يوم الاثنين 12 يوليو 2017، نشرت الأمم المتحدة إعلاناً تطلب بموجبه موظفين للعمل لإدارة مشاريع في القدس في دولة «فلسطين»، فأثار هذا الإعلان غضب واستنكار إسرائيل، بسبب اعتبار القدس في دولة «فلسطين»، ودعت إلى إجراء تحقيق فوري في الموضوع. هذه هي المهزلة التي تريد إسرائيل من العالم أن يصدقها، وهي عدم وجود دولة فلسطين التي عاد العالم ليعترف بها دولة بعد دولة. عندما قامت الجماعات الإرهابية الصهيونية باقتراف الفظائع في العالم، قرّر المجتمع الدولي، عقب الحرب العالمية الثانية، أن يتخلّص من صداع هذه الجماعات، وفي الوقت ذاته يكافئها على مساهمتها في هزيمة النازي، بأن يمنحها أرضاً بعيدة عن أوروبا، ومملوكة لشعب آخر ليستقروا فيها. وحسبما جاء في يوميّات هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، فقد تم اختيار فلسطين، بعد أن كان الصهاينة على استعداد لقبول أوغندا، قبرص، الأرجنتين، موزمبيق أو الكونغو، ما يؤكد كذب أسطورة أرض الميعاد التي لم أجد لها ذكراً في كتاب التوراة. كان الدافع الحقيقي لهذا الاختيار هو الأطماع الصهيونية الدنيوية الاقتصادية في خيرات فلسطين الكثيرة. وهم يدركون تماماً أن مصطلح «أرض الميعاد» هو من نسج خيال الصهاينة الذين ولدوا وترعرعوا في بلاد الغرب في القرن التاسع عشر واعتنقوا الديانة اليهودية عن طريق المبشرين، ولا يمتون للأرض المقدسة ولا للساميّة بصلة، أمثال البولندي زائيف جابوتينسكي والبارون الألماني موريس دي هيرش والصحفي والكاتب النمساوي – الهنغاري هيرتزل. فبادرت بريطانيا إلى إصدار وعد بلفور المشين، وهي لا تملك أي سلطة أو سيادة على فلسطين، ولا تمت لها بصلة من قريب أو بعيد، تاركة الحبل على الغابر لحثالة العالم من الصهاينة الذين توافدوا إلى فلسطين ليصولوا ويجولوا ويعبثوا بأطهر بقعة في العالم. جهدت إسرائيل طوال سبعة قرون في فرض تحوّلات فكرية كثيرة على العالم في محاولة يائسة لتبيّنت زيف ادعاءاتها وسذاجة أفكارها، وخلل مفاهيمها حيال احتلالها للأراضي الفلسطينية، محاولة أن تبين للعالم أنها الضحية، وأن الفلسطينيين الكنعانيين الموجودين في الأرض المقدسة منذ آلاف السنين، وحتى قبل ظهور الديانات السماوية، ومنها اليهودية. هم محتلون يريدون امتلاك أراضي فلسطين العربية. الأراضي التي لا علاقة لهم بها سوى أنهم يعتنقون ديانة خرج نبيها منها. لا عجب في ذلك، ففلسطين أرض الأنبياء. فيها غفر الله لداود وسليمان. وبين ظهرانيها بشر الله سيدنا زكريا بيحيى. وفيها كلم الله سيدنا موسى، وفيها ولد سيدنا المسيح علية السلام، وإلى قدسها الشريف أسرى سيدنا محمد «صلى الله عليه وسلم»، ومنها عرج إلى السماء. وصدق الصحابي الجليل عبد الله بن عباس بن عبد المطلب عندما قال إن البيت المقدس بنته الأنبياء، ما فيه موضع شبر إلا وقد صلى فيه نبي أو قام فيه ملك. إن اليهود الذين ينتمون لمنظمة الصهيونية العالمية الإرهابية الذين ولدوا في شتى أصقاع الدنيا، لا تربطهم أي رابطة قومية أو عرقية بفلسطين. لأن فلسطين لأبنائها الذين ولدوا فيها وعاشوا فيها أباً عن جد منذ آلاف السنين، بغض النظر عن معتقدهم الديني. يتمشدق الصهاينة بانهم ساميون، وأن أي اعتداء عليهم هو اعتداء على السامية. إن العرب، خاصة الفلسطينيين الذين تضطهدهم إسرائيل هم ساميون قبل اليهود، حيث جاء في معجم المعاني الجامع (معجم عربي عربي) أن معنى السامية هو: مجموعة من اللُّغات كانت شائعة منذ أزمان بعيدة في بلاد آسيا وأفريقيا، سواء منها ما عفت آثاره، وما لا يزال باقياً حتى الآن، ومن أشهر لغاتها: العربيّة (التي وجدت آلاف السنين قبل العبرية) والأكاديّة والفينيقيّة والعبريّة والآراميّة. أي أن السامية ليست عرقاً أو مذهباً. يتحدّث العالم اليوم عن الديمقراطية والحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الأسرى، وحقوق الرأي، وحقوق التعبير ونبذ العنصرية والتطرف الديني، ويُدين بعضه البعض بانتهاك مثل هذه الحقوق، كل ذلك يحدث في أثناء القبول بوجود كيان محتل واحد ذي طابع عنصري ديني متطرّف، وفي بعض دول العالم المتحضّر يتم التعامُل معه، بل وتمجيده وسنّ قوانين لحمايته من الانتقاد تجنباً لشره. هذا النفاق والادّعاء والتدنّي الأخلاقي لن يجبر الفلسطينيين على قبول ما تعافه الإنسانية لمجرّد أن بعض قادة العالم لهم مصلحة في دعم مثل هذه الكيانات النتنة. وكما قال سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: لا تستوحشوا طريق الحق لقلّة سالكيه. ما من إنسان عاقل يقبل بأن يسلب أرض وهوية وتاريخ شعب بكامله بمزاعم خرافية، مبنية على اعتقادات ليس لها في التاريخ أو العلم أو الدين مكان. ما من إنسان عاقل يقبل بأن يعتبر الاحتلال نضالاً، والإرهاب بطولة. ما من إنسان عاقل يقبل بأن يقتل الأطفال في شوارع مدنهم من قبل محتلين غاشمين، ويتركوا ليموتوا أمام أنظار العالم كله. ما من إنسان عاقل يقبل بأن يطرد السكان الأصليون من بيوتهم وأراضيهم عنوة وتحت تهديد السلاح. هل هناك أمّة في الدنيا قبلت بدخول قوات احتلال؟ وأيّ شعب قَبِل بالخروج من أرضه ليحلّ المستوطنون الأغراب محله؟. وأي شعب تحت الاحتلال لم يقاوم بكل ما بوسعه حتى يطرد المحتل؟. ألم يقرأ العالم عن المقاومات الشعبية ضد النازية في أوروبا وتصديهم للاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية؟. وكيف فجّرت ثكنات جيوش الاحتلال، والأماكن التي يرتادونها مثل السينمات والحدائق والمطاعم، وكيف تم قتل المتعاونين مع الاحتلال، وكيف تمت عمليات اغتيال للنازيين؟. فلماذا يقبل العالم من أوروبا ما ينكره على الفلسطينيين؟. الفلسطينيون ليسوا في حرب مُتكافئة مع الصهاينة حتى تنهالوا عليهم بالمواعظ. إنهم شعب تحت الاحتلال، اخرج عنوة وبالقتل والتنكيل من داره وأرضه في ظروف ليست طبيعية أو عادية، وتحت مرأى ومسمع منكم، فماذا فعلتم؟. ولكن في النهاية سيحق الحق، ومن ينصره الله فلا غالب له. نصّار وديع نصّار