لم تعرف اللّغة العربيّة عبارة العلمانيّة إلاّ في وقت متأخّر، ولن يجدينا نفعاً البحث عن أصولها في المعاجم العربيّة الكبرى مثل لسان العرب أو تاج العروس. أمّا المنجد.. فهو يوردها في ملحق يضمّ مفردات عربيّة جديدة تمّت صياغتها في القرن العشرين. وكانت عبارة علمانيّة قبل ذلك قد ظهرت بشكل مضمر في أواسط القرن التّاسع عشر، وذلك في كتابات روّاد النهضة العربيّة.   كان روّاد النهضة العربيّة الذين تحدثوا عن العلمانية يدافعون يومها عن مبدأ التّمييز بين السّلطات الدّينيّة والسّلطات المدنيّة، وكان هؤلاء الروّاد يريدون بذلك الفصل بين الدّين بوصفه معتقداً شخصيّاً وخصوصيّاً، والسّياسة باعتبارها مجالاً عموميّاً لا مكان فيه للتّمييز بين النّاس، مفصحين بذلك عن شعار سيزداد تردّدا على مرّ الأيّام: «الدّين للّه والوطن للجميع»، وكان زعماء النّهضة قد أعلنوا تبعا لذلك رفضهم لشرعيّة السّلطان العثماني، الذي كان يتّخذ له لقب الخليفة، ويبوّئ نفسه مرتبة الزّعيم الرّوحي والسّياسي لعموم المسلمين أينما كانوا. العلمانيّة وحركة النّهضة أحياناً، جاءت مفردة العلمانيّة مترادفة مع مصطلح النّهضة (الذي كان يومئ إلى حالة انبعاث حضاريّ )، وأحياناً أخرى مع كلمة تنوير، أو أيضاً كلمة حريّة، فانخرط هذا المفهوم بذلك في منظومة المفاهيم الجديدة التي رافقت ذلك الانبعاث الحضاري مع بداية العصور الحديثة. وفي هذا السّياق قد نفكّر في المعنى الذي أضفي على كلمة حريّة في ظلّ  حركة النّهضة، حيث كانت كلمة حرّ تطلق على كلّ إنسان عتيق تحرّر من ربقة العبوديّة وذلك قبل أن يتّسع الحقل الدّلالي لهذا النّعت ويتقاطع مع مُثُلِ الثّورة الفرنسيّة لسنة 1789. غير أنّ تلك المفاهيم كانت تنتشر يومها وسط مجتمعات لم تزل بعد، وإلى حدّ كبير، قبليّة، مجتمعات كانت تسودها بنى اجتماعيّة أبويّة، يحظى فيها ربّ القبيلة بحقوق مفرطة على حساب بقيّة أفراد قبيلته. هذا فضلاً عن غياب شبه كليّ للمرافق التّعليميّة، وعن أميّة معمّمة كانت تنتهب كلّ  فئات وطبقات المجتمع. في مثل تلك الظّروف، لم يكن استعمال مفهوم العلمانيّة بالأمر اللاّفت حقيقة، وإن كان قد أثار جدلاً من حيث اشتقاقه اللّغوي. فهل كان ينبغي قراءة كلمة علمانيّة بـ «عين» مكسورة في المقطع الصّوتي الأوّل، فتكون بذلك مشتقّة من «عِلْم» أي بدرجة من درجات المعرفة العلميّة؟ أم أنّنا بحاجة إلى قراءتها بعين مفتوحة (عَلْم)، فتكون بذلك دالّة على ما هو دنيويّ  أو على المصطلح الإغريقيّ «لايكوس» الذي يعني الشّعبيّ. والصّيغة الصّرفيّة وحدها لهذه الكلمة كانت قد أسفرت عن فتوى أصدرها المفتي اللّبناني، الشّيخ عبد اللّه العلايلي. ووفقا لتلك الفتوى، كانت علمنة السّلطة في مثل ذلك المجتمع القبليّ والأبويّ، لا تشكّل رفضا للمرجعيّة الدّينيّة فحسب، وإنّما وضع السّلطة بأيدي البشر، خاصّة منهم العلماء من حملة العلم الحديث. ولفظ عِلمانيّ، بكسر العين، هو الذي تمّ اعتماده خاصّة للطّعن في بعض السّلطات المدنيّة، التي كان اللّبنانيّ فرح أنطون يريد سحبها من أيدي المرجعيّة الدّينيّة. أمّا محمّد عبده، فكان قد تحدّث من جانبه عن الخليفة بوصفه «حاكما مدنيّا». وبسرعة، غدا نعت علماني مرادفاً لكلمة مدني، دالاّ على الطّبيعة المدنيّة للسّلطة، وسرعان ما جسّم مبدأ «مدنيّ» مطلبا سياسيّا جوهريّا لحركة النّهضة العربيّة. ومذّاك.. لم ينفكّ  مفهوم العلمانيّة يثير سلسلة من التّساؤلات، ويحيل على الكثير من الرّهانات والخيارات المتعلّقة بالهويّة والجنسيّة والمواطنة ومدى الاندماج في كيان الأمّة، وغدا مفهوم العلمانيّة بحكم هذا الانتشار المبهر وكأنّه مختصَر تتبلور فيه جميع مطالب حركة النّهضة العربيّة. المواطنة للمسيحيّين بالنّسبة للمسيحيّ الشّرقيّ الذي كان لا يثير أيّة إشكاليّات من حيث درجة اندماجه في المجتمعات الشّرقيّة، والذي كان يتوق إلى اعتراف يضمن له حقّه في الاختلاف، فتحت العلمانيّة أمام هذا الأخير أبواب المواطنة على مصراعيها، مواطنة كاملة وغير منقوصة، تسمح له بالانخراط في الحياة العامّة، ليكون عنصرا فاعلا في مجتمعه، وطرفا كامل الحقوق في ذلك الشّرق العربي الذي كان متجذّراً فيه منذ أقدم العصور. وبمثل تلك الحقوق سوف يتخلّص المسيحيّ من وضعيّة الذميّ التي كابدها لقرون طويلة. دون اللّجوء إلى ديانتهم، أدرك المسيحيّون في عصر النّهضة ما قد يغنموه من ذلك التّمفصل الواعد بين العلمانيّة والمواطنة، فأن يكون المرء مسيحيّا لم يعد ذلك يجرّده من صفته كمواطن عربيّ، يتمتّع بالحقوق التي يمنحها إيّاه الانتماء إلى الجنسيّة العربيّة. هكذا.. شكّلت العلمانيّة عامل تحرّر لمسيحيّي الشّرق من القيود الدّينيّة والطّائفيّة والمذهبيّة، حتّى أنّه غداة استقلال الدّول العربيّة، كانت سوريا أوّل دولة عربيّة ألغيت فيها الإشارة إلى الانتماء الدّيني في بطاقات التّعريف الوطنيّة. وهويّة الأفراد التي كانت تنبني في ما مضى على هذا الانتماء الدّيني، سرعان ما ستتعزّز بضمانات قانونيّة أخرى نابعة من حقّ المواطنة. ثمّ إنّ الانتماء إلى قيم الثّقافة العربيّة، سوف يمكّن المسيحيّين العرب أيضا من الإحساس على نحو أفضل بخصوصيتهم داخل كلّ بلد كانوا يعيشون فيه. عرب من حيث الانتماء الثّقافي، مسيحيّون على المستوى الدّيني، عراقيّون، مصريّون أو سوريّون على المستوى السّياسي، تلك هي الصّفات أو السّمات التي ستتحدّد من خلالها ملامح المسيحيّ العربيّ في المجتمعات العربيّة المشرقيّة خاصّة. وقد ذهب ساطع الحصري، أحد منظّري القوميّة العربيّة إلى حدّ القول: «لا ينتسب إلى العروبة أبناء شبه جزيرة العرب فحسب، ولا المسلمون وحدهم، إذ تهمّ العروبة كلّ فرد ينتمي إلى بلد عربيّ وناطق باللّسان العربي، ولا يهمّ إن كان هذا الأخير كويتيّا أو مصريّا أو مغربيّا، مسلما أو مسيحيّا، سنيّا، جعفريّا أو درزيّا، كاثولوكيّا، أورثوذكسيّا أم بروتستانتيّ». السّلطة الدّينيّة والسّلطة السّياسيّة أدرك رجال النّهضة بسرعة مدى اِرتباط الإسلام في مجال إدارة شؤون الأمّة السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، بالسّلطة المدنيّة وبالمجتمع المدنيّ، وأنّه في إمكان المسلمين أن يكونون أحرارا في ظلّ  النّظام العلماني طالما تشبّثوا بانتمائهم الدّينيّ. ومحمّد عبده ذاته ما انفكّ  يؤكّد أنّه «مهما ارتفعت مكانة الفرد، فإنّ تلك المكانة لا تمنحه أيّ حقّ في امتهان حقوق الآخر مهما دنت منزلته، ومهما كان اِنتماءه الدّينيّ أو الطّائفي، فلا وجود في الإسلام لما قد نسمّيه سلطة دينيّة، ولا رقيب بين الإنسان وخالقه غير خالقه، لأنّ الإسلام جاء لتحرير المؤمن من كلّ  سلطة غير سلطة اللّه». وبالتّالي، لا شيء يمنع هذا الإسلام التقدّمي من الانسجام مع واقع العلمانيّة أو الدّيمقراطيّة والتّناغم مع مكتسبات العلوم الحديثة. والحال أنّ الإسلام أبدى منذ نشأته الكثير من التبصّر والمرونة والواقعيّة، ومن القدرة على التّلاؤم مع أشكال المجتمعات التي انتشرت فيها تعاليمه، سواء كانت قبليّة أو رعويّة أو حضريّة. لقد انتشر الإسلام في أماكن اختلفت فيها الثّقافات، وتنوّعت بها المجتمعات والحضارات، والإنسان المسلم هو ذلك الإنسان الذي أبدى قدرة مدهشة على التّأقلم مع كلّ ظرفيّة طارئة، والكثير من المرونة في تأويل الأشياء، وتمحيصها ومراجعتها.. وليس من المستغرب أن يكون القبول بالعلمانيّة قد تحقّق على نسق بطيء في البلدان العربيّة، خاصّة منها بلدان المشرق، حيث تتعدّد الدّيانات وتتنوّع الطّوائف الدينيّة، وأن يكون ذلك قد تحقّق بأشكال وصيغ غير رسميّة، بخطوات تجريبيّة متردّدة ومتعثّرة، وأحياناً بفضل حلول توفيقيّة، ولكن دون أن يفضي ذلك إلى لحظات حاسمة مثل تلك التي عرفتها تركيا. وقد كان في إمكان الرّئيس جمال عبد النّاصر أن يقوم بمثل تلك الخطوة الجريئة والحاسمة حين قام بتأميم قناة السّويس، ولكنّه لم يفعل. ثمّ كانت حركة جزر رهيبة في أغلب البلدان العربيّة التي نلمس آثارها في تنامي الأصوليّة الإسلاميّة والتعصّب الطّائفي والعنف الّدّموي للحركات التكفيريّة. أيّ  تصوّر للعلمانيّة اليوم؟ يجيب نصر حامد أبو زيد في نقده للخطاب الدّيني قائلاً: «العلمانيّة هي بصورة أساسيّة التأويل الأصيل والتمثّل العلمي المتبصّر للظّاهرة الدّينيّة»، فيما يرى البعض الآخر أنّ النّظام المُعَلمن هو النّظام الذي يستمدّ أسباب وجوده من الدّستور، ويعمل على إقرار العدل بتطبيق ما جاء فيه من قوانين، وبالتزام المبادئ المعلنة في ميثاق حقوق الإنسان. تلك مواقف تشهد على مدى انتشار مفهوم العلمانيّة في البلاد العربيّة منذ عصر النّهضة، فلا بدّ من الإقرار بأنّه ثمّة في العالم العربي اليوم علمانيّة فعليّة، لا يُعترف بها تماما، ولكنّها ليست مرفوضة، إنّها علمانيّة مريبة، منقوصة وغير محتملة، مختصرة في مفهوم يَذيعُ وينتشر، ولكن لا حقيقة فعليّة له على أرض الواقع، إنّها أشبه ما تكون بهوس لغويّ  عنيد يثير انزعاج وخوف الإسلاميّين، كما مخاوف المثقّفين من ورثة حركة النّهضة. فهل نكون بحاجة إلى حذف العلمانيّة من التّفكير الفلسفي، حتّى لا تبقى مجرّد كلمة سرّ، وأن نُحلّ محلّها مفاهيم أخرى مثل الدّيمقراطيّة والعقلانيّة، وهي المفاهيم التي تكشف على نحو أفضل عن المتطلّبات الملحّة للمجتمع العربيّ: ديمقراطيّة قد تضمن في الوقت ذاته حقوق الأفراد والجماعات، وعقلانيّة قد تجعل الممارسة السّياسيّة نابعة من العقل، وخاضعة لمقاييسه المنطقيّة ومعاييره الأخلاقيّة. ذلك هو في الحقيقة، وفي غياب تطبيق عقلانيّ للعلمانيّة، الجدل الذي ينبغي أن يستوقفنا ونحن نلمس بأمّ العين عدميّة الحركات التّكفيريّة. الإسلام والحرية مهما ارتفعت مكانة الفرد، فإنّ تلك المكانة لا تمنحه أيّ  حقّ لامتهان حقوق الآخر مهما دنت منزلته، ومهما كان انتماؤه الدّينيّ أو الطّائفي، فلا وجود في الإسلام لما قد نسمّيه سلطة دينيّة، ولا رقيب بين الإنسان وخالقه غير خالقه، لأنّ الإسلام جاء لتحرير المؤمن من كلّ سلطة غير سلطة اللّه. الإمام محمّد عبده قبول بطيء القبول بالعلمانيّة تحقّق ببطء في البلدان العربيّة وبأشكال وصيغ غير رسميّة، بخطوات تجريبيّة متردّدة ومتعثّرة، وأحياناً بفضل حلول توفيقيّة، ولكن دون أن يفضي ذلك إلى لحظات حاسمة مثل تلك التي عرفتها تركيا.