الجمعة 27 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
آلان واتس: من خلال أعيننا «يرى» الكون نفسه
آلان واتس: من خلال أعيننا «يرى» الكون نفسه
20 يونيو 2018 19:31
يُعد آلان واتس، الفيلسوف والكاتب والمحاضر المتميز، واحدًا من أوائل الذين قاموا بتفسير الحكمة الشرقية للجمهور في الغرب. أنجز الماجستير في دراسات الأديان والدكتوراه في علم اللاهوت وكتب العشرات من الكتب والدراسات. تميز بذكاء حاد في المزج بين العديد من فلسفات الشرق وتقديمها بصورة لافتة وموحية من خلال أسلوبه الخاص في توصيلها لجمهور محاضراته وندواته ولطلابه في الجامعات التي عمل بها. ولد آلان واتس في ريف لندن عام 1915، وأصبح، منذ صغره، مفتونًا بالفن والآداب والفلسفة، خاصة الآسيوية. أدرك أبوه وأمه طبيعته اللامعة فشجعاه على الكتابة. كان والده، وهو رجل أعمال، يأخذه إلى إحدى الجماعات المهتمة بالبوذية في لندن، وفي السادسة عشرة من عمره أصبح آلان رئيساً لتحرير مجلة الجماعة «الطريق الوسطى». في عام 1932، أنتج كتيبه الأول، عن الزن البوذي، وهو ملخص يستند إلى كتابات دي تي سوزوكي عن الزن. بين الأمكنة والأفكار بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة في عام 1938، عاش فترة وجيزة في نيويورك، ثم انتقل إلى شيكاغو والتحق بكلية سيبيري اللاهوتية الغربية، مما أدى إلى تعميق اهتمامه باللاهوت الصوفي. في عام 1940، نشر «معنى السعادة»، وهو كتاب يستند إلى محاضراته. ومن المفارقات، أن الكتاب صدر عشية الحرب العالمية الثانية. أصبح قسًا أسقفياً في عام 1944 لبعض الوقت، ولكن بحلول ربيع عام 1950، كان اهتمامه ككاهن قد بدأ يخفت، وغادر الكنيسة وشيكاغو إلى شمال ولاية نيويورك. هناك استقر في مزرعة صغيرة خارج ميلبروك، حيث كتب كتابه الهام «حكمة عدم الأمان: رسالة لعصر القلق»، وسرعان ما بدأ المحاضرات في المكتبات والمقاهي. في أوائل عام 1951 انتقل إلى سان فرانسيسكو، حيث بدأ بتدريس الفلسفة البوذية في الأكاديمية الأميركية للدراسات الآسيوية. مع استقطابه لعدد كبير من الحضور، سرعان ما اشتهرت فصوله في الأكاديمية من خلال محاضرات مسائية مفتوحة للجمهور وانتشرت في المقاهي المحلية التي يرتادها الشعراء والكتاب. وفي عام 1956 بدأ برنامجاً إذاعياً أصبحت له جماهيرية واسعة. وفي أوائل الستينيات، تم بث محاضراته إذاعياً على نطاق أوسع. في منتصف الخمسينيات كان الاهتمام بالزن يتزايد، بينما بدأ مبدعو حركة الـ«بِيت» Beat في سان فرانسيسكو ونيويورك بالاحتفاء بالجوانب الباطنية للأديان الشرقية. برز ذلك في الستينات من القرن العشرين من خلال أنشطة مغايرة للسائد في الحياة الأميركية وقد أطلق عليها فيما بعد حركة «الثقافة المضادة». نشر آلان واتس عام 1966 كتابه المعروف «الكتاب: المحرم ضد معرفة من أنت»، وبيع على نطاق واسع. بعد ذلك تدفقت عليه الطلبات ليحاضر في الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة. أقام عدة ندوات في «مراكز التنمية» الناشئة في الكثير من الولايات، مثل معهد «إسالان» Esalen ذو الشهرة العالمية في كاليفورنيا. استمرت الإذاعات في بث محاضراته في كاليفورنيا ونيويورك وبوسطن، وجذبت له المزيد من الشهرة. حركة «الثقافة المضادة» مع تجمع حركة «الثقافة المضادة» أصبحت منطقة خليج سان فرانسيسكو مرتعاً للقوى الراديكالية، ونقطة تركز مهمة لأفكار الشرق حول التنوير والتحرر. جمعت الحركة المتنامية النشطاء في مجال الحقوق المدنية، والمتظاهرين المناهضين للحرب في آسيا، وأعضاء حركة حرية التعبير، وجذبت الآلاف من الشباب إلى منطقة خليج سان فرانسيسكو في عام 1967. بعد أدائه المثير في إحدى المحاضرات، والاحتفاء بمقاله عن «التغيير»، سرعان ما أصبح آلان واتس معترفا به كرمز روحي للحركة الثورية. في أواخر الستينات كان آلان يعيش على ظهر قارب على واجهة مائية ضمن تجمع من البوهيميين والفنانين وغيرهم من المثقفين المتمردين. سرعان ما أصبح قاربه محط الأنظار للقاءات الأمر الذي بدأ يؤثر على تركيزه على الكتابة، فانتقل إلى مقصورة على منحدر أحد الجبال القريبة. استمر في التنقل في جولات المحاضرات في أوائل السبعينيات، لكنه كان ينجذب بشكل متزايد إلى الحياة في الجبل، حيث كتب مذكراته الجبلية (التي نُشرت فيما بعد باسم «غيوم خفية»، و»أمكنة لا معروفة»، وصاغ كتابه الفني «فن التأمل»، وعمل في سيرته الذاتية «طريقي الخاص؛، وكتب كتابه الأخير «التاو: طريق تدفق الماء». بعد عودته مباشرة من جولة في محاضرة مرت به عبر الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، توفي في 16 نوفمبر 1973، على الجبل الذي أحبه. في السنوات الأخيرة ظهرت محاضرات وكتابات واتس على شبكة الإنترنت وحصلت على الملايين من المتابعين مما أعاد فكره وفلسفته إلى الأضواء مرة أخرى. عن الذات والكون في كتابه الشهير، «الكتاب: المحرم ضد معرفة من أنت» يستكشف واتس محرماً غير معترف به ولكنه عظيم. هو يستفيد من علوم الزن والتأمل والتاوية والبوذية والفيدانتا الهندية بالإضافة إلى الفكر الغربي كالتحليل الفرويدي والفيزياء الكمية في صياغة رؤية مميزة عن الذات والعالم. يشير في بداية الكتاب إلى مفهومنا الضمني لتجاهل من نحن، أو ما نحن حقا. الفكرة، باختصار، أن الإحساس العام السائد للإنسان عن نفسه باعتباره غرفة منفصلة ومغلقة في حقيبة من الجلد «الجسد»، هو محض هلوسة. يقوم واتس بإعادة تفسير الذات وهدم التصورات والمفاهيم الغربية الحديثة حول الاغتراب، وخرافة أن الإنسان ضد أو فوق الطبيعة، وأن عليه التغلب عليها. هذه الهلوسة أدت إلى سوء استخدام التكنولوجيا لإخضاع البيئة والطبيعة للإنسان، وبالتالي، تدميرها بشكل نهائي. ثم يشرح طبيعة الذات الكلية التي تعيش بانسجام بداخل الطبيعة والكون، لذلك نحن بحاجة ماسة إلى الشعور بوجودنا، والتغلب على شعورنا بالاغتراب عن الكون. شعور متَوَهم بالانفصال جميعنا نعيش الإحساس بالـ «الأنا»، كمركز منفصل يضم المشاعر والأفكار والسلوكيات، ونعيش بداخل جسد مادي. نشعر أننا مركز وأن علينا مواجهة العالم «الخارجي» من بشر أو كائنات أو طبيعة. نقوم بالاتصال بما حولنا من خلال الحواس ونشعر بأن العالم والكون شيء آخر «غريب» عنّا. إن هذا موجود حتى في العبارات التي نختارها، «لقد جئت (إلى) هذا العالم»، أو «عليك أن تواجه الواقع»، «علينا أن ننتصر على الطبيعة لتعمل لصالحنا». إن نتيجة هذا التوهم بالانفصال هو أنه يجعل سلوكنا تجاه العالم «الخارجي» عدائيا. نحن نحاول، وبشكل مستمر، أن ننتصر على الطبيعة، وعلى الفضاء، والجبال، والصحارى، وحتى الحشرات، بدلاً من أن نتعلم كيف نتعايش معها في نظام وانسجام. هذا الموقف العدائي يتجاهل الطبيعة الترابطية الأساسية لكل الأشياء والأحداث، وأن العالم «الخارجي»، هو في الواقع، امتداد لأجسادنا. إذا استمر هذا الموقف فسينتهي إلى تدمير البيئة ذاتها التي خرجنا منها، والتي تعتمد عليها حياتنا كلها. نحن لا «نأتي» إلى هذا العالم. نحن نخرج منه، كما تخرج الأوراق من الأشجار. كل فرد هو تعبير عن عالم الطبيعة كله، وهو عمل فريد لهذا الكون الكلي. يرى واتس «إن الشخص الذي يفكر طوال الوقت ليس لديه ما يفكر فيه سوى التفكير»، لذا فإنه يفقد علاقته بالواقع، ويعيش في عالم من الأوهام. وفي شرحه لما كان يقصده بـ»الأفكار»، وصفها بأنها «الثرثرة في الجمجمة». إننا مستعبدين بتكرار الكلمات بشكل مستمر، وهذا هو المصدر الرئيسي للمآسي التي يعيش فيها العديد من الناس كل يوم. إن التفكير انعكاس لذهننا العقلاني، والعقل «خادم جيد، ولكنه سيّد سيء». هو ليس سيئاً بحد ذاته، بل ربما يكون أحد أقوى الأدوات التي تملكها البشرية، ولكن من الضروري استخدام العقل باعتدال، كأداة لحل المشاكل، ثم نقوم بوضعه جانباً عندما لا يخدمنا. وبهذه الطريقة، نعيش بقية وقتنا في الواقع. بدلاً من ذلك، نحن نخلط بين الرموز والكلمات والأفكار والأرقام وبين العالم الحقيقي. بالنسبة إلى واتس فإن الحل بسيط: ليس علينا أن نكون أكثر مما نحن عليه، ولا أن نشعر بشيء آخر غير ما نشعر به حاليًا. عندما نستسلم لفكرة أن نكون «أنفسنا»، ولما نشعر به في اللحظة الحاضرة، نعيش الواقع فعلياً. البرمجة المسبقة لفكرة الذات حسب واتس، فإن الأنا وفكرة الذات هي المشكلة الرئيسية. إن الصورة المكبَّرة التي نحملها عن أنفسنا مصنوعة مما قيل لنا عمن نحن، أو ما يجب علينا أن نكون، وكل ذلك من خلال تعليمنا وبرمجتنا المسبقة. نحن الكون، تمامًا كما هو حال النهر أو المجرة أو السحابة. نحن العالم المعبر عنه في المكان الذي نشعر به هنا والآن. بعبارة أخرى، إنه من خلال أعيننا فإن الكون «يرى» نفسه. يؤكد واتس أنه من خلال ملاحظتنا الهادئة للكون سنجد الإجابة. وهذا هو أيضا مبدأ التأمل. إذا لم نكن نعرف ما الذي علينا فعله، فنحن بحاجة إلى التفكر والتأمل. يجلب واتس هنا مثالاً من خلال حالة الاستماع إلى الموسيقى. نحن نستمع إلى الموسيقى حتى «نفهمها» في النهاية، ليس من خلال الكلمات، ولكن بطريقة أخرى، حتى نصبح نحن الموسيقى. وبذات الطريقة، تكتسب حياتنا حساسية ما لا نشعر بها إلا من خلال الفعل البسيط في مراقبتها. ليس فقط فيما يحدث خارجنا، ولكن ما يجري في داخلنا أيضا. يمكن ملاحظة الأفكار والعواطف والمخاوف بأن نكون «مشاهدين» لها أو شهوداً عليها، وليس بالرغبة في تغييرها أو الحكم عليها، تماماً كما نشاهد السحب تمر فوقنا. هذا أمر ضروري للاستيقاظ على الواقع والعيش في الوقت الحاضر، ويشرح واتس أخيرا، ببلاغة فائقة في إحدى محاضراته، أن علينا ملاحظة الحياة حتى نتمكن من تحويل أنفسنا إليها، ونتوقف عن التفكير في الحياة وكيفية تقنينها، ونقوم بعيشها. في الختام يجدر القول إلى أنه قد تمت ترجمة بعض كتب آلان واتس إلى العربية كما تم أرشفة معظم محاضراته وهي متوفرة حالياً على شبكة الإنترنت. التفكير بشكل لغوي يقول آلان واتس: نادراً ما ندرك، على سبيل المثال، أن أكثر أفكارنا وعواطفنا ليست، في الواقع، خاصة بنا. السبب هو لأننا نفكر بشكل لغوي ومن خلال الصور التي لم نخترعها، لكن منحنا إياها مجتمعنا. نحن نقوم بنسخ ردود الفعل العاطفية من والدينا، نتعلم منها أنه، من المفترض، أن يكون للتبرز رائحة مثيرة للاشمئزاز، وأن القيء يفترض أن يكون له إحساس غير سار. إننا نتعلم الخوف من الموت من قلق أهلنا من المرض ومن ردات فعلهم من رؤية الجنازات والجثث. تتمتع بيئتنا الاجتماعية هذه بالقوة لأننا لا نوجد بمعزل عن المجتمع. المجتمع هو العقل والجسد الممتد فينا. ومع ذلك، فإن المجتمع ذاته الذي لا ينفصل عنه الفرد يستخدم قوته الكاملة التي لا تقاوم لإقناع الفرد بأنه منفصل بالفعل!، لهذا فالمجتمع، كما نعرفه، يلعب لعبة متناقضة. نحن والعالم في ما يلي بعض المقتبسات التي تعبر عن تفكير آلان واتس: * ليس المستقبل سوى مفهوم ذهني. لا وجود له. لا يوجد شيء اسمه «الغد»، ولن يكون هناك وقت لأن الوقت دائماً هو «الآن». هذه واحدة من الأشياء التي نكتشفها عندما نتوقف عن التحدث إلى أنفسنا ونتوقف عن التفكير. سوف نجد أنه لا يوجد سوى الحاضر، لحظة «الآن»، في الواقع، أبدية. *** الحياة مثل الموسيقى. نحن نعيش «الآن» الأبدي، وعندما نستمع إلى الموسيقى، لا نستمع إلى الماضي، ولا نستمع إلى المستقبل، بل نستمع إلى حاضر ممتد بشكل لانهائي. *** نحن لا «نأتي» إلى هذا العالم. نحن «ننبت» منه، كالأوراق من شجرة. كما المحيط «يتموَّج» بالموج، فإن الكون يمتلئ بالبشر. كل فرد هو تعبير عن عالم الطبيعة كله، كل شخص هو عمل فريد من أعمال هذا الكون الكلي.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©