الاتحاد

دنيا

مصطفى ناصر: سئمت اللون الأزرق


دمشق ـ فاطمة شعبان:
مصطفى ناصر فنان تشكيلي قضى سنوات عمره يجوب البحار، والبحر لم يشغله عن فنه الذي يتزامن طوال حياته المهنية كقبطان سفن· فمنذ كان طالباً في الكلية البحرية في اليونان أقام معرضه الأول، بقي الفن ملازماً له· تقاطعت تجربته مع تجربة الشاعر اليوناني نيكوس كافاديا، هو أيضاً عمل كقبطان، عبر عن ذات التجربة معكوسة بقطع شعرية، وأعاد مصطفى ناصر، تصوير القصائد بريشته تحية إلى الشاعر اليوناني·
حول تجربته التشكيلية، وتأثير عدم الاستقرار على فنه كان لنا مع مصطفى ناصر الحوار التالي :
كيف تحولت من فن قيادة البحر إلى الفن التشكيلي ؟
لا يمكن القول بأنني تحولت إلى فنان تشكيلي، لأنني بالأساس فنان تشكيلي، ومارست الفن التشكيلي بموازاة عملي كقبطان سفينة· فقد بدأت الرسم منذ طفولتي، وأذكر أنني رسمت بورتريه للرئيس الراحل جمال عبد الناصر في سن العاشرة· وبالرغم من أن الرسم كان هوايتي التي أحبها جداً، إلا إنني انتسبت إلى الكلية البحرية عام 1974 لدراسة فن قيادة السفن· اتجهت إلى اليونان، ولم ابتعد كثيراً خلال دراستي في الكلية البحرية عن الفن التشكيلي، وأقمت أول معرض لي في اليونان عام ·1977 وخلال عملي لاحقاً كقبطان انشغلت قليلاً عن الرسم ولكنني لم انقطع تماماً عن ممارسة هوايتي المفضلة، فقد كانت تسليتي وسلواي الوحيدة في خضم البحر·
هل أثرت طبيعة عملك كقبطان على شخصيتك كفنان ؟
أكيد، فقد أتاحت لي طبيعة عملي كقبطان سفينة ترسو في العديد من مدن العالم الفرصة للاطلاع على حضارات وثقافات مختلفة، وكنت انتهز معظم وقت الرسو المتاح في الموانئ لزيارة المتاحف والمعارض الفنية في هذه المدن، بشكل خاص في المدن الإيطالية والمدن الساحلية الأفريقية· كان الاطلاع على الفنون العالمية مهماً جداً بالنسبة لي لأنه كوّن لدي مخزوناً فنياً كبيراً ومتنوعاً أثرى تجربتي التشكيلية·
شراكة مع شاعر
لماذا اخترت الشاعر اليوناني 'نيكوس كافاديا' لتوجه له التحية عبر معرضك الأخير ؟
لأني استلهمت معظم لوحاتي من قصائده· كان هذا الشاعر بالأصل قبطاناً، وكان قبطاناً مشهوراً وشاعراً مغموراً، ولم يشتهر كشاعر إلا بعد وفاته، ويعتبر اليوم من الشعراء المهمين، حتى أن بعض قصائده تغنى في اليونان· ألف كافاديا العديد من الدواوين الشعرية التي تتناول الحياة في البحر والحالات الإنسانية· عندما قرأت دواوينه شعرت أن قصائده التي تنبض بالمشاعر الإنسانية تعبر عني، ليس كقبطان فقط بل كإنسان أيضاً· وأنها تحمل نفس المشاعر والأحاسيس التي كانت تنتابني وأنا في البحر، عندما قرأتها شعرت أننا شخص واحد، لو قدر لي أن اكتب الشعر كنت سأكتب نفس القصائد، ولكني لا أملك إلا موهبة الرسم التي استطعت من خلالها التعبير عن نفس المشاعر والأحاسيس الإنسانية التي حملتها قصائده ·
حكايتي مع الأسْوَد
لا يرغب العديد من الفنانين في استخدام اللون الأسود كثيراً، بينما نجده يحتل مساحات مهمة في لوحتك، ما الجماليات التي تراها في هذا اللون ؟
هذا صحيح، كثير من الفنانين يخشون استخدام اللون الأسود بكثافة، ربما لأنهم لا يعتبرونه لوناً معبراً فنياً، أو لأنه لون يخفي الكثير ولا يظهر حرية الفنان في استخدام الألوان، بينما أراه أنا لوناً جميلاً ويمنح جمالية للألوان الأخرى في اللوحة· ثم هناك سبب مهم وراء استخدامي للون الأسود وهو أن معظم رحلاتي الأخيرة كانت إلى سواحل أفريقيا الغربية، واكتشفت في أفريقيا جماليات اللون الأسود الذي ظل يرافق ريشتي حتى أني استخدمته لرسم أشخاص ليسوا من أصول إفريقية ·
بين البر والبحر
نرى الألوان الأخرى في لوحاتك إما هادئة أو صاخبة، هل يمثل هذا التضارب انعكاساً لحال البحر على شخصيتك وأعمالك بالتالي ؟
هناك لوحات اشتغلتها وأنا على متن السفينة في البحر، ولوحات اشتغلتها في مرسمي في طرطوس قرب البحر، والفوارق الفنية واضحة بين اللوحات التي اشتغلها في المرسم وتلك التي اشتغلتها في البحر· الاستقرار في البحر شبه معدوم، السفينة تهتز بشكل دائم بفعل الموج، لذلك تكون ضربات الفرشاة على اللوحة مختلفة، فيها نوع من العصبية، وألوانها فيها عنف وتضارب· في المرسم أجد الهدوء والاستقرار وأشعر براحة أكبر، فتأتي ألوان اللوحات هادئة وضربات الفرشاة فيها راحة أكبر، ولكن ليس بالضرورة أن تكون هذه اللوحة أجمل من تلك لأن لكل لوحة حالتها الخاصة والوضع الذي أنجزت فيه ·
رغم أنك قضيت كل حياتك إما في البحر أو قربه، إلا أن هناك أمراً غريباً يلاحظ في لوحاتك، وهو الغياب شبه التام للون الأزرق وتدرجاته، ما السبب ؟
هذا صحيح، في معرضي السابق وجهت لي بعض الانتقادات حول هذا الموضوع، حتى أن البعض قال: 'قبطان ينسى اللون الأزرق'، المسألة ليست نسيان هذا اللون بقدر ما هي حالة من الإشباع وصلت إليها من كثرة رؤيتي لهذا اللون، أنا لا أكره اللون الأزرق أو أنني لا أجده لوناً جميلاً أو لوناً لا يحمل تعبيرات فنية كثيرة، كل ما في الأمر أنني مللت منه لكثرة ما رأته عيني، لا شعورياً لا أميل إلى استخدامه، ولكن هذا لا يعني أني لا استخدمه أبداً، أميل إلى استخدامه بحالات قليلة جداً ونادرة ·
مواضيع جديدة
بالإضافة لكونك استوحيت لوحاتك من دواوين شاعر يوناني استخدمت أيضاً الخط اليوناني ورموزاً لا يعرفها إلا من يعمل في البحر، ألا يسبب لك هذا الأمر مشكلة في إيصال ما تريده إلى متلق لا يعرف الكثير عن كتابات الشاعر أو عن العمل في البحر؟
المتلقي يجب أن يرى بين الحين والآخر لوحات ذات مواضيع جديدة لم ترها عينه من قبل، وهذا ضروري وصحي، يمكن أن يعجبه أو لا، ولكن بالتأكيد سيعتاد على الجديد أو الخارج عن المألوف مع الوقت· ثم أن الكتابة بأية لغة لن تشكل فرقاً كبيراً لدى المتلقي، لأن الموضوعات التي تعبر عنها هذه اللوحات إنسانية بحتة، تعالج حالات إنسانية بلغة بصرية تصل بسهولة لأي متلقي بصرف النظر عن جنسيته· ما شدني بالأساس في دواوين الشاعر كافاديا تجاوزه للمحلية في شعره، فهو لم يكتب عن نفسه كيوناني، بل كتب عن أشخاص من جميع أنحاء العالم· تشكل السفينة نموذجاً مصغراً عن العالم، ينتمي العاملون على متنها لجنسيات مختلفة، وبالتالي إلى حضارات وثقافات متنوعة، لا يربطهم العمل فقط، بل علاقات إنسانية مشتركة تتجاوز الانتماءات الوطنية والإقليمية إلى علاقات إنسانية أوسع بعيدة عن التعصب والعنصرية، لأننا بصرف النظر عن انتماءاتنا نتشارك نفس المصير كبشر على السفينة، أنا تلمست هذه الإنسانية في شعره مثلما تلمستها ورأيتها على أرض الواقع وعبرت عنها في لوحاتي، لذلك لن يجد المتلقي صعوبة في فهم اللوحة لأنها تعبر عن حالات إنسانية بحتة ·
تبتعد في إحدى لوحاتك عن حياة البحر وتقترب من اليابسة لتبرز معاناة الإنسان على الحدود، هل عانيت كقبطان من هذه المشكلة ؟
كثيراً، كما هو معروف خلال عملنا على السفينة نرسو في عدة موانئ، ونحن كعرب عموماً أصبحنا نعاني بشكل خاص بعد 11/ أيلول من هذه المشكلات الحدودية، نتوقف كثيراً لفحص جوازات السفر والتدقيق بالأوراق والفيزا وانتظار تفتيش الحقائب بدقة، حتى أننا لا ننزل من السفينة في الكثير من الموانئ التي نرسوا فيها بسبب هذه التعقيدات·

اقرأ أيضا