الاتحاد

دنيا

بيوت بيروت تقاليد وعادات

بيروت - عماد ملاح:
هل بقي في لبنان قصور وبيوت تراثية عتيقة ؟· سطوح القرميد، الأعمدة الرخامية، الغرف الواسعة، الممرات الطويلة، الحدائق الخضراء ···هل باتت كلها ذكريات ·
في الطفولة كنا نشاهد كل ذلك، ونحن نقف خلف الأسوار تدفعنا حشريتنا لاكتشاف ذلك المجهول الجميل، رمز العزّ والجاه والسلطان· كثيراً ما كنا نطرد، تلاحقنا حجارة النواطير أو نباح الكلاب، لكن تبقى في الذهن ذكريات وصور وحنين الى الماضي·
قصر دياب، قصر فرعون، قصر بسترس، قصر سرسق، فيلا الصمدي، فيلا الداعوق، جنبلاط، ارسلان، حمادة، عويني···
صور رائعة لأماكن يتمنى الجميع امتلاك ما يشبهها، لأنها رمز الرفعة وسط الأحياء الشعبية، حيث تتناثر البيوت الصغيرة على أطرافها كالأقزام، لا تجرؤ على التطاول أو الاقتراب منها·
عام 1830 كانت بيروت بلدة صغيرة لا يزيد عدد سكانها عن الـ 30 ألف نسمة، اتخذت سمة المدينة الكبيرة بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت مركزاً عمرانياً حقيقياً خلال السنوات التي سبقت أحداث لبنان·
عرفت بيروت المآسي والمصائب والويلات، وفي كل مرة كانت ورشة العمران تنهض من تحت الركام، لتعود وترسم مجدداً تاريخ الإرادة الصلبة·
هجرة الذكريات
قصور لبنان وبيوته العتيقة، بقيت في وطن الحرب· بعضها هجره سكانه وهجرته الذكريات، والبعض الآخر عجز عن الهجرة فبقي مع أيام الماضي ينحسر، يدافع عن تراثه، يحاول الحفاظ على إرث في زمن الإرث الضائع·
الراحل هنري فرعون جعل من قصره نموذجاً تاريخياً للتراث الشرقي القديم، فاكتسب قصره شهرة واسعة، جعلته محط أنظار البعثات الأجنبية، ومرجعاً مهماً لتواريخ التحف والأيقونات والفضيات على أنواعها·
كان الراحل فرعون يقول عن الفن المعماري القديم:
'بنى والدي فيليب فرعون القصر سنة ،1892 وقد أسسه على الطراز القديم، وهذا الفن الذي تتميز به بعض البيوتات القديمة في بيروت، انقرض الى غير رجعة، حيث ركب الجميع موجة البناء الحديث، البعيد كل البعد عن الأصالة الشرقية، وروح التراث التي كانت تعطي بيوت بيروت رونقاً فريداً من نوعه، ولسوء الحظ أستطيع القول إن فن الشرق من زخرفة ونقوش ورسوم لا يوجد الاّ في منزل هنري فرعون، بينما في الماضي كان هذا الفن منتشراً في الشام وحلب ومصر'·
وكان الراحل يرد على الكلام الذي يقول إن فن البناء الأوروبي انتشر حتى في دول العالم الثالث، فكيف حافظ على التراث الشرقي بالقول:
'إن هواية تربية الخيول العربية الأصيلة، هي التي دفعتني الى هذا 'الغرام'، وكثرة أسفاري الى الخارج لاسيما الجزيرة العربية وسوريا، لاقتناء الجياد العربية، حيث كنت أملك اكبر 'ياخور' في العالم، كسبت من ورائه 4200 جائزة، وهذا الرقم قياسي قل نظيره· وكانت الشام في ذلك الوقت تحافظ على نسل الحصان العربي، وتهتم بتربيته، فأقمت علاقات ودّ وصداقة مع أصحاب هذه الهواية، فدخلت منازلهم وفوجئت بجمال تراثها، وعظمة الفن الهندسي الذي تتميز به· هنا بدأت هواية شراء التحف والأيقونات واللوحات الأثرية التي لا تقدر بثمن، بالإضافة الى التماثيل الرومانية ومخطوطات مختلفة من عهد المماليك، وأول 'صفقة' شراء عقدتها، كانت مع جد شكري القوتلي، والثانية مع رجل من آل النابلسي، وكرّت السبحة وبدأت أقتني الأثاث الشرقي، وكل ما يحمل البصمات العربية التي كان يفضل أصحابها الحضارة الغربية عليها'·
رسالة تاريخية
ولا يخفي الراحل فرعون سراً حين كان يعترف لعدد من الأخصائيين وهواة اقتناء وبناء البيوت القديمة، انه يملك رسالة من النبي محمد (صلى الله عليه وسلم ) الى كسرى ملك الفرس، كما كان يقتني أقدم الصلبان المعروفة في التاريخ، والتي يعود تاريخه الى 320 سنة، والى جانبه آيات قرآنية منحوتة كلماتها على خشب يرجع تاريخها الى القرن السادس عشر· بالإضافة الى ذلك، كتبت الصحف والمجلات الأجنبية طويلاً عن التمثال الروماني النادر الوجود، الذي اشتراه في مزاد علني بنيويورك، وقالت إنه لأول مرة يرجع تاريخ الشرق للشرق مجدداً، لكن للأسف القذائف العشوائية والصواريخ المدمرة لم ترحم المنزل، فأصيب في إحدى المرات بـ 43 قذيفة، ضربت بعض التحف الأثرية، وأتلفت بعض الأيقونات التي ترجع الى عهد لويس الخامس عشر والسادس عشر···
العلم اللبناني الأول
وكان صاحب أشهر قصر في لبنان-الراحل هنري فرعون- يتباهى في المناسبات، ان' العلم اللبناني الذي نلنا الاستقلال بفضله، عندما وقعت عليه مع سبعة نواب لبنانيين، اخترقوا حصار وحواجز الجنود السنغاليين، ليستقلوا بلبنان بعيداً عن الهيمنة الفرنسية، لا يزال يزين مدخل المنزل، وهذا العلم اعتبره من أثمن كنوز العالم التي أملكها'·
ويذكر الراحل فرعون انه' في إحدى المرات ذهب الرئيس شارل الحلو الى فرنسا بزيارة رسمية، التقى خلالها الرئيس الراحل شارل ديغول، ووجه اليه دعوة لزيارة لبنان، وبعد فترة قال الرئيس حلو لفرعون إنه لا توجد غرفة في القصر الجمهوري تليق بالرئيس الفرنسي، وطلب مني استضافته في قصري· ولهذا السبب أحضرت سريراً خاصاً يناسب طول قامة ديغول، ويومها طرأت ظروف قاهرة منعت الرئيس الفرنسي من زيارة لبنان، فبقيت هذه الغرفة حتى الآن تعرف بإسم غرفة ديغول'·
'كاترو' وبركة الماء
حادثة أخرى يمر الراحل فرعون على ذكرها وجرت في منزله، وهي انه 'بعد مجيء بشارة الخوري من راشيا، أراد المندوب السامي الفرنسي الجنرال كاترو مقابلته، فتمت ترتيبات اللقاء في قصر فرعون، وانتظرنا قدوم كاترو، ولما دخل الدار توجه من دون انتباه الى القاعة الأخيرة، حيث توجد بركة ماء مغطاة بالورود، و'تفركش' صاحبنا ووقع في بركة الماء وكاد ان يغرق!'·
منزل الداعوق
القنصل خالد الداعوق يملك منزلاً منذ سنة ،1920 وقد بناه مهندس روسي لدى بدء الثورة البوليفية، عمل بعدها في بلدية بيروت، وكان عمه عمر الداعوق رئيساً للبلدية·
يقول خالد الداعوق: هذا المنزل سكن فيه الحاج أمين الحسيني عندما خرج من فلسطين بدعوة من عمي عمر لمدة سبعة أشهر، والمنزل المجاور نزل فيه الملك فيصل الأول· وبعد ذلك سكن في منزلي رئيس وزراء لبنان احمد الداعوق سنة ،1941 وأعلنت منه اللوائح الانتخابية سنة ·1963
وأضاف: ولدت في هذا المنزل وترعرعت فيه، وأحببته بسبب التراث العربي والإسلامي الذي يزدان به، والمبنى تضرر في أحداث ،1975 فأجريت عدة عمليات ترميم من أجل إصلاحه وصيانته، فأضفت عليه الألوان الزاهية الخاصة بالقناطر 'والدرابزين' وجعلتها على الطراز العربي الصرف ·
ويستطرد الداعوق: حافظت على المفروشات العتيقة، مثل الخزانة الأثرية والمكتبة الكبيرة العائدة للسلطان عبد الحميد، واحتفظت ببعض الكتب القديمة أو ما تبقى منها، بعدما وهب جدي المرحوم سعيد مجموعة قيمة صنعت سنة 1924 في الشام، إضافة الى أثاث عربي قديم، مثل طقم 'البرزنتال' وهو هدية من الإمبراطور وليام الثاني الى أنور باشا، وقد اشتريته من شقيق أنور باشا في اسطنبول بـ 3500 ليرة، ويضم 460 قطعة، كل صحن يتميز برسوم مختلفة عن الصحن الآخر·
وتابع: هناك بيانو قديم ماركة 'بلوتيز' ألماني الصنع، وهو من جهاز والدتي· فقديماً كانت العروس الغنية تخرج من منزل أهلها بجهاز مع بيانو حسب العادات المتعارف عليها· وأبواب المنزل حفر عليها بشكل يدوي أقوالاً وأمثلة لفقهاء وحكماء ·
وعما إذا كان ينوي بيع البيت، يجيب الداعوق: تلقيت عدة عروض، الاّ انني رفضتها· المنزل أصبح تراثاً وتاريخاً· ففيه عقدت الاجتماعات السياسية وأعلنت منه اللوائح الانتخابية في بيروت، وآخر وزارة لأحمد الداعوق تشكلت من هنا، ورئيس الجمهورية الفرد نقاش أعلنت ولايته من هذا البيت سنة ·1941
منزل آل الحوت
د· سامر الحوت يسكن في منزل أثري في منطقة عين المريسة يتميز بواجهته العريضة ونقوشه العربية، قال: هذا المنزل شيّد على أيام جدي عبد الفتاح الحوت في الحرب العالمية الثانية، وكان جدي يعمل في تزفيت الطرقات وتعبيدها لصالح الدولة العثمانية ومن بعدها الفرنسيين· وعندما تدهورت الليرة الذهبية عام ،1932 اشترى المبنى آل 'التوسكرجي' حيث لا يزال العقار بإسمهم حتى الآن، بينما نحن لا نملك منه سوى سبعة امتار فقط، بعد ان كان العقار بأسره الذي تبلغ مساحته 300 متر ملكاً لآل الحوت·
يميز هذا البيت ـ يتابع الحوت ـ النقوش العربية اليدوية الفريدة من نوعها، والرسومات والقناطر التي لا مثيل لها، وقد جددت النقوش مراراً بسبب الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب اللبنانية التي اشتعلت بداية ·1975
تهاون جدي في الحفاظ على البيت، وبعد ان كنا من المالكين أصبحنا نقيم فيه كمستأجرين، وكل التحسينات التي قمنا بها داخل المنزل كانت على نفقتنا دون ان يتكلف المالك اي قرش يذكر· وهناك دعاوى مع صاحب الملك بخصوص العقار، تحت ذريعة انه غير صالح للسكن، والسبب الرئيسي ان مجموعة من الرأسماليين عرضت مبلغاً ضخماً لشراء العقار وهدمه، من أجل بناء مجمّع مكانه· اما إيجار البيت فلا يتجاوز مئة ألف ليرة سنوياً-70 دولاراً-·
أكبر بيوت بيروت
سامي اللاذقي لديه أربعة اولاد، ويملك بيتاً قديماً منذ سنة ،1911 قال: يعتبر هذا المنزل من أكبر بيوت بيروت القديمة، وأسكن فيه منذ 65 سنة، ويتكون من أربعة صالونات وأربع غرف نوم، عدا المنتفعات الباقية والتي تعتبر تراثاً عتيقاً للفن المعماري، الذي يجمع عظمة الهندسة وجمال البناء·
وأضاف: أصيب المنزل بأضرار جسيمة من جرّاء القذائف المدمرة، حيث تفجرت قساطل المياه، فغمرت غرف البيت، وألحقت أضراراً ببعض النقوش المرسومة باليد، والتي استغرق رسمها سنوات· ويحتل المنزل مكانة كبيرة لدي، وقد ورثته عن والدي، وهو أمانة في عنقي سوف أورثه لأولادي من بعدي، وشرطي الوحيد المحافظة على تراثه وجودته، وعدم التفريط به مهما كانت الظروف· ولا أفشي سراً اذا قلت، انه منذ أربع سنوات عرض علي مبلغ كبير من المال، مقابل بيعه، لكنني رفضت لأن هذا المنزل يمثل بيروت القديمة بعاداتها وتقاليدها، بحضارتها وهندستها وسوف أحافظ على هذا التراث الذي سيبني لبنان الغد·
تراس شرقي
نسيب جنبلاط يملك بيتاً قديماً منذ ،1903 ويتكون من 16 غرفة، وحديقة جميلة مزينة بـ'تراس' شرقي قديم، يذكرك ببيروت العتيقة، لأن كل دراسة للعمران العتيق يجب ان تكون مرنة ما فيه الكفاية، للتمكن من استيعاب التغيرات الممكنة، آخذة في الاعتبار مسائل التطور التقني والعلمي، لم نستطع أخذ نبذة كافية عن تاريخ هذا البيت القديم، لأن أصحابه خارج لبنان·
العمر ··· مئة سنة
إبراهيم الداعوق وشقيقته عنبرة يملكان منزلاً قديماً لا يقل عمره عن 100 سنة، يمتاز بهندسته الشرقية، وببصمات الفن العربي، ويعتبر هذا المنزل من آثار الماضي المرتبط بالمستقبل، بشكل يتيح لنا أن نرى تراث الماضي وتطور الحاضر·
هل تبقى قصور لبنان، رمزاً لعز مضى، بعدما دحرتها الحرب، فتراكم الغبار على حجارتها، أم أن الحياة ستدب فيها من جديد، لنعود الى أسوارها العتيقة، نراقب ونتمنى ونحلم؟!·

اقرأ أيضا