الاتحاد

عربي ودولي

نجاح الثورات العربية يدعم العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي

داليا مجاهد خلال الحوار مع «الاتحاد»

داليا مجاهد خلال الحوار مع «الاتحاد»

توقعت د. داليا مجاهد مديرة مركز جالوب أبوظبي لأبحاث الرأي العام تحسن العلاقات بين العالم الاسلامي والغرب في الفترة المقبلة، إذا نجحت الثورات في بعض الدول العربية في التحول الى الديمقراطية، مشيرة إلى أن استطلاعا أجراه المركز مؤخرا يؤكد تزايد فرص تحسن العلاقات المشتركة بين الجانبين.
وقالت الباحثة الأميركية البارزة إن نتائج الاستطلاع والثورات التي شهدتها تونس ومصر وليبيا، تدحض نظرية صدام الحضارات التي تتبناها بعض دوائر صنع القرار والرأي العام في الغرب.
وقالت مجاهد التي عادت لأبوظبي قبل أيام بعد زيارة سريعة لواشنطن إن لديها رسالة من دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة تود توجيهها للشعب المصري، تتعلق بالعلاقات المشتركة في الفترة المقبلة، لكنها كشفت عن موجة قلق في واشنطن بشأن نتائج الانتخابات المصرية، وأن الإدارة الأميركية تتلهف لمعرفة ما يريده المصريون بالضبط، للتعامل مع التطورات الجديدة في المنطقة.
وتعد مجاهد من أبرز الباحثين المسلمين في الولايات المتحدة المهتمين بتقديم صورة حقيقية للإسلام والمسلمين للغرب وزيادة فرص التفاهم المشترك. وهي أميركية من أصل مصري عملت في مركز جالوب الأميركي مسؤولة عن البحوث الخاصة بالمسلمين. ثم عينها الرئيس باراك اوباما عام 2009 مستشارة للشؤون الاسلامية لتصبح أول سيدة محجبة تعمل في البيت الأبيض.
وفي 2010 تولت رئاسة مركز جالوب أبوظبي الذي تأسس كمشروع مشترك بين ديوان سمو ولي عهد أبوظبي ومؤسسة جالوب العالمية البارزة في العالم في أبحاث الرأي العام، لإجراء بحوث بشأن مواقف وطموحات المسلمين حول العالم.
ما بعد الانتخابات هو الأهم
وفي مقابلة مع “الاتحاد” غداة عودتها الأسبوع الماضي من زيارة للولايات المتحدة التقت خلالها العديد من مسؤولي الادارة الاميركية في البيت الابيض ووزارة الخارجية، قالت مجاهد إنها لمست شعورا بالمفاجأة يشوبه قدر من الارتباك والحيرة يسود دوائر صنع القرار في واشنطن، بشأن نتائج الانتخابات المصرية التي أسفرت عن فوز كبير للإسلاميين.
غير أنها أبدت تفاؤلها بتحسن العلاقات بين الغرب والعالم الاسلامي، على الرغم من المخاوف التي يثيرها صعود التيارات الدينية على أكتاف الثورات العربية.
وقالت “أعتقد ان ما سيحدث بعد الانتخابات أهم من الكلام عمن فاز في الانتخابات. لو أن الاسلاميين في البرلمان الجديد في تونس ومصر ركزوا على الاقتصاد أولا وثانيا وثالثا من أجل التنمية وزيادة فرص العمل بدلا من التركيز على قضايا مثل ملابس المرأة وما شابه، سوف يثبتون أنهم سياسيون يتحلون بالمسؤولية. وحينئذ سينظر معظم الناس الى الربيع العربي باعتباره نجاحا”.
ونجاح الثورات العربية “يهدم نظرية صدام الحضارات التي روج لها المفكر الاميركي صمويل هنتجتون قبل أكثر من 25 عاما” حسبما ترى مجاهد.
وكان هنتجتون قد طرح هذه النظرية في مقال شهير نشرته مجلة فورين افيرز عام 1993، زعم فيه حتمية الصدام بسبب عدم إيمان المجتمعات الإسلامية بقيم الديمقراطية.
وقبل أن يشعل التونسي البوعزيزي شرارة الثورات العربية في يناير الماضي، كشف مركز جالوب في استطلاعاته عن توق شديد بين المصريين للديمقراطية في 2010.
وأظهر الاستطلاع ان شعورا متزايدا بعدم الرضا عن الخدمات الاجتماعية والاقتصادية وتزايد ضغوط الطموحات السياسية غير المتحققة يضغط على المصريين. وقال أكثر من 80% من المصريين إنهم يتفقون مع مقولة “التحرك نحو ديمقراطية أكبر سيساعد في تقدم المسلمين.” وكانت هذه النسبة الأكبر في أي مجتمع آخر ذي أغلبية مسلمة جرى استطلاعهم.
جاءت هذه النتائج لتدعم ما توصلت إليه مجاهد قبل سنوات في كتاب شهير عنوانه “من يتحدث باسم الإسلام؟..كيف يفكر ـ حقًا ـ مليار مسلم؟”.
ويتضمن الكتاب الذي ألفته مجاهد بالتعاون مع جون اسبوزيتو، أستاذ الديانات والشؤون الدولية والدراسات الإسلامية والمدير المؤسس لمركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورج تاون الأميركية، نتائج استطلاعات للرأي شملت آلاف المسلمين في نحو 35 دولة خلال الفترة بين 2001 و2007.
تشير الباحثة البارزة التي هاجرت مع والدها من مصر وعمرها خمسة أعوام، إلى أن أهم ما خلص إليه الكتاب هو “إنه حتى في المجتمعات التي لا يوجد فيها ديمقراطية فان الشعوب لديها طموح إلى الديمقراطية وقيمها”.
وفي إطار جهودها المتواصلة لرصد تطورات الرأي العام في هذا الشأن، كشف أحدث استطلاع أجراه مركز جالوب أبوظبي قبل أسابيع قليلة عن نتائج مشابهة تدحض هي الأخرى نظرية صراع الحضارات.
وبحسب النتائج تبين أن مصر وتونس شهدتا تحسنا في التصورات الشعبية عن العلاقات مع الغرب، اطراداً مع زيادة شعورها بالثقة في النفس واحساسها بانها موضع تقدير العالم، بعد اسقاط نظامي بن علي ومبارك.
تقول مجاهد “عندما فحصنا ما تحسن بالضبط وجدنا ان المصريين بالتحديد وعرب اخرين يشعرون أن الغرب يحترم المجتمعات الاسلامية أكثر مما كان عليه الحال في 2008.
وربما هذا ما يفسر تفاؤل المحررة الرئيسية في جالوب أبوظبي بمستقبل العلاقات بين الغرب والعالم الاسلامي، على الرغم من تشكك البعض في المستقبل بعد الصعود السياسي للتيارات الدينية عبر صناديق الانتخابات بعد الربيع العربي.
الغرب يفضل الليبراليين
وفي الحقيقة لا تخفي مجاهد أن نتائج الانتخابات في تونس ومصر على وجه التحديد “تثير قلق الأميركيين بشأن المواقف المصرية مستقبلا بخصوص معاهدة السلام والاقباط والنساء وحتى فيما يتعلق بالعلاقة بين مصر وأميركا”.
وتقول “نتائج الانتخابات المصرية مثلت مفاجأة كبيرة للإدارة الاميركية”.
سألتها: ألم يكن الأميركيون يتوقعون حقا فوز التيارات الدينية في الانتخابات، رغم كل المؤشرات؟ . فردت “نعم كان البعض في الدوائر الرسمية الأميركية يتوقعون فوز الإسلاميين لكن ليس بمثل هذه النتيجة الكبيرة. كانوا يتوقعون مثلا ان يفوز الاخوان بنسبة 30 ? مثلا”. وأضافت “طبعا ما حدث في الانتخابات بمصر وتونس ليس ما كان الغرب يتوقعه او يريده. بالتأكيد كانوا يفضلون فوز الليبراليين بالأغلبية”.
وبفوز الإسلاميين في الانتخابات المصرية بأكثر من ضعف ما توقعه الأميركيون، أصبح الأمر “أكثر تعقيدا” بتعبيرها.
وعندما سألتها عما تعنيه بـ “أكثر تعقيدا”، قالت إن مسؤولي الإدارة الأميركية تتباين وجهات نظرهم في هذا الشأن. وبعضهم “ يدعم الديمقراطية في الشرق الاوسط مهما كانت النتيجة. وبعضهم الآخر يضع في الاعتبار المصالح الأميركية أولا، قبل الديمقراطية.”
وتضيف “من واقع خبرتي في واشنطن ، كثيرا ما يخوض أنصار المعسكرين نقاشات حامية في غرف الاجتماعات بشأن تلك القضايا. وبالتالي فاختلاف الآراء موجود في الحكومة الاميركية وهذا ما أعنيه بأن الموضوع صار معقدا.”
لكن الخبيرة الأميركية أكدت أن الإدارة الأميركية مستعدة لقبول ما سيختاره الشعب المصري رغم ما أفرزته الانتخابات من نتائج.
وكشفت أن لديها رسالة تريد توجيهها للمصريين من واقع لقاءات واتصالات مع مسؤولي الإدارة الاميركية في البيت الأبيض ووزارة الخارجية والكونجرس خلال الأسبوعين الماضيين، مضمونها الآتي “موازين القوى تغير اعتبارا من العام الماضي. والإدارة الاميركية تدرك أن الشعب المصري هو الذي يقرر الآن ما يريد. والأميركيون يريدون أن يعرف ماذا يريد المصريون.. انهم يسألوني بالفعل : ماذا يريد المصريون؟ حتى يستعدوا ويتعاملوا مع الواقع الجديد.”
ومع أن هذا الطرح، قد يختلف مع ما يتردد بين الحين والآخر في الإعلام العربي حول وقوف واشنطن بصورة أو بأخرى وراء ما حدث في مصر خلال العام المنصرم ووجود مخططات غربية لتقسيمها، تؤكد د. مجاهد أن هذه التحليلات بلا أي أساس.
وتقول “كواحدة تعرف واشنطن جيدا ولدي اتصالات مع المسؤولين في الادارة الاميركية أؤكد أن هذا الكلام مليون في المئة خطأ.” وتضيف “الآن يوجد في البرلمان المصري 20 ? سلفيون. هل هذا ما كانت تريده أميركا؟”
وتتابع “لم يكن من مصلحة أميركا أبدا قيام ثورة في مصر، بل على العكس، كانت السياسة الاميركية مهتمة بالبحث عن كيفية الابقاء على حسني مبارك في موقعه”.
الاقتصاد أولاً
وعما تقدمه من نصائح للإدارة الأميركية في هذا الشأن، توضح د. مجاهد “أقول للمسؤولين الأميركيين إن المصريين يريدون أولا نموا اقتصاديا، وانه على واشنطن بدء سياسة مختلفة لبناء علاقة جديدة مع مصر تقوم على أساس الاستثمار الفعلي في مستقبل مصر، من خلال مشروعات تدعم اقتصادها، وانه لا ينبغي حصر العلاقات في حدود السياسة او دعم المجتمع المدني فقط”.
وفي الواقع كشف أحدث استطلاع للرأي أجراه مركز جالوب أبوظبي عن اهتمام كبير للمصريين بعد نحو عام من اندلاع شرارة الثورة، بضرورة تحقيق انتعاش اقتصادي والحد من الاحتجاجات التي تعرقل حركة الانتاج. وهو ما يصطدم بإصرار بعض التيارات على مواصلة المظاهرات.
تقول مجاهد “الراي العام فعلا ضد المظاهرات المستمرة ويريد التركيز على الاقتصاد. لكن ثمة ما تحقق بالمظاهرات. المشكلة أن الناس ضد المظاهرات لكنهم يريدون الأمور التي لا تتحقق إلا بالمظاهرات”.
وتابعت “لكن اقول للنشطاء المصممين على البقاء في التحرير، أنهم لو لم يعملوا على كسب الشعب مرة اخرى فانهم لن ينجحوا”. ومن وجهة نظرها فإن “الشعب يحتاج التحرير والتحرير يحتاج الشعب، لكن بين الطرفين الان فجوة كبيرة”.
وردا على سؤال بشأن المخاوف التي يثيرها صعود الاسلاميين بشأن الحريات العامة في مصر وليبيا وتونس، قالت د.مجاهد “ لا أعتقد أن شيئا سيتغير في تونس والوضع في ليبيا لا احد يعرفه بدقة،في مصر لا استطيع تخمين ما سيحدث”.
لكنها ترجح انه سيتم التركيز على التنمية الاقتصادية وتجنب ما قد يمس الحريات، والعمل على ترسيخ فكرة الاعتدال. وتضيف أنها لاحظت مؤخرا أن الإخوان ينأوون بأنفسهم عن السلفيين، والسياسيون السلفيون ينأوون بأنفسهم عن شيوخهم.
وبشأن الدور البارز الذي لعبته المرأة خلال ثورات الربيع العربي خاصة في مصر، وهل هي بداية بزوغ جديدة للمرأة في العالم العربي، قالت د.مجاهد إن دور المرأة أذهل الغرب، لكنه دور قديم منذ قبل 25 يناير 2011، بسنوات طويلة.
لكن “المشكلة الان أن النساء رغم مساهمتهن الكبيرة فيما حدث، بلا تمثيل في السلطة الآن. وحسب احصائياتنا فان اربعين في المئة من المتظاهرين كانوا من النساء في حين ان نسبتهم في السلطة الان قد لا تتجاوز واحد في المئة”.


أبوظبي تقدم للغرب نموذجاً طيباً للعالم الإسلامي

عن تجربتها ونظرتها إلى أبوظبي في ضوء اهتمامها بالعلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي، تقول د. داليا مجاهد إن أبوظبي تقدم نموذجاً جميلاً للمسلمين خاصة فيما يتعلق بالتركيز الواضح على العلم والبحث في تشييد النهضة القائمة. وتتابع “أكثر ما يعجبني في أبوظبي السعي الدائم لتقديم حلول للعالم. وهذا بالضبط ما أعتقد أنه كان دوماً طريق تفكير الحضارة الإسلامية منذ البداية في عصرها الذهبي. أعني أن القائمين على الأمور في أبوظبي لا يفكرون في حدود المكان الذي يعيشون فيه، بل يفكرون في العالم وكيف يمكن أن يقدموا حلولاً وإجابات لتساؤلات يطرحها الواقع”.
وأشارت د. مجاهد إلى أنها كانت تسمع بفخر شديد عن مشروع “مصدر” خلال وجودها في الولايات المتحدة، حيث كثيرا ما كان يأتي ذكره في إطار الإشادة بتوجه أبوظبي ودول أخرى في المنطقة نحو الاستثمار في البيئة والطاقة المتجددة، وهو أمر تعتبره مشرفاً للغاية بالنسبة للعرب.

تركيز أكبر على المجتمعات الخليجية وقضايا الشباب والنساء

عن المشروعات الجديدة التي ينوي مركز جالوب أبوظبي تنفيذها خلال العام الجديد، تقول د. داليا مجاهد إنه ستتم زيادة الجهود التي يبذلها باحثو المركز بخصوص القضايا التي تهم منطقة الخليج، مع مواصلة إصدار التقارير الشهرية والدورية.وكشفت أن “جالوب أبوظبي”، سيركز على أولويات المجتمعات الخليجية خاصة في أوساط الشباب والنساء.
وأعربت عن أملها في أن يكون لبحوث واستطلاعات المركز تأثير أكبر وعلاقة أقوى مع الجهات المعنية، بحيث يصبح لجهود المركز دور أكبر في زيادة الوعي العام.


MOST

تساهم د. داليا مجاهد عبر جالوب في مشروع رائد باسم MOST مقره هوليوود لتقديم أفكار دقيقة عن الاسلام والمسلمين لصناع السينما الأميركية من الكتاب والمخرجين. وقالت إن المشروع ساهم بدور إيجابي للغاية في تقديم صورة مشرقة للمسلمين ضمن مسلسل أميركي شهير اسمه 24. وكان المسلسل قد بدأ عرضه 2004 وبثت آخر حلقاته قبل عامين. وكان يحكي عن الحرب ضد الارهاب، وللأسف قدم عبر كثير من حلقاته صورة سيئ للغاية عن المسلمين، لكن بعد تدخل MOST، أمكن تعديل سيناريو الحلقة الأخيرة، التي شهدت وفاة بطل المسلسل وإلى جواره إمام مسجد. وبناء على مشورة MOST خرجت الحلقة في النهاية بصورة إيجابية جدا بالنسبة للمسلمين وصورتهم في الغرب.

اقرأ أيضا

بيونج يانج تطالب واشنطن بوقف مناوراتها مع سيول