ترادف ذكر الشيطان الرجيم وتستدعي التعوذ، والحقيقة أن ما ذكره هو في الحقيقة الأفق الممكن الوحيد ليخرج العرب من وضع ضيف الحضارة الثقيل - كما قال سلامة موسى - والسبيل الوحيد للهروب من وضعية «خروج العرب من التاريخ « حسب عبارة مؤلّف فوزي منصور. وبدون الدخول في التصريحات السياسية لرجل سياسي بالأساس، فإن ما يهمنا هو الرجوع إلى المسألة من زاوية جذرية بالمعنى الفلسفي للكلمة؛ أي تناول المسائل من جذورها لعلنا نفهم سر حاجة العالم العربي اليوم إلى أن يعيد تشكيل علاقته بالمسألة الدينية. كتب محمد جابر الأنصاري منذ أكثر من عقدين من الزمن تقريبا وصفا صحيحا لمصير المحاولات لإنشاء تيار علماني في البلاد العربية بقوله: «من الظواهر اللافتة أن عصر مطلع النهضة الحديثة في الشرق العربي لم يشهد حركة عربية تحديثية خالصة تعمل على الاستيعاب الكلي والجوهري للحضارة الغربية بإحلال النظرة العقلية العلمية محل النظرة الغيبية وقصر الدين على جانبه الروحي الفردي الخالص. وما برز ضمن هذا الاتجاه يمثل نماذج فردية وفئات محدودة من خارج البيئات، السلفية والتوفيقية، أي من خارج الإيمان الأصولي. ولعل مرد ذلك، عدم نشوء تيار علماني مستقل في تاريخ الإسلام، أو عدم سماح الإطار الجامع المانع للإسلام بظهور مثل ذلك التيار». وهو وصف صحيح، فلا تزال العلمانية تعاني في البلاد العربية من سوء الفهم لمنطلقاتها الفلسفية والسياسية، ومن الهجمات التي لا تهدأ من الفكر الديني بكل اتجاهاته. يدرك كل من له بعض المشاركة في دراسة أيّ  دين من الأديان أنّ ليس هناك دين ينافي التقدّم وآخر يُساعد عليه هكذا بإطلاق، بل الأمر مشروط بدرجة أهليّة أهلِهِ للنظر إليه بعين العقل وبدرجة تطورهم الاجتماعي والسياسي وحركتهم الاقتصادية، فالدّين قد يكون عائقاً في مرحلة ما ولكنه قد يكون حافزا على النهوض في مرحلة أخرى. ولكن الثابت أنّ الدّين بما هو بعد من أبعاد المجتمع يغذي نظاماً من التصورات والتمثلات التي تنظم العالم بشكل ما. والدّين ينظّم العالم لأن العالم مليء بالمجهول وبالقوى التي يعجز الإنسان عن فهمها وإخضاعها حتى اليوم. والإنسان المعاصر لا يزال يحتاج إلى الدّين، ويبحث فيه عن معاني الموت والحياة والوجود، ومن هنا جاءت قيمته التي لا تعلوها قيمة لأن وضع النظام في هذا العالم شرط ضروري لتواصل حياة الأفراد والجماعات، فالدين يمكن الجماعة من هذه القدرة على السيطرة على نظام العالم في بعدي الزمان والمكان، والأمر لا يتعلق بتجارب فردية بل في كثير من الأحيان بما تسنّه الجماعة، فالديّن بما هو فردي إنمّا يشكل مادّة الأخلاق فحسب، ولكنه بما هو تنظيم للعلاقات الجماعية يتحوّل إلى سياسة، ومن هنا كان للدّين هذا البعد الاجتماعي الأساسي الذي يجعله دوما محطّ الرّهانات السياسية، وموضعاً أساسياً للصراعات البشرية، ومن رحم هذا الصراع خرجت الدولة الحديثة والعلم الحديث والنظر الوضعي إلى الظاهرة الدينية. الدولة والدين والعلمانية لقد كانت الدول العربية الحديثة «أقصد من الوجهة الزمنية» المستقلة حديثا دولا مختلفة التوجهات؛ فبعضها كان يعتبر الدّين ورجاله عائقا أمام النهضة التي تصورتها في بعدها الاقتصادي والعلمي، كما هو الحال في جوهر التفكير البورقيبي في تونس - مثلا- وحاولت تطويع الدين ورجاله لخدمة هذه الأهداف الأساسية، والأخرى أنزلت المؤسسة الدينية التقليدية منزلة الأساس في نظامها واتخذتها عمادا لمشروعيتها كما هو الحال في بعض دول الخليج العربي، في حين مالت أخرى إلى مسايرتها ووجدت صعوبة في ترويضها كما هو الحال في مصر.. ولكن القاسم المشترك بينها كلها هو أنها لم تدرك أنّ هذه النهضة الأوروبية نفسها، بل كل نهضة لن تتحقق ما لم تتم إعادة ترتيب علاقتها بالدّين، كما لم تدرك هذه الدولة العربية أنّ أوروبا المعاصرة لم تخرج إلا من رحم الإصلاح اللوثري والإصلاح المضاد، وأن تحوّل المسيحية من الفِرقة إلى الكنيسة هو الذي يسّر ميلاد أوروبا الحديثة.. في حين أنّ تجربة الإسلام السنّي والشيعي على حد سواء كانت مخالفة ومختلفة. ولا شك عندي أنّ بعض دول العرب - وأعني تونس تحديدا وبورقيبة على وجه أدق - كانت توّد لو أنها استطاعت تحويل النظام الجمهوري الوليد إلى نظام لائكي /&rlm علماني على النمط الفرنسي أو التركي في عهد الغازي مصطفى كمال أتاتورك، ولكن براغماتيتها السياسية، وحذر بورقيبة من تجربة أتاتورك، ورغبة الدولة العربية الحديثة الوليدة في عدم إثارة جزء من الرأي العام المحافظ أصلاً، قعدت بها عن تحويل مشروعها من القول إلى الفعل، وإن كانت على كل حال قد وضعت الأسس التي من الممكن أنّ تؤدي إلى النتائج المنطقية لاختياراتها الأصلية؛ ونعني «جمهورية لائكية»، وهذا الخيار يظل - في نظري - مفهوما بل قد يظل إلى اليوم مطلبا مشروعا ولكنه يتطلب شروطا لقيامه وقوى اجتماعية وسياسية قادرة على تبنيه والدفاع عنه. وهو أمر لم تفلح الدولة العربية الحديثة في القيام به لأسباب مختلفة.. بل صار أمرا عسير المنال بعد اشتداد عود الإسلام السياسي منذ الثمانينات من القرن الماضي، وكشفه عن وجهه العنيف والمسلح. وبسبب غياب هذه الشروط لا نتوقع في الأفق المنظور أنّ يتم الفصل بين الدّين والدولة أو أنّ يوكل أمر الدين رعاية وتدريسا إلى غير الدولة. فلم ينجب الإسلام شكلا من أشكال التنظيم الكنسي المراتبي الذي يعطي نفسه حق التكلم باسم الإسلام ويستطيع أنّ يكون مخاطبا كفؤا للدولة من جهة، ويستطيع - من جهة ثانية - تركيز ما هو اليوم سائب غير محدد ونعني قدرة أي كان على الإفتاء والتحدث في الإسلام. بل أن الأمر في دساتير أغلب هذه البلدان قد ازداد غموضا بأن صاغ في عبارات فضفاضة، قابلة لكل التأويلات الممكنة، علاقة الدين بالدولة.. أما في غيرها فقد كان تأسيسا لدولة دينية أو متسربلة بالدين تبحث فيه عن مشروعية الحكم، وهي صياغات عكست في الأولى حقيقة التوازنات السياسية التي وضعته. ولعل هذه العلاقة المرتبكة بين الدولة والدين ترجع في جزء منها إلى عدم تطابق التجربتين التاريخيين المسيحية والإسلامية وتميز الثانية بعجز الإسلام السني تاريخيا عن افراز «كنيسة» تجعل «من أهل الحل والعقد» جسما حقيقيا لا أمرا غائما لا حدّ له مع كل ما يفرضه التحوّل إلى هيكل منظم من مسؤولية ما جعل من العسير الفصل بين الدولة وهذا الجسم الذي عرفته أوروبا تحت اسم الكنيسة. ولننبه في هذا السياق إلى حقيقة أنّ الفصل في التاريخ الغربي إنمّا كان فصلا بين الدولة والكنيسة وليس فصلا بين الدولة والدّين، ومعنى هذا أنك لن تجد في الإسلام ما تفصله عن الدولة. ولهذا فإننا لم ندع يوما إلى أنظمة لائكية علمانية معادية للدّين على النمط الفرنسي في بداياته.. بل بالعكس كنا نؤيد دوما بقاء الأنظمة العربية أنظمة محافظة على هذا الإسلام باعتباره «وديعة تاريخية» ومكونا أساسيا من هويتها وتاريخها بصفحاته المشرقة والحزينة في ذات الوقت، ونرى ضرورة بقاء الإسلام دينا تعترف به وتمده بضمانها فلا تتحول إلى لائكية لامبالية بمصير الدّين معتبرة إياه مسألة خاصة، لأن ذلك سيخلق فراغاً مرعباً وخطيراً على توازن المجتمع في غياب أي هيكل مواز للدولة قادر على تحمل هذه المسؤولية، مسؤولية التعليم الديني وتأويل الدين والتكلم باسمه. ونحن إذ نوكل هذه المهمة للدولة العربية الحديثة فإننا لا نجعلها فوق الدّين ولا تحته.. بل ندعوها إلى إشاعة روح من لائكية العقول والنفوس والتفكير دون أنّ تكون هي نفسها لائكية؛ أي أننا نريد من هذه الدول أنّ تشيع روحا من اللائكية أو العلمانية - كما يترجمها بعض العرب - غير المعادية للدّين وللإسلام.. بل لائكية مناصرة للحرية، ولهذا أيضا نؤكد على أنّ واجب هذه الدول وقد اعتبرت الدّين شأنا من شؤونها أنّ تسعى إلى إصلاحه كما تسعى إلى إصلاح أي من مقومات وجودها الاقتصادية والاجتماعية، ولكن هذا الإصلاح يجب أنّ لا يتم على حساب الدّين بل بواسطته وفيه، وباستقلالية عنه أيضا. ولكن هذا هو عين ما لم تفهمه الدول العربية على اختلاف مشاربها وأنظمتها؛ فكانت إما معادية أحيانا للدين ولو ظاهرياً، وإما سعت إلى إدخال الدّين أحيانا أخرى وبعض مؤسساته كالزيتونة والأزهر والقرويين وغيرها في خضم السياسة بكيفية أدت إلى خراب الدولة والمؤسسة الدينية معا. المؤسسات الدينية وقضية التعليم إنّ أكبر نقيصة بدت في بعض الدول العربية الحديثة هي مماهاتها بين الدّين وهذه المؤسسات التقليدية، وهو ما قعد بها عن تصور دور آخر طليعي للمؤسسات الدينية لا يتنافى وتطلعاتها إلى التقدم.. إذ يبدو أن بعضها اعتبرها مؤسسات منتهية ولم تسع إطلاقاً إلى تطويرها واعتبار ذلك من الأولويات، بل عملت كل ما في وسعها لتهميشها بل وتسببت بصنيعها هذا في خسارة لا تقدر بثمن من وجهة نظر العلم، ونعني ضياع تقاليد علمية قضت بعض البلاد مئات السنين في صنعها عبر مختلف الحقب والسلالات الحاكمة، وهذا شأن تونس ومصر - مثلا- وهو ما لم تفلح إلى اليوم في تعويضه. وقد أدى هذا الفراغ الروحي والدّيني الذي خلفته الزيتونة بعد تعطيل حركتها نحو الإصلاح الذاتي إلى ظهور جيل آخر لسدّ هذا الفراغ تلقى علومه في مؤسسات دينية مشبوهة، وعلى هامش المسارات التعليمية الواضحة، بل ولا ترقى تقاليدها العلمية إلى ما كان للمؤسسات التقليدية من فضائل، وحاولت أنّ تقدم نفسها وريثا شرعيا لهذه المنارات الدينية التقليدية الكلاسيكية ثأرا لنفسها من الخسارة السياسية في مواجهة الأنظمة السياسية وثأرا للمؤسسات المهمشة فيما زُيّن لها وثأرا للإسلام فيما اعتقدت، وساعدها على ذلك ما كان يلاحظ من تدهور الوضعية الاجتماعية لقطاع واسع من رجال التعليم الديني الكلاسيكي في بعض الدول العربية حيث وجد نفسه مهمشا في الدولة العصرية التي بدأت تتضح ملامحها (اللامبالية) بهذه المؤسسة وهذا القطاع، واكتفت بدمجها ضمن مؤسسات التعليم المُوحّد كأجراء عند الدولة وموظفين بسطاء انتظارا لاحتضارها أو تركتها ضمن تعليم مواز لم تتمكن مع السنين من السيطرة عليه وتدجينه، كما هو الحال في مصر، وهو ما بينته بجلاء الباحثة مليكة الزغل في كتابها عن المؤسسة الازهرية وأنظمة الحكم المصرية المتعاقبة. في حين مالت دول عربية أخرى إلى إغداق المال الوفير على اسلام محافظ ومؤسسات تقليدية لا يمكن لها على المستوى البعيد والمنظور أن تجد حلاً لمأزق الإسلام التاريخي في مواجهة العالم الحديث وقيمه. وهكذا فشلت هذه الدولة في تقدير أهمية الدّين في النهضة الاجتماعية وفي تحقيق مشروعها بالذات، وتركت الدين ومؤسساته يتخبط في عجزه المضاعف: عجز عن تحديد وظيفته وعجز عن إدراك الوسائل التي بها يخرج من عزلته. ولقد نبه أكثر من متخصص - وبكثير من الاحتشام أحيانا - إلى العوائق الداخلية والخارجية التي تحول دون أنّ تلعب هذه المؤسسات دورها في مجال الدراسات الدينية، وهكذا تحولت هذه المؤسسات: 1- إلى رأسمال رمزي توظفه قوى مختلفة سعت كلها إلى موادعة الإسلام التقليدي أو العمل على إجراء إصلاحات لا تمس الجوهر. 2 - إلى مجمع للطلبة الفاشلين أو ضعيفي المستوى أصلا، ووكرا للفكر المتخلف وهي التي كان من المفروض أن تكون من أرقى المؤسسات وأكثرها وعيا بقضايا الإسلام المعاصر والعالم الحديث، وهي ترى بأم عينها حيوية الفكر البروتستانتي والإصلاح المضاد الكاثوليكي وحيوية الفكر اليهودي الليبرالي، وأن تكون الأشد على المنتسبين إليها لما لها من عظيم الأثر على توازن المجتمع العربي حاضرا ومستقبلا لأن هذه المؤسسات يجب أنّ تظل - وهذا دورها الحقيقي &ndash مجال ظهور نخبة من العلماء والفقهاء والمتكلمين الذين يحتاجهم الإسلام اليوم للتعامل مع الحداثة، وهذا معناه أنّ تكون المؤسسات الدينية في البلاد العربية طلائعية في مجال الدراسات الدينية وسندا لقضايا الحرية وحقوق الإنسان والتجديد في مسائل الدين . والحاصل اليوم أننا نعيش فراغاً كبيراً في مستوى المعرفة الدينية في العالم العربي على المستوى الكيفي والنوعي؛ فهذه المؤسسات كفّت عن إنجاب علماء من الطراز التقليدي الرفيع، ولا يبدو أنها ستفلح في إنجاب أي من العلماء الذين بمقدورهم أنّ يتعاملوا اليوم مع أسئلة العصر الكبرى . والواقع أنّ الخطأ الأكبر لا يعود إلى هذه المؤسسات التي لا يمكن، بحكم طبيعة برامجها ونوعية أغلب القائمين على التدريس فيها وروحها المحافظة، أن تفعل أكثر مما فعلت بل الخطأ يعود بالأساس &ndash في نظري - إلى الأنظمة العربية في أنها لم تفعل شيئا لتصور وظيفة جديدة للمؤسسات الدينية التقليدية، ولخلق مؤسسات علمية قادرة على منافسة المؤسسات التقليدية علميا لتجعلها تحس بتأخرها التاريخي، أي باختصار خلق مؤسسات دينية هي مؤسسات الدولة العربية الحديثة. فمنذ قيام هذه الأنظمة لم يفعل شيء لإنشاء مؤسسات دينية أكاديمية تكون سنداً لها، ومعبرةً عن قيم الدولة الأمة، وقيم الجمهورية، وقيم الملكية المتنورة التي كانت سندا في أوروبا في مرحلة ما لقيام فكر الأنوار والإصلاح الديني، واستعانت هذه الأنظمة للأسف الشديد لتحقيق أهدافها السياسية بمؤسسات وبرامج خاوية، واجترار معارف مضرة في أحيان كثيرة، كانت نتيجتها مع الزمن أن أخرجت « كائنات أسطورية» - معادية لقيم العالم المعاصر - من الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، ودافعت عن خصوصية مقيتة ضد أفضل ما يمكن أن يأمل «المسلم الحزين اليوم « من اقتناصه من كونية ثرية في الكثير من جوانبها، وبعض هذه الكائنات اليوم من أهل الإبرام والنقض - لا هي بالكلاسيكية حقا، أي بكل ما للكلاسيكية من فضائل، ولا هي بالحديثة والمعاصرة. في حاجة العرب إلى العلمانية إنّ الدول العربية (ملكية كانت أو جمهورية) ستظل دوما في خطر ما لم تدفع في اتجاه العلمانية في علاقتها بالدين، وفي اتجاه علمنة المجتمع بإشاعة الروح العلمانية، وما لم تسع إلى خلق مؤسساتها الدينية المتشبعة بقيم العالم الحديث ونعني بهذه القيم: 1- اعتبار رعاية حقوق المعرفة حقا لا يعلوه أي حق، واعتبار حرية المعرفة والتفكير في الديّن &ndash أي دين - وحرّية الضمير والعقيدة أمراً مضموناً ومسموحاً به وتحميه هذه الأنظمة كما تحمي القائمين به وعليه. 2 - ينطلق الحق أو الحقوق السابقة من إيمان الدولة العربية الحديثة بأن الدين من أعظم ما انتجه وعي البشرية، وهو أسمى وأرفع من أنّ يوكل للمؤسسات التقليدية وحدها أو أي تنظيم سياسي يتخذ من الدين مرجعية سياسية له لأن الإسلام وتأويله مما يرتكز عليه توازن العرب السياسي والاجتماعي. 3- إن على الدولة العربية الحديثة أنّ تشجع في مؤسساتها الدينية تدريس الأديان غير الإسلامية من اليهودية والمسيحية والديانات الإفريقية إيماناً منها بنسبية الحقيقة وتربية للفضول في أذهان الناشئة، وتنشئتهم على فكرة أنّ الأديان الأخرى ومعتنقيها يحتاجون منا إلى اهتمام يتجاوز مجرد قضايا دفع الجزية. فالعلمانية هي الطريق الوحيدة لحل مشكلة الأقليات العرقية واللغوية والدينية، التي يزخر بها العالم العربي والإسلامي، وصارت منذ الرجل المريض مدخلاً  إلى الاستعمار والتجزئة والتفرقة، لأن الإسلام التقليدي غفل عن كون القديم لم يعد قادرا على معالجة التنوع الديني واللغوي والعرقي بعد ظهور فكرة المواطنة، ونحن نرى للأسف النتائج الوخيمة لهذا التأخر التاريخي الذي لم تستطع المؤسسة الدينية التقليدية أن تعالجه، وفي هذا الصدد وجب التذكير للمرة الألف بأن الدولة العربية الحديثة تحتاج إلى الابتعاد عن النظر إلى المؤسسات الدينية على أنها مجرد رأسمال رمزي يتم توظيفه إيجابا وسلبا حسب مقتضيات المرحلة، بل عليها أن تكون بعيدة النظر وتنظر إلى القضية من زاوية استراتيجية، ويعني هذا القيام بإصلاح جدي لها يأخذ بعين الاعتبار تحويلها إلى منارات علم حقيقية تؤدي إلى تجديد حقيقي في الدّين، وهو أمر ممكن عكس ما يظنه بعض المتشائمين، وهذه المهمة ذات بعد قومي وأمني واستراتيجي ولكنها ذات بعد إسلامي يشمل العالم الإسلامي قاطبة. 4- التركيز على إدخال علوم الدين المعاصرة مثل: علم الاجتماع الديني وتاريخ الدين وفلسفة الدين وعلم الأديان المقارن والاركيولوجيا والقانون والفيزياء والرياضيات والبيولوجيا مما له كبير الأثر في تكوين الفقهاء والمتكلمين المعاصرين، كما يحدث في كليات اللاهوت المسيحي، واستردادا لتقاليد علمائنا القدامى أيام ازدهار هذه الحضارة، ولأن هذه العلوم هي التي تشعر علماءنا بأهمية عدم الانغلاق في قضايا الحيض والنفاس، وأن لهذا العصر أسئلة كبرى عليهم أنّ يواجهوها كما واجهها سلفهم. ولهذا فإن حرص الدولة العربية الحديثة على إعادة النظر في هيكلة المؤسسات التقليدية وتحويلها إلى منارات علم حقيقيّة يجب أنّ يرافقه حرص مواز على إيلاء نفس الاهتمام والقيام بنفس الجهد لإنشاء مراكز للدراسات الدّينية خارج إطار هذه المؤسسات، وهو ما فهمته فيما يبدو بعض الدولة الخليجية في السنوات الأخيرة، فشجعت قيام مؤسسات بحثية للقيام بجزء من هذا الدور، والمأمول منها بحكم الوعي الجديد والتراكم التاريخي والمعرفي والتنافس أن تكوِّن شيئا فشيئا نخبة من الباحثين ستنفر يوما ما لترعى حق المعرفة. إن المطلوب اليوم هو أن تساعد الدول العربية الحديثة، التي تدرك جوهر الرهان المستقبلي، على خلق الشروط الاجتماعيّة والفكرية لمناخ من لائكية العقول والمجتمع، وتساعد على التحرر من سلطة «اللامفكر فيه» ، فما زال للدّين عندنا سطوة وهيبة في النفوس تقعد بنا عن النظر إليه بعين البحث الموضوعي والدراسة الوصفية الخالية من آليتي الجدل  والانتصار. ولعل هذا النّمط من الدراسة أن يساعد أيضا على ولادة الحسّ التاريخيّ بأن يحررنا من إسار نظام المعرفة الوسيط المتحجّر في بعض لحظاته، ويفتح أمام علمائنا ومجتمعنا زمنا جديدا، زمن تعلم أشياء جديدة، وقيام فضول جديد مع تنظيم مغاير لمعارفنا ونمط توزيعها وإنتاجها. إن نقطة الاختلاف بين روح هذا المشروع العلماني الذي تدافع عنه الدولة العربية الحديثة وجوهر المؤسسات الدينة التقليدية يتمثل في أنّ الأول هو عبارة عن مؤسسات لائكية الروح أو علمانية الروح، بمعنى أنّها تتبنى شروط البحث العلمي المعاصر، وتفسح المجال للنقد التاريخيّ والنصيّ فتهتم بدراسة الوقائع، وتصنّف، وتصف، دون أن تسمح للحمية الدّينية بأن تنال من هذه الصروح العلمية الشامخة. وهذه المؤسسات - وإن كانت مُعلمنة في روحها وتوجهاتها - فإنه يجب أن تكون موضعا للقاء بين العلماء والباحثين والشيوخ الذين تجمعهم كفاءاتهم لا عقائدهم، وبالتّالي فإنه لا مجال لأي شرط من شروط اللائكية أو التديّن للانخراط في هذا المشروع التاريخي والاستراتيجي. ولعله من المفيد في هذا السياق أنّ نشدد مرة أخرى على أنّ ما سبق لا يعني البتة أنّ الأنظمة العربية تُشجع على قيام تعليم معاد للدّين؛ فهذه المؤسسات المستقبلية التي يجب أن تدعهما الدولة العربية الحديثة والسياسيون المستنيرون لا تصدر في مسلماتها وطرائقها ومناهجها عن أي نزعة معادية للدّين بل لعلّ أغلب من قد يشكّلون نواتها هم ممن يعتقدون في قرارة أنفسهم أنّ الدّين هو من أعظم ما أنتج الوعي البشري، ولكنهم ليسوا مستعدين للتضحية بحقوق المعرفة لأجل الرعاية لحقوق الله فقط - بحسب عبارة الحارث المحاسبي-. إن الدولة العربية الحديثة بتبنّيها هذه الاختيارات الاستراتيجية تتبنى خيار الحرية: حرية التفكير، وتقف موقفا حكيما ينظّم صلتها بالدّين ؛ فعليها إذن أنّ تضمن الحريات الدّينية للمتديّنين ولغير المتديّنين، وتعمل على الحفاظ على هذه التعدّدية؛ ذلك أنّ هذه التعدّدية في دولة دينها الإسلام ليس فقط أمرا مستحبّا ومقبولاً بل وضروري أيضاً.   إن مبادرة الدولة العربية الحديثة بإصلاح المؤسسة الدّينية والدفاع عن علمانية إسلامية، نراها ممكنة وضرورية، وصنع مؤسساتها التي تحمي الدّين وتحميها، سيخلق في المجتمع من القوى ما تجده سنداً لها زمن الأزمات - وها هي قد وقعت اليوم &ndash وتجعل الناشئة تتشبّع بقيمها في كنف الاحترام للدّين ولقيم العالم المعاصر الكونية على حد سواء. ان العلمانية ستبقى الأفق الممكن الوحيد لنهضة العرب القادمة وإلا فسنبقى نجري وراء (سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا)، ويكفينا أننا أضعنا ثورتين الثورة الصناعية والثورة الرقمية. كلمة الختام إن دعوة السفير الإماراتي إن أُخرجت من سياق المماحكات السياسية وردود الفعل المتشنجة، هي لحظة من لحظات الوعي التي عبر عنها ولا يزال كثيرون في العالم العربي، مدركين أنه لم يعد عندنا متسع من الوقت وأنه لا أحد يستطيع من الأنظمة العربية وشعوبها أن يتعلل بأنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء، فلا شيء قادر أن يعصم العرب من الآثار المدمرة لدين صار يحتاج إلى إعادة بناء العلاقة به ومعه، من منطلق الاعتزاز به.. ولكن المطلوب هو أن لا يكون لنا سياسيون يفكرون في الانتخابات القادمة أو في البقاء في السلطة فحسب، بل نحتاج إلى رجال دولة يفكرون في الأجيال القادمة، وفي مستقبل هذه الأمة، ويضعون «معالم في الطريق» لا كتلك التي جلبت الويلات للعرب.. بل نريدها معالم في الطريق تفتح لهم سبيل الانخراط في العالم الحديث وقيمه معتزين بدينهم، غير منكرين لحاضرهم وعالمهم، حتى لا يكونوا ضيوف الحضارة الثقلاء، مثلما قال عميد العلمانيين العرب سلامة موسى الذي لا تزال كلماته ترن من وراء السنين في قوله: إن أسوأ ما أخشاه أن ننتصر على المستعمرين ونطردهم، وأن ننتصر على المستغلين ونخضعهم، ثم نعجز عن أن نهزم القرون الوسطى في حياتنا، ونعود إلى دعوة (عودوا إلى القدماء).. ونحن لا نريد قطعا العودة إلى القدماء، وسبيل العرب الوحيد هو بكل وضوح علمانية إسلامية.. علمانية لا تتنافى مع الإسلام ولا ينفيها الإسلام، هذه العلمانية هي السور الأخير الذي سيحمي هذه الشعوب من دولة دينية موغلة في الاستبداد، والشره للدماء، ذلك أن (أسوأ ما تصاب به أمة أن يتحد الدين مع الاستبداد) كما جاء عند الكواكبي وسلامة موسى ممن دقوا ناقوس الخطر منذ بدايات القرن الماضي. حل راديكالي لقد مر عقدان من الزمان أو أكثر لم تتغير فيهما قناعتنا بأن البلاد العربية - ستعرف أزمات دورية بسبب عدم الانتباه إلى ضرورة حلّ  المشكلة الدينية «بطريقة راديكالية». كنا نظن منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي أنه بالإمكان أنّ نمنع الطوفان الذي كانوا (يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً). كان التصور عند الكثير من السياسيين العرب  أنك متى وفرت الأكل والشرب والمسكن ستنجو من أخطار التطرف، وهم إلى الآن يتعجبون كيف ظهرت هذه الفسيفساء من الحركات الدينية  المتشددة والمغالية التي جعلتنا فضيحة بين الأمم، ويحاول البعض بقصر نظر توظيفها وتمويلها، ظناً منه أن سينجو من أخطارها، وهو يجهل أنها مثل الأرملة السوداء تقتل أول من يتزوجها. الدّين والتديّن لعل أفضل مكتسبات المخاض الكبير الذي مرت به البشرية في النظر إلى الدّين، منذ عصر النهضة والإصلاح اللوثري، ورسخه النظر الوضعي وتاريخ الأديان، هو التفريق بين أمرين بدونهما لا يستقيم أي نقاش وهما: التديّن Religiosité بما هو ظاهرة التزام فردي، والدّين Religion بما هو ظاهرة قابلة للتّحليل والوصف والنظر العلمي. إذ الغاية من ذلك إدراك الإنسان الديني Homo-religiosus في تعقّده وتجاوزه للتاريخ. ولا شكّ أنّ هذه التحوّلات قد تمت وفق إصلاح داخلي هو شأن علماء الدّين والمهتمين به من غير المتدينّين، ولكنّه تم أيضاً وفق إصلاح خارجي دفعت إليه علاقة الدّين بالدولة والأنظمة السياسية. دراسة غير المسلمين من مهمات الدولة العربية الحديثة التنبه بشكل خاص إلى تدريس الأديان غير الإسلامية، على أنّ يكون هذا وفق مبدأ أساسي هو تدريس هذه الأديان كما يراها أهلها دون روح عدائية أو جدالية؛ فالمؤلفات الهزيلة في هذا الميدان لا تعد ولا تحصى، وأمام الباحثين المرموقين في هذا المجال من مهمات الترجمة لأمهات الكتب ما يكفي لمائة سنة على الأقل، عدا ما يمكن أنّ يكتبوه بأنفسهم في اللغة العربية، تحقيقاً لمبدأ التراكم ولخلق مكتبة إسلامية عربية علمية في هذا المجال.