الاتحاد

الملحق الثقافي

الفكر العلماني.. مآلاته وممكناته


يعرف عالمنا العربي والإسلامي منذ عقود توترات عنيفة بين قطبين لا يلتقيان هما الأصولية والعلمانية. لقد شكل الصراع بين هذين الماردين الخريطة الاجتماعية والسياسية للمنطقة، حتى بدا الأمر كما لو أننا نعيش بسببه انحباساً حضارياً لا سبيل إلى تجاوزه. إن مجمل أشكال الشد والجذب والتقلبات والتطلعات والآمال والإحباطات والمآسي التي عرفناها وما زلنا نعرفها إلى اليوم، إلى الصراع الدائر بين الأصولية والعلمانية. ثمة تفرعات عديدة لهذا التوتر ولكن ربما يعود التباين بينهما إلى اختلاف منظومة القيم الخاصة بكل منهما، وإلى الطرق المتميزة في البناء الحضاري والتحقق التاريخي. وكذا التناقض الكبير في التصورات المرتبطة بمواضيع حاسمة كمفهوم الإنسان والحياة التي ينبغي أن تعاش وشكل الخلاص البشري.


تميل الأصولية إلى تقديم نفسها ـ رغم الاختلافات الطفيفة التي توجد بين تياراتها ـ باعتبارها بديلاً حضارياً مكتملاً ينطوي على حلول شاملة لكل الإشكالات التي يعاني منها الإنسان المعاصر، وأن صلاحية هذه الحلول تعود أساساً إلى كونها مستمدة من الشريعة والقانون الإلهي. بينما ترى العلمانية في صيغتها العامة ـ ما دام أن هناك أشكالاً من العلمانيات ـ أن العالم منذ القرن الثامن عشر على الأقل قد ابتكر شكلاً جديداً لتسيير المجتمعات، وتنظيم الحياة لا علاقة له بما كان معروفاً في الماضي؛ حيث كانت السلطة السياسية ذات شكل ديني وتمارس بتفويض إلهي. منذ القرن الثامن عشر  شكلت العلمانية أفقاً للممارسة السياسية ليس فقط للغرب بل ولكل المجتمعات بما فيها المجتمعات العربية. فما هي المآلات التي تعرفها العلمانية عندنا؟ وما هي الممكنات التي تحملها لنا للخروج من الانسداد الحضاري الذي نعيشه؟  

تشويه
 تجدر الإشارة في البداية إلى أن لفظ العلمانية في الوعي العام قد تعرض للكثير من التشويه. يكفي اليوم أن يتم نعت أحدهم بكونه علمانياً حتى يتم ازدراء كلامه وتسفيه أفكاره، والنظر إليه على أنه ملحد معاد للدين. وربما يعود ذلك إلى الانتشار الكبير للرجعية وبعض تيارات الإسلام السياسي المتبنية لها في العالم العربي، إضافة إلى الدور الذي لعبته القنوات الفضائية في حشد الرأي العام ضد كل ما له علاقة بقيم الحضارة المعاصرة، في حين أن مصطلح العلمانية بريء من تهمة الإلحاد بل إن العلمانية غير مناوئة للدين أصلاً، وكل ما تريد أن تثبته هو ضرورة النظر إلى كل فرد في المجتمع باعتباره مواطناً، أي شخصاً مساوياً في الحقوق والواجبات لجميع الأشخاص الآخرين. ويأتي على رأس هذه الحقوق الحريات العامة مثل حرية التفكير والاعتقاد والتعبير.
ويرى جون لوك، في هذا السياق، أن من واجب الدولة رعاية الخيرات المدنية، أي أن تهتم بالشؤون الدنيوية وما يهم المواطن في المجتمع، ولكن ليس من حقها أن تترامى على الخيرات المعنوية، أي كل ما يمس الجانب الإيماني للإنسان ونجاة الأرواح. بطريقة أخرى لا يمكن للدين أن يتدخل في السياسة ولا يمكن للسياسة أن تمارس وصايتها أيضاً على الدين. بهذا المعنى يمكن القول بأن العلمانية تميز بين ما ينتمي للفضاء العمومي l&rsaquoespace public مثل الأمور الاقتصادية والسياسية، وما ينتمي للفضاء الخاص L&rsquoespace privé ، وهذا هو المعنى الحقيقي لفصل الدين عن الدولة؛ فهو لا يعني إنكار أهمية المسألة الدينية وإنما وضعها ضمن المكان المعتبر الخاص بها.
ويعتبر التمييز بين هذين الفضاءين حاسماً في تشكيل طبيعة المجتمعات العلمانية، وهو تمييز ــ للأسف ــ مازال يطرح عندنا العديد من الإشكالات؛ حيث نعاين انزلاق أحدهما داخل الآخر ومحاولة فرض نفسه عليه. إن ما يضمن ترابط الأفراد ووحدتهم داخل المجتمع أي انتمائهم للفضاء العمومي، هو التعاقد الاجتماعي، هذا المفهوم الذي تعود جذوره - كما هو معروف لجان جاك روسو - الذي رأى أن الدولة ينبغي أن تكون نتاجاً للإرادة الحرة للشعب، وليست مفروضة عليهم من فوق.      

غيابات كبرى
 ثمة تحليلات عديدة تراكمت في الفكر العربي المعاصر عملت على تشريح بنية السلطة في الدول العربية وتوصيف طبيعة مجتمعاتها، ويمكن أن نجمل أهم خلاصات هذه التحليلات فيما يلي:
أولا: غياب الشرعية التعاقدية؛ فأغلب هذه الدول ما تزال منشدة إلى طرق الحكم العتيقة، التي تعود إلى القرون الوسطى فهي تمارس سلطتها باسم التقاليد والأعراف. هذا - على سبيل المثال لا الحصر - هو شكل  الدولة التي انتقدها المفكر المغربي عبد الله العروي، مؤكداً أنها ما زالت مرتبطة بما يطلق عليه «الإرث السلطاني» فافتقادها إلى الشرعية المستمدة من الإجماع جعلها متعالية على المجتمع، غير قادرة على أن تترسخ في الذهنيات وتصبح مقبولة من طرف الأفراد. لذلك، كما يقول العروي، نجد هذا الحنين الدائم لدولة الخلافة المنتشر في العالم الإسلامي، والذي يعبر عن فشل الدولة العربية في الدخول إلى الحداثة وبناء شرعيتها على قاعدة الإجماع والقانون.   
 ثانياً: غياب العدالة الاجتماعية؛ فحتى الدول التي حاولت أن تخوض تجارب علمانية باءت بالفشل، فقد تحولت باسم الشرعية الثورية إلى الاستبداد والقمع السافر لشعبها. أحياناً، باسم حالة الطوارئ أو باسم العدو الإسرائيلي تم تأجيل بناء الدولة الحديثة إلى أجل غير مسمى، وتحولت الطبقة الحاكمة إلى شريحة متنفذة مالياً وسياسياً، خانقة بذلك النمو الطبيعي للمجتمع ومانعة كل تداول سلمي للسلطة. لقد تابعنا لعقود ـ وما زلنا نفعل ذلك للأسف ـ كل أشكال القمع وإهدار كرامة الشخص البشري، من معتقلات سرية وعلنية، ورمي للاحتجاجات بالرصاص الحي. هذا إضافة إلى الاضطهاد والمحاكمات الصورية، والموت المجاني في مخافر الشرطة. كل هذا باسم الحفاظ على الأمن العام والاستقرار الداخلي للدولة.
وغني عن القول إنه لا يمكن للفرد أن تتفتح مداركه وتنمو شخصيته إلا في مناخ اجتماعي يتميز بالحرية ويشعر فيه بالأمن والاطمئنان على ذاته، وهو الأمر الذي أشار إليه سبينوزا حينما أكد على أن الغاية من قيام الدولة، ليست تحويل الأفراد إلى أجساد طيعة خنوعة، أو إلى آلات صماء تردد ما يملى عليها، بل تحرير الطاقات الكامنة فيه ودفعه إلى التعبير بحرية عن آرائه وأفكاره. وطبعاً هذا على العكس تماماً مما نجده عندنا في الوطن العربي، حيث أخطر ما في الدولة ليس فقط قتل النفوس الحية، بل قدرتها على خلق النفوس المريضة وتحويلها إلى حشد من القطيع همه الوحيد الانبطاح المطلق والطاعة الأبدية.
 ثالثاً: غياب العقل والمعرفة الموضوعية، ذلك أن  حاكمية العقل هي من المبادئ الأساسية المميزة  للأنظمة العلمانية حيث يمارس سلطة موجِّهة للمسار التقدمي للمجتمع. فما دام أن الفرد يمتلك الحق في إبداء رأيه والتعبير عن مواقفه، هذا يعني أن الثقافة السائدة داخل هذه المجتمعات هي الثقافة النقدية، والمعرفة العلمية القائمة على التخطيط الإستراتيجي، والفكر التأويلي الذي يؤمن بضرورة استنهاض المعاني العميقة للنصوص الدينية  ومقاصدها الخفية، بدل الركون إلى القراءات الحرفية واستهلاك الحقائق الجاهزة. يكفي أن نلقي نظرة على المجتمعات الغربية اليوم كي نرى كيف تنتشر مراكز البحث العلمي فيها كالفطر، وكيف ترصد هذه الدول  ميزانيات قوية لذلك، وكيف أن القرارات السياسية تكون تشاركية ومدروسة بشكل جيد، كما هو الحال في أميركا - مثلاً - حيث يعتمد السياسي على (مجموعات التفكير ـ the think tank ). إن انتشار رجال المال والأعمال والخبراء والعلماء والتقنيون الذين يبحثون عن النجاح الاجتماعي، يدفعهم الحماس لصنع عالم أفضل، كل هذا وغيره يعبر عن أن هذا المجتمع يعيش وضعاً صحياً وسليماً من الناحية المعرفية. بينما في المقابل عندنا ينتشر نوع من الدعاة والفقهاء الذين يزدرون كل ما له علاقة بالعلوم الإنسانية أو حتى العلوم الطبيعية لأن غاية العلم ومنتهاه - في نظرهم - هو العلم الشرعي.  

مستقبل العلمانية
 يبدو أن مآل العلمانية في الوطن العربي حزين جداً وإمكاناتها محدودة وذلك راجع لسببين: الأول داخلي يعود لجوهر الدولة نفسها التي قامت بأدلجة الدين كي تستمد مبررات وجودها منه، وتضفي بذلك على نفسها شرعية مقدسة بحيث باتت معارضتها سياسياً تعني معارضة الدين ذاته. أما الثاني، فهو طارئ، وجاء نتيجة الانتشار الكبير الذي عرفته بعض التيارات الإسلامية الأصولية والتي حاولت الاشتغال على مستويين متلازمين: الأول هو أسلمة الفضاء العمومي سواء كان حزباً أو نقابة أو جامعة أو إطاراً من إطارات المجتمع المدني. والثاني هو أسلمة المعرفة؛ لهذا السبب بدأنا نسمع عن الفيزياء الإسلامية والنقد الإسلامي والمسرح الإسلامي وغيرها من المنظومات المعرفية، وكأن إضافة نعت إسلامي إليها يكفي لجعلها تتبوأ الصدارة ضمن الأنساق المعرفية المعاصرة، في حين أنهم بذلك ينقطعون عن الحوار الكوني الذي يجري اليوم بين خطابات معرفية طليعية ؛ كالعلوم الإنسانية والسوبورنطيقا والهندسة الجينية وعلوم الفضاء وغيرها، وهي كلها علوم إنسانية كونية ولا يمكن القول بأنها تتلون بدين معين.
 باختصار، لا يمكن أن نعيش في الألفية الثالثة ونحن نفكر بعقلية ألفية ابن مالك، أي بعقلية تقوم على الحفظ والاستظهار والاجترار بدل الإبداع والتساؤل والأشكلة. كما لا يمكننا أيضاً أن نعيش في هذا العالم الذي يتحرك باتجاه الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان والمساواة بين المرأة والرجل، بينما نحن ما زلنا نرزح تحت رحمة قدر الدولة الدينية التي تعمق الفجوة بيننا وبين الغرب وتزيد من انحباسنا التاريخي.

ماذا يعني فصل الدين عن الدولة؟
مصطلح العلمانية بريء من تهمة الإلحاد بل إن العلمانية غير مناوئة للدين أصلاً. العلمانية تميز بين ما ينتمي للفضاء العمومي l&rsaquoespace public مثل الأمور الاقتصادية والسياسية، وما ينتمي للفضاء الخاص L&rsquoespace privé . إن هذا هو المعنى الحقيقي لفصل الدين عن الدولة فهو لا يعني إنكار أهمية المسألة الدينية وإنما وضعها ضمن المكان المعتبر الخاص بها.
ويعتبر التمييز بين هذين الفضاءين حاسماً في تشكيل طبيعة المجتمعات العلمانية، وهو تمييز للأسف مازال يطرح عندنا العديد من الإشكالات حيث نعاين انزلاق أحدهما داخل الآخر ومحاولة فرض نفسه عليه.

العنف الشرعي
يرى عالم الاجتماع ماكس فيبر أن من مميزات الدولة العلمانية الحديثة اللجوء إلى ما يسميه بـ «العنف الشرعي» وأن من حقها أن تحتكره لوحدها، وذلك حتى تمنع إمكانية ممارسته من طرف الجماعات والأفراد.
ونعتقد أنه ليس من حق الاستبداد الركوب على مفهوم «العنف الشرعي»، كي يبرر ممارسته القمعية المنافية لحقوق الإنسان، وذلك لسببين على الأقل:
أولاً : لكي تتحدث هذه الدول عن العنف الشرعي عليها أن تكون هي نفسها شرعية، أي أن تكون نابعة من شرعية تعاقدية حرة وليس على ظهور الدبابات والانقلابات العسكرية.
ثانياً: العنف الشرعي حسب المفهوم الفيبري هو عنف محدود حسب ما تسمح به القوانين، وليس حسب ما تسمح به مزاجية الحاكم وتعليماته.
ونحن اليوم، لا نرى في إطار الدولة الحديثة الغربية ـ إلا ضمن حدود ضيقة جداً كما هو حال الجيش الأحمر الإيرلندي أو منظمة إيتا الباسكية ـ  أحزاباً أو منظمات ترفع السلاح في وجه الدولة لأن الوصول إلى السلطة يكون عن طريق التداول السلمي لها.

تأجيل
تحت دعاوى محاربة العدو الإسرائيلي أحياناً وباسم حالة الطوارئ أحياناً أخرى تم تأجيل بناء الدولة الحديثة إلى أجل غير مسمى، وتحولت الطبقة الحاكمة إلى شريحة متنفذة مالياً وسياسياً، خانقة بذلك النمو الطبيعي للمجتمع ومانعة كل تداول سلمي للسلطة. لقد تابعنا لعقود ـ وما زلنا نفعل ذلك للأسف ـ كل أشكال القمع وإهدار كرامة الشخص البشري، من معتقلات سرية وعلنية، ورمي للاحتجاجات بالرصاص الحي، بل أحياناً بالأسلحة المحرمة دولياً. هذا إضافة إلى الاضطهاد والمحاكمات الصورية، والموت المجاني في مخافر الشرطة. كل هذا باسم الحفاظ على الأمن العام والاستقرار الداخلي للدولة.

اقرأ أيضا