الاتحاد

دنيا

قصائد عن المنافي والكتابة والمثقف الشَّرقي

رسول محمَّد رسول:
رغم أن الشعر الأوروبي وجد طريقه إلى العربية منذ نحو قرن من الزمان بل وأكثر إلا أن تجارب شعرية عديدة ما زالت مجهولة للقارئ العربي في العالم الغربي، ومن هذه التجارب تجربة الشعر المجري الحديث بل حتى القديم منه ما زال مجهولاً لأسباب كثيرة· وقد تسنى للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت أن يسدَّ هذه الفجوة عندما نشر مؤخرا وضمن سلسلة (إبداعات عالمية) نصوصاً من الشعر المجري المعاصر، وتحديداً من شعراء مرحلة السبعينيات التي تعد مساهمة مهمة في المشهد الشعري بالمجر·
ضمَّت المجموعة ما أشبه بثماني مجموعات شعرية مصغَّرة لثمانية شعراء مجريين، ومن الواضح أن المستشرق المجري فودور شاندرو، المتخصِّص في الأدب العربي، وتحديدا بالأساطير العربية حول الأهرام المصرية، اختار أهم القصائد التي كتبها شعراء مجريون ينتمون إلى مرحلة السبعينيات الشعرية بالمجر، وهي قصائد دارت في فضاء المنافي والكتابة والمثقف الشرقي·
من التراتيل إلى قصيدة النثر
قدَّم لنا شاندرو دراسة مهمة عن تطور الشعر المجري منذ مراحله الأولى؛ فقد عاد إلى الجذور الشعرية الأولى وهي التراتيل الشامانية أو تراتيل الكهّان، ومن ثم التجاور الأول بين الشعرين المجري والأوروبي في العصر الوسيط، وبالتالي ظهور ما أسماه بأشعار الخطبة الجنائزية التي تم تداولها في حدود عام 1200 ميلادية· لكن شاندرو اعتقد أن أول شعر كُتبَ باللغة المجرية إنما يعود إلى المرثيات القديمة التي كُتبت في العذراء مريم عليها السلام نحو عام 1300 ميلادية· وظهر في عصر النهضة ما سُمي بالشعر المجري الكلاسيكي حيث حفته خصائص الأدب الشعبي بالرعاية· وفي القرن الخامس عشر أخذ الشعر يتأثر بالمسرح الديني حيث توظيف القيم الدينية والأخلاقية في قصائد الشعراء الملحمية أحيانا· ومن جهة أخرى ظهرت في القرن التاسع عشر، الذي عُرف باسم عهد الاستنارة المجري؛ أول محاولة جادة لوصل الشعر المجري بالشعر الأوروبي الحديث، فكان أنْ انبعثت اللغة المجرية من سُبات عميق، ودفعت المُبدعين المجريين إلى التخلِّي عن الكتابة باللغة اللاتينية والكتابة بلغتهم المجرية بدلا من ذلك· وفي حدود القرن الثامن عشر والذي تلاه مجموعة من الشعراء الذين أخذوا ينظرون إلى الموروث الشعري العربي، ومنهم الشاعر ميهاي تشكوناي فيتز 1773-1805 الذي استخدم أوزان الشعر العربي، خصوصا في قصيدته التي كان عنوانها (على قبر حافظ الشيرازي) والتي ابتعدَ الشاعر فيها عن الموروث الشعري الشعبي بالمجر في محاولة للانفتاح على تجارب الآخرين الشعرية في المشرق العربي· وبالتالي ظهر شعراء مالوا في نهاية القرن التاسع عشر إلى توظيف الأفكار القومية في قصائدهم، ومنهم الشاعر ميهاي فورشمارتي 1800-1885 الذي طالب بانفصال المجر عن آل هابسبورغ، وكان ضد النمسا، وتأثر بالحركة الشعرية الرومانسية· وشيئا فشيئا ظهر الطابع المحلي الوطني في حدود منتصف القرن التاسع عشر لدى الشاعر المجري الكبير شاندرو بيتوفي 1823-·1849 وصارت الحياة المجرية تنعكس في قصائد الشعر حتى بدايات القرن العشرين، لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى أدّى إلى خمول الحركة الشعرية، لكنها أثرت في عدد من الشعراء لكي يتعاملوا مع الشعر بروح إبداعية جديدة، فكانت ولادة تجارب شعرية جديدة قادها الشاعر المجري المجدد أندريه آدي، كذلك الشاعر المجري الكبير جيولا يوهاس 1883-·1937 ثم توالى الشعراء المجريون المحدثون ومنهم: لورينتس سابو 1900-،1957 وشاندرو فورش 1913-،1989 ويانوش بيلينسكي 1921-،1981 وغيرهم الشعراء·
النهضة الشَّرقية والمثقف
يقف الشاعر إلمر هورفات (ولد عام 1933)، صاحب ديوان (جذور البوصلة / بودابست 1990) في مقدمة الشعراء الذين عرض لهم الكتاب، وهو شاعر عاش ردحا من حياته في الولايات المتحدة الأميركية، كتب الكثير من القصائد من هناك، قال في أحدها وهي بعنوان (موت في نيويورك): الجميعُ·· قويٌ وقاس·· هنا قد أكذبُ لو قلتُ لا يوجدُ شيء هنا·· سوى شر يستعر! بل بهجة سريعة داكنة· قصائد مختارة أخرى للشاعر آلادور لوسلوفي، ولد عام ،1937 وهو روائي وصاحب ديوان (النهضة الشرقية / 1993) الشهير في الأدب المجري الحديث، في قصيدته (الكتابة الوحيدة) قال لوسلوفي: أنتِ البياضُ·· وقد حَللتِ بهذا المكان· أنتِ قطعةٌ من ضوء القمر· أنت الكتابةُ البيضاء التي أُطالعها·· ولم أزل وحيداً·· وإلى الأبد!!· الشاعر جورج بتري المولود في بوادبست عام ،1943 وصاحب ديوان (كرة ثلج في اليد) الذي صدر في نيويورك عام ،1984 قال في قصيدة له بعنوان (المثقف الداعروبي الشَّرقي): في وقتٍ ما·· في مكان ما··، أراد شيئاً، ولكنهم نبحوا تجاهه·· لم يكن عليهم حتى القيام بذلك·· ولم ينظروا بعنفٍ كافٍ إليه، كما كان متوقعا· هكذا أصبح من دون وعي·· ما أراد دوما أن يكوِّنه؛ ضائعا في محنة· وللقاص والشاعر المجري إشتفان باكا (ولد عام 1948) نصيب في هذه المختارات، ومن القصائد التي ضمتها هذه المجموعة قصيدته المسمّاة (فرانز ليست يقضي ليلة فوق سوق السمك)، والتي قال فيها: يا وطني المسكين، لقد احتسبتُكَ في فندق أوروبا الكبير، وغاب عني أن أُدركَ أن مكانكَ قد حُدِّدَ سلفاً بجوار طاولة المطبخ· أما الشاعر موروي باري، المولود في عام ،1952 والمتخصِّص في الفلكلور المجري الغجري، وصاحب كتاب (الأمراء الاثنا عشر/ حكايات فلكلورية غجرية / 1996)، فقد شارك بقصائد عدة في هذه المجموعة، منها قصيدته (أُمي) التي قال فيها: ستبقى دوماً مخلصة لغضونها المجبولة من فؤاد الطمي، تدقُّ الذئابُ المنبوذة الخرساء بابها كل ليلة، تتركهم يدخلون وتهدهدهم إلى جانبها فوق السرير· ويشارك الشاعر تيبور زالون، وهو من شعراء الطليعة، وولد عام ،1954 بقصيدة عنوانها (سيدتي: اليوم تشعل السماء نجومها) نقرأ منها: دمٌ كثير متخثِّرٌ في فمي، بينما كنتِ ترقصين على موسيقى مرحة، كنتُ أتسرَّبُ في الرمال العطشى، وأحلمُ بعلاقة حب لا تنتهي بيننا· وكانت المُشاركة قبل الأخيرة من نصيب الشاعر والناقد المولود في بودابست عام 1954 جوزو فيرنتز والذي شارك بقصيدة عنوانها (في الحاضر الأبدي) جاء فيها: أنا موجودٌ هنا: هذا سببٌ لابتهاجي، أود أن أرف إذا ما كان لديَّ قدرة فعل ما أود فعله· أما آخر المشاركات فهي للشاعر أندروش باتوش، وهو أيضا من رواد الطليعة المجرية في الشعر ولد عام ،1959 صاحب قصيدة مشهورة هي قصيدة (أوروبا استعاريا)، التي نقرأ مقطعا منها جاء فيه: تضحكُ لكَ، لكَ وحدكَ، تضحكُ بابتهاج؛ فتتجمَّد، وتندهش·· يغصُّ حلقَكَ، لكنها، كما هي، صعبةُ المنال، جميلةٌ وصعبةُ المنال!

اقرأ أيضا