الاتحاد

دنيا

صابون الغار صناعة رابحة رغم أنف العولمة

حلب ـ فاطمة شعبان:
شكل الصابون عنوان النظافة على مر العصور وفي العديد من الحضارات، والنظافة الواسعة في أزمان الرخاء كانت تحول الصابون إلى صناعة رائجة وتجارة رابحة· وقد اشتهرت مدن في المنطقة العربية بإنتاج الصابون، منها مدينة نابلس الفلسطينية ومدينة حلب السورية التي عرفت بإنتاج أجود أنواع الصابون، المعروف بـ 'صابون الغار' والذي ارتبط بالمدينة وحمل اسمها، حيث يُطلق عليه أيضاً اسم 'صابون حلبي'· تعتمد جودة صناعة هذا النوع من الصابون على مادتي زيت الزيتون وزيت الغار، وقد اكتسب الصابون الحلبي شهرة واسعة محلياً وعالمياً منذ زمن طويل·
لطالما كان الصابون منتجاً مهماً في حياة الناس اليومية اجتماعياً واقتصادياً، خاصة في فترات الرخاء والازدهار الاقتصادي، التي تعبر فيها النظافة عن هذا الرخاء والازدهار وعن المكانة الاجتماعية· ولم يكن غريباً أن يخصص المماليك في بداية القرن الخامس عشر ميلادي سوقاً لبيعه، وبنوا عام '1484م' خان الصابون خصيصاً لعرضه على التجار الأجانب الوافدين إلى المدينة، كما اهتموا ببناء المصابن الحجرية الضخمة لإنتاجه بسبب مردوده التجاري الكبير· ويتشابه الطراز المعماري لهذه المصابن، فهي ذات بوابات ضخمة تنتهي بممر واسع، سقفه محمول على أقواس حجرية مرتفعة· وتتألف المصبنة من طابقين، الأرضي يحوي قاعات واسعة، يستخدم بعضها كمستودعات لحفظ الصابون المعد للبيع، ومستودعات لبراميل زيت الزيتون وزيت الغار المعدان للاستخدام· كما تتم في هذا الطابق عملية غلي الصابون في قدور حجرية ضخمة، يتسع الواحد منها لخمسة أطنان من المواد على الأقل· أما قاعات الطابق العلوي فتستخدم لصب الصابون السائل في قوالب ضخمة لتجفيفها الأولي، وتكون أسقفها وجدرانها مزودة بفتحات تسمح بتهوية الصابون وتجفيفه، حيث يحتاج تجفيفه الأولي إلى عدة ساعات، ويحتاج تجفيفه النهائي إلى عدة أشهر ليتحول إلى صابون صلب ويكون ذلك بتحول لونه الخارجي من الأخضر إلى الأصفر مع الوقت·
حلب··· مدينة الصابون
اشتهرت مصابن حلب بأسماء العائلات الحلبية التي احتكرت مهنة تصنيع الصابون وامتلكت مصابنها، منها مصابن 'آل زنابيلي' قرب باب النصر، ومصابن 'آل جبيلي' و'آل فنصة' قرب باب قنسرين· ولا تزال هذه المصابن الحجرية القديمة تنتج صابون الغار بنفس الطرق التقليدية التي استخدمت منذ قرون، وما تزال لها سوقاً رائجة، رغم الطيف الهائل للمنظفات التي باتت تملأ أسواق مدينة حلب وغيرها من مدن العالم· فما زال صابون الغار يملك مكانته المتقدمة في عالم النظافة إلى اليوم، حتى تلك التي تعتمد على المواد الكيميائية بشكل رئيسي، رغم أن صابون الغار لم يغير من شكله التقليدي نهائياً·
تصنيع صابون الغار مهنة موسمية، فقد ارتبطت هذه الصناعة بموسم قطاف الزيتون وعصره، الذي يتم بشكل طبيعي في بداية فصل الشتاء، حيث يُأخذ زيت الزيتون من المعصرة إلى المصبنة مباشرة· ويعمل بهذه المهنة عدد كبير من العمال الموسميين، الذين يقل عددهم بانتهاء عملية تصنيع الصابون مع انتهاء فصل الشتاء·
أسرار الصناعة
السيد أبو محمد، مشرف العمال في مصبنة آل جبيلي في حلب، تحدث عن تصنيع صابون الغار كما تجري اليوم قائلاً: 'المواد المستخدمة في صناعة الصابون مكونة من زيت المطراف الناتج عن العصرة الثانية للزيتون، إضافة إلى زيت الغار، وكمية قليلة من مادة الصوديوم، تستخدم لتنظيف الزيت من الشوائب أثناء غليه مع الماء، وتساعد في عملية التصبن· ولا تتم عملية التصبن إلا في فصل الشتاء تحديداً، لأن الطقس والهواء الباردين يساعدان في عملية تجمد الصابون، وتجفيفه ومنحه القساوة'·
تمر عملية تصنيع الصابون بعدة مراحل حتى يأخذ شكله النهائي، وحول كيفية التصنيع يقول أبو محمد: 'يُغلى زيت الزيتون مع الماء وكمية قليلة من مادة الصوديوم في القدر الحجري الكبير، لمدة أربع ساعات تقريباً، يترك بعدها السائل ليرتاح في القدر حتى اليوم التالي· في المرحلة الثانية يضاف إلى السائل زيت الغار، ويعاد غليه مرة أخرى لعدة ساعات، يترك بعدها السائل المغلي فترة من الزمن حتى يبرد، ينفصل خلالها السائل إلى طبقتين، طبقة الماء والصوديوم في الأسفل، وطبقة الزيت في الأعلى، ويتم لاحقاً التخلص من طبقة الماء عبر فتحات تصريف أسفل القدر الذي يُغلى فيه المزيج، تنفتح على خزان حجري منخفض المستوى· يتم بعدها نقل طبقة الزيت السائل بواسطة مضخة إلى الطابق الثاني، حيث تمدد على مساحة معدة سلفاً، ومغطاة بطبقة رقيقة من الورق تمنع التصاق الصابون على الأرضية الحجرية وتسهل نزعه لاحقاً وبعد تقطيعه، ويترك السائل لمدة 12 ساعة على الأقل حتى يبدأ بالتجمد· وبعد التأكد من تماسك الطبقة الزيتية الخضراء يتم تقطيعها إلى قوالب مربعة الشكل بواسطة آلة يدوية خاصة، تمرر عليها مرة بالطول ومرة بالعرض، وبذلك تأخذ قطعة الصابون شكلها المربع· وقبل أن تجف تماماً، يتم ختم كل قطعة صابون بالختم الخاص بالمصبنة يدوياً، وهو ختم مثبت فعلياً على طرف مطرقة، يتم ختم الصابون من خلال طرقه بهذه المطرقة· بعد ذلك يتم تجميع قطع الصابون، وتصف بطريقة هرمية مع ترك فتحات لتهوية الصابون، ويترك على هذه الوضعية لمدة تسعة أشهر تقريباً، حتى يجف تماماً، ثم يتم تغليفه وبيعه'·
سر البقاء
نوعية وجودة الصابون وسعره تحددها كما يقول أبو محمد: 'كمية زيت الغار المضافة إلى زيت الزيتون في عملية التصنيع، فهي تحدد بدورها نوعية الصابون، فكلما زادت نسبة زيت الغار تصبح رائحة الصابون أجمل وسعره أغلى، ويعد الصابون المحتوي على أكثر من ربع مكوناته على زيت الغار، من أغلى أنواع الصابون'·
وعن السر في بقاء هذه المهنة، واستمرارها على قيد الحياة عبر مئات السنين، يقول أبو محمد: 'إصرار المستهلكين على استخدام هذا النوع من الصابون الزيتي، وعدم استبداله بالأنواع الأخرى من الصابون والشامبو التي يدخل في تركيبها مواد كيماوية متنوعة· هذا النوع من الصابون خال من المواد الكيماوية الضارة ببشرة الجلد، حتى أن أطباء الأمراض الجلدية ينصحون أصحاب البشرة الحساسة باستخدام هذا النوع من الصابون الزيتي، لأنه مغذ ولا يسبب الحساسية أو تشقق الجلد، ويغذي فروة الرأس ويطري الشعر'·
لقد حافظت المنظفات ومنها الصابون على دور مركزي في الحياة الحديثة، وحافظت مدينة حلب على واحدة من الصناعات التقليدية العريقة، بحفاظها على صناعة صابون لا بوصفه صناعة فلكلورية متحفية، بل بوصفها صناعة تجارية لها مردودها المجزي، واليوم تتوسع هذه الصناعة معتمدة على أسواق أوروبية وغربية، فهناك من يعمل فقط ليصدر منتجه إلى هذه الأسواق بعد أن زاد الطلب في تلك البلدان على هذا النوع من المنتجات الطبيعية، في ظل موجة العودة إلى المواد الطبيعية في العالم· وبذلك تكون هذه الصناعة قد حافظت على صناعة أصيلة وتقليدية من خلال تجارة رابحة في زمن العولمة·

اقرأ أيضا