س1 لم يعاين الفكر الإسلامي السلفي التصورات السلبية التي يطلقها مصطلح «الدولة الدينية»، أعني أنه لم يصطدم بالمشكل الذي يثيره المصطلح في الذهن السياسي المعاصر. فقد انطلق هذا الفكر في تنظيره للدولة من نموذج فعلي ظل قائما في الواقع لقرون طويلة، وبتناغم تام مع روح العصر الوسيط الذي كان عصرا دينيا بوجه عام، وامتزجت فيه السياسة بالدين على نحو طبيعي بلا معارضة من أي اتجاه. أما الفكر السياسي الإسلامي المعاصر فينطلق حيال المسألة من أرضية مختلفة تماما، لا تتمثل في غياب النموذج السياسي الديني الذي انقطع حضوره منذ أمد بعيد فحسب، بل أيضا في ضغوط الحداثة السياسية التي تستحضر مفاهيم مضادة وغير ودية حيال هذا النموذج، معنية في المقام الأول بفكرة الحرية، وهي تترجم سياسيا تحت عنوان «التعددية»، التي تتناقض مع إطلاقية الطرح الديني وشموليته. على خلاف المسيحية التي تكونت في إطار دولة قائمة ذات طابع علماني، تزامن تبلور الدين في الإسلام مع ظهور دولة. توفي الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن دولة في طور الإنشاء والتكون، بمعنى أنها لم تكن قد اكتملت بشكل واضح عند إغلاق النص، وخصوصا من جهة جهاز السلطة الذي يجسد كيانها كشخص معنوي منفصل عن شخص الرسول المؤسس. ظروف المواجهة السياسية والعسكرية مع القوى المناوئة (العربية واليهودية) هي التي دفعت «الجماعة» المسلمة باتجاه التحول إلى دولة. لقد نشأت الدولة كواقعة مادية طبيعية، بسبب تحريك الدعوة الدينية لعوامل الاجتماع السياسي في المحيط القبلي العربي، بمعنى أنها لم تنشأ ترجمة لحكم نصي آمر أوجدها من العدم وفرضها على التاريخ. بوجه عام تنشأ الدولة ككائن اجتماع طبيعي متى توافرت شروطها في الواقع الاجتماعي بغض النظر عن حضور الدين أو غيابه. وبوجه عام أيضا يفترق موضوع الدين عن موضوع الدولة؛ موضوع الدين هو ثوابت المطلق (الله/&rlm&rlm&rlm الأخلاق) بينما موضوع الدولة هو المتغيرات النسبية للاجتماع. أتكلم عن الدين في ذاته كجوهر مفارق وليس عن الدين التاريخي الذي يكتبه التديّن من خلال المؤسسة الدينية. التداخل العميق بين الدين والدولة في النظرية الإسلامية بشقيها هو انعكاس للمسار التاريخي (الواقعي) الذي ظل يجاور بينهما منذ النشأة وطوال مراحل التأسيس النظري. ربطت النظرية الشيعية بين الدين والدولة ربطاً عضوياً لم يدع إليه النص التأسيسي، فهي لم تكتفِ بإدخال الدين إلى أهداف الدولة، بل أدخلت الدولة في أركان الدين. تحولت الدولة، ممثلة في الإمام المعصوم، إلى كائن ديني كامل، ينطق مباشرة باسم الله، ويمتلك من ثمَّ صلاحيات ثيوقراطية شمولية مطلقة. أما النظرية السنّية (ويدخل فيها الطرح الإباضي)، فرغم أنها لم تجعل الإمامة ركنا من أركان الدين، إلا أنها اعتبرتها «ضرورة» لازمة لقيام الدين، الأمر الذي يؤدي في نهاية التحليل إلى النتيجة ذاتها وهي الربط الأبدي بين الدولة والدين، وتحميل صلاحيات الخلفية - الأوتوقراطية أصلاً - بحمولة ثيوقراطية مضمرة. 2 لم يكن سؤال الثيوقراطية مطروحاً في المناخ العام للفكر السياسي الوسيط الذي تكونت فيه النظرية التراثية بشقيها، ولكنه يطرح نفسه بقوة أمام الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. وهو في الواقع السؤال الأكثر إشكالية بين الأسئلة الشائكة التي يواجهها هذا الفكر، بما في ذلك السؤال الذي يتعلق بنظام الحكم. المسألة تتعلق بفكرة الدولة الدينية من حيث المبدأ. فإما أن يقبل النظرية التقليدية بحالتها كما يقدمها الفقه السلفي، وعليه في هذه الحالة أن يتحمل «أوزارها» في مواجهة الحداثة، وفي مواجهة الواقع الذي يعاني حالة بؤس سياسي واجتماعي مزمنة. وهذا بالفعل موقف الكتلة السلفية القح من العقل الإسلامي المعاصر ومن بينها التيارات الأصولية الأكثر تشدداً، والتي لا تحفل أساساً بمفهوم الحداثة، وتقدم إلزامية الحكم الفقهي على نزوعات الحرية. وإما أن يعترف بأن النظرية ببنيتها التاريخية تحمل خصائص ثيوقراطية وأوتوقراطية واضحة، وتشكل بالتالي عبئاً على مطالب الحرية (النظرية هنا ليست هي القيم الكلية للدين كالشورى والعدالة، والتي يجري استخدامها عمداً أو بالغلط كحائط صدٍّ دفاعي). وهذا هو موقف التيارات الأقل سلفية، خصوصاً تيار «الإسلاميين المنتسبين» الذي يجادل في وصف الدولة الإسلامية بالدولة الدينية مستحضراً سهام النقد التي وجهها الفكر العلماني التقليدي لنفوذ الكنيسة في الغرب المسيحي، والمخاوف التي يثيرها حول مصطلح الثيوقراطية. ولكن هذا التيار لم يقدم نظرياً ما يكفي لتبديد هذه المخاوف. فهو يلجأ إلى الحديث عن المبادئ الكلية ذات النفس الأخلاقي كالعدالة والإحسان والشورى، خالطا بينها وبين النظرية السياسية التي كتبها الكلام والفقه ترجمة للنظام  السياسي في القرون الثلاثة الأولى بخصائصه الأوتوقراطية الثيوقراطية، وهي التي شكلت بحمولتها المخزونة في ذاكرة العقل المسلم الخلفية الكامنة لثقافته السياسية. (بوجه عام، لم تلعب المبادئ الكلية وهي من جوهر الدين، دورا فاعلا في تكوين المدونات الدينية التي تشكل الثقافة). وهو يكتفي بتبرير دفاعي مقتضب مفاده أن الإسلام لم يعرف الكهنوت أو الكنيسة، ولم يمارس حكم رجال الدين. وهو تبرير التفافي يراوغ في تعريف الدولة الدينية من خلال معيار المؤسسة، أو العمامة، أو شكل الحكومة، وليس مضمون الحكم. جوهر المشكل في الواقع هو موضوع الحكم وليس شكل الحكومة. فالدولة الدينية هي الدولة التي يتحد فيها جهاز السلطة مع النص الديني، ومثالها التقليدي الدولة التي يحكمها نبي أو كاهن. لكن الدولة تكون دينية دائماً عندما تتبنى كجهاز سلطة هذا النص الديني، وتستخدم في فرضه أدوات الحكم الإلزامية بما في ذلك التشريع، ولو لم يكن الحكام من رجال الدين. الهاجس الأساسي حيال الدولة الدينية هو خطر تجميع السلطتين: سلطة تفسير النص التي ستنسب في النهاية إلى مراد الله، وسلطة الدولة التي تميل بغريزتها إلى التغول على الحرية. تتعلق المسألة - إذن - بتديين جهاز السلطة، لا بتدين الفرد أو المجتمع. فقد كان الدين ولا يزال حقيقة راسخة وعميقة على مستوى الفرد والمجتمع في ظل العلمانيات المتعاقبة قديما وحديثاً، ولكن اتصاله بجهاز السلطة ظل دائماً عرضة للانقطاع. في القرن الثامن عشر اعتبر جان جاك رسو أن «المملكة الروحية المسيحية المزعومة قدمت من خلال الكنيسة أعنف حكم استبدادي في هذا العالم»، وعزا أصل المشكل إلى ازدواجية السلطة التي تمزق الفرد المسيحي بين الكنيسة والدولة «إذ الحال أنه لما كان يوجد دائماً أمير وقوانين مدنية، فقد نتج عن هذه السلطة المزدوجة نزاع أبدي في الاختصاص جعل أية سياسة صالحة مستحيلة في الدول المسيحية، ولم يصل الناس إلى معرفة نحو من يجب أن يلتزموا بالطاعة. أللسيد أم للقسيس؟». حسب جان جاك روسو كانت المسيحية الرومانية «تقدم للبشر تشريعين ورئيسين ووطنين، وتخضعهم لواجبات متناقضة، وتمنعهم من أن يكونوا في آن واحد مؤمنين ومواطنين». ومن هذه الزاوية اعتبر روسو أن الدولة الدينية التي قامت في الإسلام ووحدت بين السلطتين الدينية والزمنية كانت أقل سوءاً من مثيلتها المسيحية. ولكن مشكل الثيوقراطية لا يتأتى من ازدواجية السلطة كما في النموذج المسيحي الغربي فحسب، بل تكمن بالأساس في مخاطر الاستبداد والقمع الكامنة في النظام الديني التاريخي ذاته. مما مؤداه زيادة حاصل جمع التسلط وتركيزه في قبضة واحدة أو جهاز واحد. المشكل يكمن في فرض الدين (وهو بموضوعه يتعلق بالمطلق الأخلاقي المحكوم بالضوابط الداخلية للذات) بقوة الدولة، أي في تحويل الدين إلى قانون وضعي (وهو يأتي على حساب جوهره الروحي الأخلاقي). لا يظهر ذلك فقط بالنسبة لمجتمع متعدد الديانات أو متعدد المذاهب مع اتحاد الديانة، بل أيضاً بالنسبة للمجتمع الذي يشترك أفراده في الدين والمذهب، إذ سيظل خيار التفسير في المعتقدات وفي التشريعات مبصوماً ببصمة الحاكم أو الحكومة، ومدججاً بسلطة الإلزام الكامنة في النص «الفقهي»، فضلاً عن إلزام السلطة المستمد من فكرة الدولة. كان الفرد المسيحي فريسة لسلطة مضاعفة موزعة على حاكمين، بينما سينتهي الأمر بالفرد المسلم إلى أن يكون فريسة لهذه السلطة المضاعفة ذاتها مضغوطة في قبضة حاكم واحد. 3 هل يعني ذلك أن ثمة علة ضرورية تربط الاستبداد والقمع بالدين في ذاته؟ أم يتعين التمييز بين الدين في ذاته والدين التاريخي الذي صنعه تاريخ التدين عبر المؤسسة الدينية، حيث يتصدر الفقه على حساب الروح والضمير والحس الإنساني؟ في عبارة أخرى هل يتعين التمييز بين الدين والحكم بالدين، من حيث أن الدين على المستوى الفردي (الإيمان الشخصي والضمير) وعلى المستوى الاجتماعي (الروح الأخلاقي العام) لا يستلزم الحكم بالدين أو التسلط باسمه؟ بالاستقراء، بدأ تاريخ الدولة دينيا في مصر والشرق القديم. ومع السلطة المطلقة التي وفرتها المزاعم الدينية للملك الإله ونائب الإله يسهل تفسير نشأة الاستبداد وكونه شرقياً كأصل عام. الأمر الذي سيجري تثبيته عبر تراث التجربة العبرية وامتداداتها في تاريخ المسيحية والإسلام. مع العبريين نشأت الديانة منذ البداية في سياق سياسي اجتماعي يدور حول حاجة الشعب إلى الأرض التي وفرها الإله بوعد سماوي مقابل الالتزام بالشريعة. دخل القانون في صلب الدين احتل موقع الصدارة منه، منذ البداية ارتبط حضور المؤسسة الدينية بحضور الشريعة وتبلورت الدولة. المزاعم الثيوقراطية في التراث العبري المسيحي الإسلامي نشأت بفعل النشاط التاريخي للمؤسسة الدينية، وهي لا تطابق جوهر الدين الذي يقوم على معرفة الله والمحبة الإنسانية ولا يناقض الحرية. تاريخيا؟ لم يكن جوهر الدين هو الذي يشكل المدونة الدينية، فحركة الدين في التاريخ كانت تؤدي «دائماً» إلى تغليب رؤية التدين. في دول المدن اليونانية، وعبر مراحل طويلة من حكم الإمبراطورية، تعايشت العلمانية الرومانية مع الأديان الوثنية في روما والبلدان المفتوحة التي كان الرومان يتركون لها حرية التعبد. كما تعايشت مع الديانتين اليهودية والمسيحية، وهو ما يعني أن الدين كان حاضرا على المستوى الفردي وعلى مستوى المجتمع دون أن يكون حاكما. في تاريخ المسيحية، لم يظهر المشكل إلا بعد تنصر الدولة وتبلور الكنيسة، التي ظلت تتغول تدريجيا على صلاحيات الدولة، حتى أعلنت نفسها سلطة عليا فوق سلطة الملوك، في الوقت الذي كانت قد راكمت مادة تشريعية كنسية مستقلة عن العهد القديم. في الإسلام، لم تنشأ مؤسسة كهنوتية منظمة على النمط اليهودي المسيحي، ولكن الدولة أممت دور المؤسسة بعد أن أسندت إلى نفسها مهمة حراسة الدين، وهي عملية لم تتم في المرحلة المبكرة، الأمر الذي أسبغ على الثيوقراطية الإسلامية سماتها الأحادية الخاصة: - في حقبة الراشدين القصيرة، ظل وعي الدولة بالسلطة بسيطا. كانت تعي ذاتها كوارثة قرشية للصلاحيات السياسية للرسول صاحب الدولة، ولم تفهم وظيفتها كحارسة للدين بالمعني المركب الذي ستقننه النظرية لاحقا (في العصر العباسي الفارسي). أما أحداث الردة فكانت حرباً سياسية شبه خارجية تمثل حلقة في تكوين الدولة. لم يكن الكلام أو الفقه قد لعب بعد دوره الذي سيلعبه لاحقا في إنشاء منظومة القوانين (الشريعة)، ولم تكن الدولة ذاتها كجهاز تسلط قد اكتمل بناؤها من الناحية العضوية. ترتب على ذلك أن التسلط الطبيعي للدولة كان ضعيفا لعدم اكتمال جهاز السلطة، والتسلط الديني كان خفيفا لعدم اكتمال المنظومة الفقه كلامية، ولذلك غاب الاستبداد القمعي رغم حضور الدين وارتباطه بالسلطة بإحدى صور الارتباط. - باستقرار الدولة الأموية كان جهاز السلطة قد أخذ في التكون، أو تجاوز هذه المرحلة قليلا. ولكن الفقه لم يكن قد تبلور بعد كمؤسسة نظرية تشرع القوانين. ولم تكن الدولة التي قامت على عصبية قبلية شبه صريحة، قد اتصلت بفكرة الدولة الحارسة للدين. هنا ظهر الاستبداد ، ولكنه كان استبدادا فجا طبيعيا يرتد بشكل مباشر إلى غريزة التسلط وخشونة المحيط القبلي، أكثر مما كان استبدادا دينيا يرجع إلى إلزامية الشريعة أو يبرر نفسه بوظيفة الدولة الحارسة للدين. - أما العباسيون فكانوا، منذ مرحلة التنظيم السري، قد رفعوا شعارات دينية صريحة تندد بالاستبداد الأموي وتدعو لحكم آل محمد. وهي الشعارات التي استمرت بعد قيام الدولة، والتي تحولت بعد تطعيمها بالمؤثرات الفارسية، وبالتزامن مع تبلور منظومة الفقه، إلى مفهوم الدولة الحارسة للدين في أدبيات النظرية السياسية. ومع اقتباس الأساليب الساسانية كانت الدولة كجهاز تسلط قد اكتملت نضجا، وتضافرت عوامل الجمع بين السلطتين السياسية والدينية. ومارس الخليفة استبداده باسم الله. ربط الدولة بالدين ربطت النظرية الشيعية بين الدين والدولة ربطاً عضوياً لم يدع إليه النص التأسيسي، ولم تكتفِ بإدخال الدين إلى أهداف الدولة، بل أدخلت الدولة في أركان الدين.. أما النظرية السنية (ويدخل فيها الطرح الإباضي)، فرغم أنها لم تجعل الإمامة ركناً من أركان الدين، إلا أنها اعتبرتها «ضرورة» لازمة لقيام الدين، الأمر الذي يودي في نهاية التحليل إلى النتيجة ذاتها وهي الربط الأبدي بين الدولة والدين، وتحميل صلاحيات الخلفية - الأوتوقراطية أصلاً - بحمولة ثيوقراطية مضمرة. السلطة والنص جوهر المشكل هو موضوع الحكم وليس شكل الحكومة. فالدولة الدينية هي الدولة التي يتحد فيها جهاز السلطة مع النص الديني، ومثالها التقليدي الدولة التي يحكمها نبي أو كاهن. لكن الدولة تكون دينية دائماً عندما تتبنى كجهاز سلطة هذا النص الديني، وتستخدم في فرضه أدوات الحكم الإلزامية بما في ذلك التشريع، ولو لم يكن الحكام من رجال الدين.