الاتحاد

دنيا

مقامات عراقية تذهب إلى أقاصي الفتنة


زهير غانم:
الفنان عبدالرحمن الساعدي في معرضه الجديد، يتقدم برؤيا تعبيرية عميقة وغنية في محمولاتها الرؤيوية، وتراثاتها من الفلكلور، وحصاد التشكيل العراقي الحديث، وهو لذلك يبتكر أساليب ومداخلات جمالية، تتقدم فيها لوحاته على أنها احتفال واحتفاء بالبصر والبصيرة، خاصة لجهة الأشكال والألوان والتقنيات التي يرغب فيها ويريد إنجازها، تبعاً لمتعة الفن وإشراقاته الجمالية·
وكأن الساعدي في صباباته وغواياته التشكيلية، يتجلى بالجماليات المخزونة في الروح الحضاري الذي ينتمي إليه· كما في الفلكلور والروح الشعبي الذي يستغرقه، ويتعاشقه في لوحاته وكأنه على موعد معه، ولا شأن له سوى الغوص على اللآلئ والجواهر واللقى والآثار والتحف التي يختزنها في دخيلته، يتنافذ معها في عملية إزاحة وتحويل يرتئي أنها تحمل ما يجيش في خاطره وتصوراته، وما يتخالج في روحه المتجوي عبر هذه المناخات الإنسانية التي تأخذ سيرورتها وسياقها في هذه اللوحات المرئية، المضيئة والمعتمة والحاشدة بأنوار الحياة، وربما عتمات الموت·
قرابات الضوء والظل
إنه ينسج معادلته الشديدة الدهشة، تلك القرابات أو التناقضات بين الأضواء والظلال على الأشكال التي توحي وتدل على فضاءات معقودة في حضورها على رهافات الفنان وشفافياته، في استحضار أرواح كائناته، وكأن لها تجلياته وتوهجها، وكأن له السحر الذي يحاول ممارسته، والإيحاء به داخلها وفيها ومن حولها بواسطة كتابة الرقى والتعاويذ والأحجبة وربما الطلاسم التي يطيب له أن يلقيها عليها، وأن يشغل بخور ألوانها ويستكنه طيب ومناولات اجتماعها وافتراقها، والتواصل معها بين الحضور والغياب، حيث الألوان النارية المحمولة دائماً على عتبات وعمارات زرقاء، من تراثات العراق في حضاراته القديمة في بوابة عشتار اللازوردية، وموروثه العربي الإسلامي في الأرابسك والزخارف، وكذلك في الكتابة الحروفية وجواءات الشعر التي يرد منها على متكآت لوحاته في هندساتها المرئية واللامرئية، وفي مراياها العابقة بعطور حضارية منسية ينتزعها من الأرض والفضاء ومما يحدس ويتذوق، ومما يرى ولا يرى، ومما يتخيل ويتصور في فضاءات نفسه وخلجان روحه العابقة بالازرقاق والاخضرار والفضة المحمولة على ذهب الرؤيا الجمالية التي يوقدها!
الفتنة في أقصاها
ولا شيء أحلى وأجمل من التأمل في هذه الأعمال الفنية الجاذبة للبصر والبصيرة، والتي تبتعث الحنين في نفس المشاهد الذي يقف أمامها مأخوذاً ومندهشاً بفتنتها وعذوباتها وغواياتها البصرية، وكثيراً من الصبابات العابقات بألوان يبتكرها الفنان ويذهب الى الحد الأقصى في تركيباتها وكيماوياتها واشتقاقاتها، وحيث تداور هذه الألوان على الأشكال والفضاءات التي يجترحها من حولها، وهو كمن يذهب في ركامها وردمياتها، ويرمم أنقاضها والبقايا حتى تجسيد الأطياف والأشباح التي تراوده، وكأنه يرسم منامات تجيئه وأحلام تعتريه، وكأنه يذهب الى حيل اعتكاس المرايا المتقابلة والمتقاطعة بينه وبين لوحاته· حين يمنحها المزيد من المشاعر والأحاسيس، واللعب على كينوناتها المادية وعمقها والميتافيزيقي الضارب في الزمان والتاريخ والأحافير المتحفية، حيث جيولوجيا أعماق الفنان وأعماق العالم تتلاقح في مخيلته خارجة عبر انضباطها الهندسي أحياناً الى مشهديات في لوحاته، حيث ينفخها بريحه وروائحه ونكهاته وعطور ألوانه وأرواحه المتشظية المنفية المهاجرة والمقيمة يوزعها بعدالة بين أعماله وكائناته التي يتحاورها ويستبطن أحوالها كمواويل طويلة من العشق يجترحها في رقرقات الألوان وتموجاتها، ومعادلات الساخن والبارد، الحار والفاتر، وكل التدرجات اللونية التي يستطيعها الفنان، ويفي بمواعداتها والحضور في ممكناتها ومستحيلاتها البصرية حتى تتراءى له وكأنه يتراءى لها باستحضار العين وتعويذة الإصابة بالعين أو الشفاء من هذه الإصابة بالتعاويذ الشعرية التي يتراسمها ويتاكتبها!
لا شك أن الفنان عبدالرحمن الساعدي قادم من جواءات عراقية تراثية ومعاصرة، وهو الذي يتمازجها ويمثل من جمالياتها، ينسجم، يلتئم معها، ويتقدم في سراديبها وأقبيتها وفي سرادقاتها العزائية الديجورية الزرقاء، وفي تمائمها وحروفياتها ومنمنماتها التي يتداركها من أعماقه المتلاطمة الى سطوح لوحاته العارمة في تخييلها وتصوراتها التي تنفتح على الضوء، دائماً على الضوء الذي يكشح غالبية عتماتها لكأنه يريد استيلادها واستنساخها والتوحد معها حتى التلجلج بين الحضور والغياب· ذلك الحضور الذي يريده حضوراً جديداً متجدداً في الانطواء على أساطير الخصوبة في وادي الرافدين، أسطورة الخصوبة والتروية لعشتار، أسطورة الانبعاث وكأنه يستخدم ذلك في لوحاته عبر نسائه وأطفاله، وديكه وخيوله، وأشكاله وألوانه لتتبدى بكل تصوراتها البديعة المبدعة والرائعة التي تشبه فانتازيا الأطفال في رؤيتهم للعالم حتى أن الفنان يستحضر روح العراق الجمالية من أجل ترجي قيامة ما لهذا الوطن الذبيح·
فراديس مفقودة
ولا يفوت الفنان الاغتذاء بمنجزات التشكيل العراقي وثورته الحداثية، من جواد سليم حتى شاكر حسن آل سعيد، ونوري الراوي، وحافظ الدروبي ومحمد غني وعشرات اللامعين فيه، إلا أنه يبلور لنفسه شخصية فنية تخوض تجاربها التعبيرية من واقعية حيوية حية، ومن تقنيات هضمها الفنان وتمثلها كمؤثرات غدت في ملكيته الجمالية، سواء على صعيد الأشكال أو الصياغات والتكاوين أو مراودات الألوان ورودها الشجي الذي تبوح به ونحن نحدق فيها، ونحس ذلك الشجن السري الهائل الذي يعترف الفنان بذخائره والحنين الى عوالمه، عوالم الطفولة الملونة التي هي فراديس مفقودة لديه· لذلك تحولت أعمال الفنان لمجاميع من الكائنات والأحافير التي كأنه يحتمي بها من غدرات الزمان، حيث يرقي نفسه ويرسم ويكتب تعاويذه وطلاسمه وأحافيره وأشعاره التي يحاول أن يشفى عبرها من جراح الطفولة وجراح الحاضر المغسول بالدم والنار والرماد·

اقرأ أيضا