الاتحاد

عربي ودولي

ميشيل باتشليت قادمة من زمن الحقد


السعد عمر المنهالي:
أخيراً·· وبعد سفر طويل مليء بالوحشة والتجارب والآلام والبحث المضني، تقول 'الزا' بطلة رواية 'ابنة الحظ' للمبدعة التشيلية 'إيزابيل الليندي:'أنا الآن حرة'، وذلك بعد أن علمت بموت حبيبها الذي خرجت وراءه كل تلك السنين· تنهي هذه الجملة بكلماتها الثلاث سنوات طويلة موجعة، وكأنها حالة مخاض تكاد لا تنتهي نتج عنها ولادة جديدة· وبنفس الطريقة الدراماتيكية، تقوم 'الزا' وهي في روايتنا اليوم الرئيسة التشيلية المنتخبة باختصار كل سنوات عمرها السابقة في جملة -بعد إعلان فوزها في الانتخابات الرئاسية في الخامس عشر من يناير الجاري- تقول فيها: 'العنف اخترق حياتي وحطم كل ما أحببت·· أنا ضحية الحقد·· ولهذا كرست حياتي ضد هذا الحقد'·
ولدت 'ميشيل البرتو باتشليت' الطفلة الثانية لأسرة ضابط طيار في القوات الجوية التشيلية، في التاسع والعشرين من سبتمبر عام ،1951 وكانت والدتها 'انجيلا جيريا جونز' والتي تحمل شهادة في علم الانسانيات تنتقل مرافقة زوجها من قاعدة عسكرية لأخرى في أنحاء تشيلي الشاسعة، وذلك لمدة عشر سنوات كاملة حتى عام 1962 عندما استقرت أسرتها في العاصمة الأميركية واشنطن بعد أن كان الوالد ملحقاً عسكرياً في السفارة التشيلية·
في الولايات المتحدة الأميركية ' قضت 'ميشيل' سنوات نضجها الأولى، وفي احدى مدارسها تعلمت الإنجليزية بطلاقة بعد شهور من انتقالها، مما اتاح لها ولأسرتها -حسب ما تقول- سهولة التنقل والسفر إلى ولايات أميركية مختلفة وكندا·
غير أن اللغة لم تكن الميزة الوحيدة التي حصلت عليها الصغيرة 'ميشيل'، فقد شهدت سنوات مراهقتها الأولى خبرات سياسية لها بعدها الإنساني كحادثة اغتيال الرئيس الأميركي 'جون كينيدي' عام ،1963 وحالات التمييز العنصري وحركة الحقوق المدنية فترة الستينيات·
لم تنفصل 'ميشيل' حضارياً عن العالم بعد عودتها إلى شيلي عام ،1968 فقد تأثرت فكرياً بحركات التحرر في العالم كباقي أبناء جيلها، وهو الأمر الذي تأكد بانضمامها أثناء التحاقها بجامعة 'تشيلي' للدراسة بكلية الطب عام 1969 إلى جناح الشباب في الحزب الاشتراكي، وهي الفترة الذي بدأ فيها نجم الاشتراكيين يصعد بعد مشاركات في حكومات يسارية متعاقبة، ووصل ذروته عام 1970 عندما انتخب التشيليون زعيم الحزب الاشتراكي 'سلفادور اليندي' عام ·1970
أبدت 'ميشيل' طالبة الطب أفكاراً سياسية معتدلة في وقت كان من الصعب وجود أرض بين الأسود والأبيض، هذه الأرضية المتسامحة البعيدة عن التعصب -حسب شهادات بعض المقربين- حققت لها ثقة عالية حتى على الصعيد الدراسي الذي تميزت فيه·
لم تستمر سنوات 'ميشيل' الهادئة طويلاً، إذ ما لبث الأمر وان تحول إلى جحيم بعد ثلاث سنوات فقط من التحاقها بالجامعة، ففي سبتمبر عام 1973 ' قام رئيس الأركان الجنرال 'اوغستو بينوشيه' بانقلاب عسكري أسقط به النظام الديموقراطي وأعلن نفسه حاكماً للبلاد ·
طال التغيير السياسي الذي اجتاح تشيلي عائلة الجنرال 'البرتو باتشليت' الذي كان يتولى مهاماً في حكومة 'سلفادور اليندي' متصلة ببرنامج توزيع الغذاء، ولذا كان والدها إحدى ضحايا الدكتاتور 'بينوشيه' الذي أمر بقتل معارضيه -قتل ثلاثة آلاف شخص-، فاعتقل وتعرض للتعذيب حتى توفي في مارس عام ·1974
ورغم موت الوالد إلا أن نظام 'بينوشيه' لم يترك الأسرة وإنما تعرضت للملاحقة والاعتقال منذ يناير عام ،1975 وحسب ما تذكره بعض المصادر أنها تعرضت ووالدتها للاغتصاب، غير أن 'ميشيل' ترفض الخوض في هذا الأمر وتكتفي بالقول أنه أسيء إليها جسدياً كما حرمت من الطعام، وبعدها نفيت إلى استراليا ووالدتها بينما لم تكن قد بلغت الثالثة والعشرين من عمرها·
تركت 'ميشيل' ووالدتها استراليا - حيث كان شقيقها الكبير يعيش - متوجهتان إلى ألمانيا الشرقية، وهناك أكملت تعليمها في دراسة الطب، واستمرت في الإقامة هناك وأنجبت طفلها الأول عام 1978 من 'جورج دي' أحد التشيليين المنفيين·
لم تحول سنوات النفي والإنجاب 'ميشيل' من العودة إلى التشيلي عام ،1979 التي لفضتها مؤسساتها الصحية لأن شهادة الطب خاصتها لم تكن معترفاً بها، فالتحقت من جديد بالدراسة وتخرجت بتفوق من جامعة 'تشيلي' عام 1983 كمتخصصة في طب الأطفال والصحة العامة، ومن ثم التحقت بالعمل في مستشفى 'روبيرتو ديل آر' للأطفال منذ عام 1983 وحتى ،1986 وفي تلك الفترة رزقت بطفلها الثاني، وطلقت عام ·1984
الدواء·· والسلاح
لم تكتف 'ميشيل' بالعمل الحكومي، فبادرت للعمل في التنظيمات الأهلية التي تقدم خدمات للأطفال، وترأست أحداها حتى عام ،1990 وهو العام الذي جرى فيه استفتاء حول رأي التشيليين بالدستور، فكانت 'لا' الشعبية سبباً في استقالة 'بينوشيه' بعد حكم دام أربعة عشر عاماً، ورفع الجيش يده عن مؤسسات الدولة لتعود الديموقراطية من جديد·
عادت الحياة كذلك لـ'ميشيل' التي كانت قد عادت لنشاطها السياسي منذ منتصف الثمانينات لتشارك في تحالف أحزاب يسار الوسط لتطالب بالتحول الديموقراطي··أهلها هذا الوضع بالإضافة إلى شهادتها السابقة من ألمانيا الشرقية وإجادتها الإنجليزية والبرتغالية والألمانية والإسبانية والفرنسية لتحقيق فرصة في تقدمها الوظيفي، فأصبحت مستشارة لمنظمة الصحة الأميركية ومنظمة الصحة العالمية والمجتمع الألماني للتعاونِ التقني، وعضواً في اللجنة الوطنية للإيدز، وفي تلك الأثناء كانت قد رزقت بطفلتها 'صوفيا' من رجل آخر عام ·1992
في يوليو عام 1994 أصبحت 'ميشيل' مستشارة لوكيل وزارة الصحة التشيلية، غير أن الاهتمام الذي أبدته للعلاقات المدنية العسكرية دفعها لدراسة الاستراتيجية العسكرية في الأكاديمية الوطنية للدراسات السياسية والاستراتيجية في تشيلي عام ،1996 فحصلت على المركز الأول بين أقرانها وبالتالي على منحة لمواصلة الدراسة في كلية دفاع 'انتر الأميركية' في العاصمة واشنطن بالولايات المتحدة الأميركية، وفي عام 1998 عادت لتصبح مستشارة في وزارة الدفاع وتحصل على درجة في العلوم العسكرية من الأكاديمية الحربية للجيش التشيلي، وفي عام 1999 انتخبت إلى اللجنة السياسية في الحزب الاشتراكي وعضو عامل في اللجنة المركزية·
قدمت 'ميشيل' بخبراتها المتعددة وتاريخها السياسي شخصية مناسبة للرئيس 'ريكاردو لاجوس' ليعينها في مارس 2000 وزيرة صحة في حكومته، وفي يناير عام 2002 عينت وزيرة للدفاع كأول امرأة تشيلية ولاتينية تصل لهذا المنصب لتصبح رمزاً للمصالحة وصلة التسامح بين الجيش والشعب بعد سنوات طويلة جثم فيها الجيش على الحياة العامة· في أكتوبر عام 2004 قدمت 'ميشيل باتشليت' استقالتها من وزارة الدفاع بعد أن رشحها الحزب لتقوده في الانتخابات الرئاسية أواخر عام 2005 وتتفرغ لحملتها الانتخابية، وذلك بعد انتصارها على منافستها في الحزب 'سوليداد آلفير' في يوليو من نفس العام ·
واقع محافظ
لم تكن المرأة في تشيلي تملك حق التصويت رغم الحياة الديموقراطية المبكرة التي عاشها الشعب، حتى قبل عام من ولادة 'ميشيل'، وهذا ما كان نتيجة للنمط المحافظ للحياة العامة في تشيلي البلد الكاثوليكي التقليدي والذي لا يزيد فيه عدد النساء في برلمانه أكثر عن خمس، ولذا كان الحديث عن امرأة تقود البلاد نوعاً من التكهن، ولذا اعتبر الكثيرون أن الحزب الاشتراكي التشيلي قد قامر بحياته بترشيحه 'ميشيل باتشليت'، خاصة بعد أن تصاعدت انتقادات خصومها السياسيين كون طبيعتها العصبية التي ظهرت أثناء المناظرات التلفزيونية وعدم خبرتها السياسية الحقيقية وانفتاحها الذي لا يتناسب مع الواقع التشيلي المحافظ· غير أن الانتخابات الرئاسية التي جرت في الثاني عشر من ديسمبر الماضي 2005 أكدت على أن للتشيليين رأياً آخر!
تقدمت المرشحة الاشتراكية على خصومها الآخرين في انتخابات الرئاسة وحصلت على ما يقارب 46 بالمائة من الأصوات فيما حصل خصمها الملياردير اليميني 'سيباستيان بينيرا' على 26 بالمائة، غير أن النتيجة لم تكن كافية لإعلان 'ميشيل' رئيسة للبلاد مما اضطرها للدخول في جولة إعادة تنافس بينها وبين المرشح اليميني في الخامس عشر من يناير الجاري ،2006 ومن ثم فوزها بـثلاث وخمسين بالمائة من أصوات الناخبين في بلد يبلغ عدد سكانه 15 مليون نسمة· بالتأكيد شكلت 'ميشيل باتشيليت' بديلاً مكملاً يمثل استمرارية حكم الرئيس 'ريكاردو دوجلاس' ونجاحاته الاقتصادية التي دفعت بالتشيلي على رأس دول أميركا اللاتينية المتقدمة اقتصادياً، إلا أنها أيضاً مثلت مستقبلاً مختلفاً لنصف سكان التشيلي تقريباً من النساء· فالمجتمع التشيلي يعد الأكثر محافظة في أكبر إقليم كاثوليكي في العالم ، فحتى عام 2004 لم تكن للمرأة حق الحصول على الطلاق، كما أن أبناء المطلقين يمنعوا من الدراسة في المدارس الكاثوليكية، ويحظر استخدام موانع الحمل ويعاقب القانون على الإجهاض، في حين لم يقر قانون تجريم العنف المنزلي إلا في أكتوبر من العام ·2005
ترفض الرئيسة الجديد 'ميشيل باتشيليت' الخوض في حياتها الزوجية وتؤكد أنها مسألة خاصة لا يجب المساس بها، وهي بذلك تمثل نموذجاً اجتماعياً منفتحاً ومختلفاً في بلد محافظ، وهو ما وجدت النسوة فيه تطوق إليه من رئيسة امرأة مطلقة ولديها أطفال من زوج غير شرعي، تبدي تعاطفاً خاصاً تجاه قضايا المرأة -لم تعلن موقفها واضحاً من قضايا الإجهاض وإن كانت قد أجازت فترة توليها وزارة الصحة استخدام حبوب منع الحمل الطارئ- وتدعوا إلى توفير موارد لدعم المرأة وحمايتها من حالات العنف المنزلي، ووعدت بتعزيز جهودها لتوفير الملاذات الآمنة للنساء وتوفير التمويل لقطاع الإسكان وتمويل برامج التدريب لضحايا العنف المنزلي، بل وتعهدت بما هو أكثر من ذلك بتشكيل حكومة يتساوى فيها الرجال والنساء، رافعة بذلك قيمة المساواة الاجتماعية هدفاً لها·
بجانب هذه الإضاءة النسوية في ظلام الحياة الاجتماعية في تشيلي، تطرح 'ميشيل' وعوداً اقتصادية لرفع المعاناة عن القطاعات الفقيرة في تشيلي واستغلال عائدات الدولة لتحسين ظروف الفقراء وتأمين الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، كما تقدم 'ميشيل أيضا تصوراً متحمساً لعلاقة استراتيجية وثيقة بالأرجنتين، في إطار سياسة خارجية ممتازة مع كافة دول الجوار يدعمها التكامل الاقتصادي الإقليمي، وقالت في هذا الصدد: 'سأبذل قصارى جهدي للتمكين من تكامل إقليمي'، مؤكدة على أن هذا الهدف يعد تحدياً سيكون النجاح فيه حليف دول المنطقة لو عملوا سوياً لتحقيقه، فهي امرأة تمثل بكل ظروفها صفحة حية من كتاب التاريخ التشيلي·
Als_almenhaly@emi.ae

اقرأ أيضا

قتيل وجرحى في انفجارين استهدفا دوريات أمنية في تونس