الاتحاد

دنيا

هكذا تعلم الوكالة الأميركية للتنمية الدولية صحافيي العالم


'المشروع الديمقراطي' الذي تطرحه الولايات المتحدة الاميركية امام دول العالم الثالث، يترافق مع دعوة الى استقلالية وسائل الاعلام الوطنية وتطويرها، باعتبارها وسيلة من وسائل بناء الديمقراطية· هذا ما يقوله فريدريك دبليو· شيك نائب مدير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، الذي يدعو وسائل الاعلام اولا الى أن تقوم بعملية تحسين ذاتية·
يقول شيك ان الولايات المتحدة تحاول مساعدة بلدان العالم في التحرك قدماً نحو الديمقراطية عن طريق المساعدة في إنشاء، وتدريب، وحماية الصحف، والإذاعات· ومحطات التلفزيون الحرة والمستقلة لكي تلعب دورين رئيسيين: دور 'الرقيب الحارس' على الحكومات، ودور توعية الناس حول القضايا التي تؤثر في حياتهم·
فقبل مئتي عام، وصف الرئيس توماس جفرسون هذا الأمر على أحسن وجه: 'الضمانة الوحيدة قبل أي ضمانة أخرى هي الصحافة الحرة'· وفي سنة ،1823 قال جفرسون: 'إن قوة الرأي العام لا يمكن مقاومتها عندما يُسمح لها بالتعبير بحرية· فالاضطراب الذي تحدثه يجب الامتثال لها· وهو ضروري لكي تبقى المياه صافية·'
ويتابع شيك: بين عامي 1990 و،2001 أنفقت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية 270 مليون دولار أميركي لمساندة وسائل الإعلام الحرة في الكتلة السوفياتية السابقة وفي البلدان النامية· وتركّز حوالي 182 مليون دولار من هذا المجموع في أوروبا الشرقية والبلدان التي كانت دائرة في فلك الإتحاد السوفياتي سابقاً، بما في ذلك توظيفات كبيرة في حملات نظمتها وسائل إعلامية مستقلة في صربيا والبوسنة قبيل هزيمة الرئيس سلوبودان ميلوسوفيتش على يد الناخبين سنة ،2000 بعد أن أشرف على الحروب الدموية في كرواتيا، والبوسنة، وكوسوفو·
وتم إرسال صحفيين وأكاديميين أميركيين من قبل وكالة الإعلام الأميركية، والتي تم دمجها في وزارة الخارجية، لتدريب المراسلين، والمحررين، والمذيعين في نيجيريا، وغينيا، وساحل العاج، وإلى ما يزيد عن عشرة بلدان أخرى كانت تتخلص من عقود مرّت عليها تحت حكم الحزب الواحد·
وبرامج دعم وسائل الإعلام التي تمولها وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية تشمل أربعة أوجه· الوجه الأول يخص تعليم مهنة الصحافة· يُرسَل الصحفيون والمعلمون الأميركيون إلى الخارج للتحدث (برفقة خبراء محليين) إلى الصحفيين العاملين حول فنون الكتابة الصحفية، والدقة، والتوازن، والإنصاف، وجمع المعلومات، والكتابة بوضوح، والفصل بين التعليق والخبر، وحماية مصادر المعلومات· ويتلقى هؤلاء أيضاً الإرشاد حول كيفية معالجة القضايا الحساسة كالنزاعات الإثنية، وحقوق المرأة، ومرض الإيدز· إضافة إلى ذلك، يُستقدم الصحفيون الأجانب إلى الولايات المتحدة لزيارة دور الصحف الأميركية ومحطات التلفزة، ولمشاهدة كيف تعمل الصحافة الحرة في سياقها الأميركي· وبإمكان الصحفيين الأجانب أيضاً حضور حلقات دراسية خاصة، ومقررات دراسية في إذاعة 'صوت أميركا'، أو في مؤسسات التعليم العالي·
والوجه الثاني لمساندة وسائل الإعلام الحرة، كما يقول المسؤول الاميركي، يتعلق بكيفية تطوير الأعمال التجارية للصحافة· فالمؤسسات الصحفية، تحتاج للتخلص من رقابة الحكومة، لأن تكون قادرة على شق طريقها بنفسها، ودفع رواتب محترمة، وتغطية تكاليف الإنتاج، بدءاً من ورق الجرائد وصولاً إلى أجهزة الإرسال· ففي بعض البلدان الفقيرة، تُدفع للمراسلين أجور متدنية لدرجة أن بعضهم يقبل ما يُسمى 'مظاريف بُنّية' تحتوي على مدفوعات نقدية من مصادر معينة، أو عندما يحضرون مؤتمرات صحفية· تُعلّم برامج الولايات المتحدة مالكي وسائل الإعلام والمدراء فنون الإعلان، والتسويق، والإدارة المالية لكي يستطيعوا الإعتماد على أنفسهم· وتساعد هذه البرامج أيضاً في إعداد دراسات الجدوى، وخطط العمل، وإنشاء مكاتب تدقيق ومحاسبة للمصادقة على كمية التوزيع ومن أجل تحديد أسعار الإعلانات·
ويقول شيك ان الوجه الثالث لمساندة الولايات المتحدة لوسائل الإعلام، يتعلق بمساعدة مجموعات الصحفيين، والناشرين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، أو المشرعين المحليين على وضع قوانين تحمي قدرة الصحافة على تغطية نشاطات الحكومة ومواضيع غيرها، دون الخوف من المضايقات· وتذهب الأموال الأميركية أيضاً إلى تعليم محامي وسائل الإعلام، وإلى دعم الدفاع القانوني عن المؤسسات الإعلامية·
أما الوجه الرابع فيعود إلى المساعدة في تشكيل جمعيات مهنية للصحفيين، والمحررين، وأصحاب وسائل الإعلام· تتحول مثل هذه الهيئات إلى قوة لحماية الأعضاء الفرديين فيها حين ينفذون الوظائف العادية المتعلقة بهذه الجمعيات مثل وضع المعايير؛ وتشجيع الأعضاء على تحسين النوعية والمصداقية؛ والعمل على تحسين الوصول بشكل أفضل إلى الوثائق العامة، والإجتماعات، والمقابلات الصحفية مع الرسميين الحكوميين·
وتشمل المساعدات الأميركية في بعض الحالات، الدعم المالي للتوظيفات الرأسمالية، مثل شراء المطابع، وأجهزة الإرسال، والتجهيزات الإذاعية، وكمبيوترات غرف الأخبار· وفي حين نجد أن الهدف الأميركي الأول هو مساعدة الوسائل الخاصة الحرة، فان هذه المساعدة تذهب، في بعض الأحيان أيضاً لتدريب الموظفين ومدراء وسائل الإعلام التابعة للدولة· غير أن هدف هذه المساعدة، في الأمد البعيد، هو جعل وسائل الإعلام التابعة للدولة أكثر إستقلالية، وأكثر احترافاً، مع إمكانية تحويلها إلى القطاع الخاص لاحقاً· عندما تتبع وسائل الإعلام التابعة للدولة المعايير المهنية، فإنها تصبح أكثر قابلية لخدمة مصلحة عامة الناس بدلاً من مساندة الحكومة القائمة· تواجه المساعدة الأميركية لوسائل الإعلام الحرة بعض الجَدَل· ففي بعض الأحيان، تكون وسائل الإعلام الحرة، عند ظهورها الأول، تنقصها الخبرة وتنقل أخباراً غير مؤكدة، أو خاطئة، أو مُضلّلة، أو مبالغا فيها، أو مفترئة· وفي بعض البلدان، تعتبر مساندة الولايات المتحدة لوسائل الإعلام الحرة بمثابة تدخل خارجي· أما في بلدان أخرى، فتعبّر وسائل الإعلام الحرة أحياناً عن وجهات نظر معادية لأميركا أو على خلاف مع سياسات الولايات المتحدة وحلفائها· وعلى الرغم من دواعي الجدل هذه، والإنتقاد الموجه إلى مرافق الوسائل الإعلامية الناشئة، تبقى مساعدات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ملتزمة هذا النشاط· فبناء وسيلة إعلامية مستقلة ومسؤولة من خلال عملية تطوّرية تحتاج إلى عقود من الزمن في بلدان لم يكن لديها تقاليد من التسامح تتقبل مجالات واسعة من وجهات النظر المتنافسة· لقد توقفت المساعدات إلى بلدان أميركا الجنوبية على نطاق واسع في السنوات الأخيرة، حيث أن كل بلد من هذه البلدان قد تحول نحو الديمقراطية، باستثناء كوبا· لكن، لا تزال بعض المساعدات تذهب لتحضير تقارير صحفية تحقيقية لازمة لمواجهة الفساد والمخدرات المحظورة·

اقرأ أيضا