الاتحاد

دنيا

عبد السلام الصرايره طحان مع مرتبة الشرف

عمان ـ توفيق عابد:
يشدنا الماضي وعبقه رغم بهرجة الحاضر ومغرياته، نسافر إليه ونشرع نوافذه ونحاول قدر الاستطاعة أن نسترجع ذكريات الأجداد لتبقى كالأنشودة الخالدة، وعندما يحالفنا الحظ ونلتقي فجأة أشخاصا حفظوا العهد والوعد وحافظوا على التراث تكبر مساحات الشوق والتقدير في زوايا ذاكرتنا·
الحاج عبد السلام مبارك الصرايرة 'أبو محمد' الذي يسكن في بلدة مؤتة التي تبعد 20 كيلو مترا عن الكرك في جنوب الأردن والتي يحتضن ترابها الصحابة الشهداء الثلاثة: زيد بن حارثة وجعفر الطيار وعبدالله بن رواحه، واحد من الرجال المسكونين بالأمجاد، وما زال يمسك بمهنة 'الطحان' الذي يطحن القمح فيما كان يسمى من قبل 'بابور الطحين' ويعلمها لاثنين من الأبناء حتى لا تندثر وتضيع وسط غزو التكنولوجيا·
في بداية الحديث قال: المطحنة كفرد من عائلتي أرعاها وأحافظ عليها وأعتمد عليها في لقمة عيشي، فهي لي بمثابة الروح للجسد كيف لا وهي إرث والدي الذي بناه عام 1900 وأصبح معلما من معالم بلدتي الصغيرة·
أقدم المطاحن
ويضيف: هذه أقدم مطحنة في جنوب الأردن عمرها حوالي 105 سنوات وقد ورثتها عن والدي الذي كان يمتهن مهنة 'الطحان'، وورثت أيضا مهنته رغم التعب والإرهاق وحافظت عليها لأنها من ذكرى والدي ولم أغلقها وأتوجه إلى عمل آخر وفاء وإخلاصا للآباء والأجداد بل واصلت العمل ليل نهار بسبب كثرة الزبائن الذين ما زالوا يعتمدون في غذائهم على الخبز البلدي وخاصة في الأرياف·
وقد تعودت على هذا العمل فهو مصدر رزق طيب لي ولعائلتي إضافة إلى أن والدي تعب وجد واجتهد في إنشاء المطحنة ومن واجبي أن أحافظ عليها فهي ارث متميز بطابعه التراثي الجميل·
وفي معرض رده على سؤال حول ما إذا كانت المهنة توفر له مستوى معيشياً جيداً قال أبومحمد: الدخل اليومي الذي احصل عليه متوسط وكما يقولون خير الأمور أوسطها 'الليّ بيرضى بعيش' وفي محافظتي على استمرار المطحنة لا أسعى ليكون عندي استثمار بآلاف الدنانير أو أرصدة في البنوك بل ضمان 'لقمة عيش' طيبة بيدي وعرق جبيني دون أن يتحكم أحد بي فقد جهد وجاهد والدي حتى أوجدها ومن واجبه علينا المحافظة عليها من الإغلاق وتطويرها وتزويدها بمعدات جديدة مسايرة للتقدم في هذا المجال وتبقى شاهد عيان للأجيال المقبلة·
زبائني متنوعون
أما زبائني فهم من شرائح المجتمع كافة وخاصة في جنوب الأردن فهم يأتون منذ ساعات الصباح الباكر لطحن ما يلزمهم من الطحين البلدي لأن هناك فئة كبيرة لا تميل إلى الطحين المصنع بل ترغب في تناول الخبز البلدي الذي يمتاز بالجودة الطيبة 'من خير بلادنا'·
وفي الماضي كان الناس يحضرون أكياس القمح محملة على دوابهم كالحمير والبغال من مسافات بعيدة ألم يقل القادمون من الأرياف خاصة إلى بابور الطحين 'يوم الطحان يوم' أو 'نهار الطحان نهار'، أما الآن فقد اندثرت هذه الطريقة تقريبا وحلت مكانها وسائل النقل السريعة كسيارات النقل الخفيفة والتراكتورات الزراعية·
وكان سكان الجوار ينتظرون سماع صوت 'بابور الطحين' ليعرفوا أن المطحنة دارت، وتبدأ أفواج الناس في التوافد لطحن حبوبهم والتمتع بموسيقى 'جريش القمح' هناك فرقة موسيقية طبيعية بدون مايسترو تعزف نوتة التراث·
وتابع قائلاً: هناك متعة ونشوة لا توصف في عملية الطحن فهل استمعت من قبل إلى صوت 'الجاروشة' القديمة أثناء دورانها بيد جداتنا بحركة دائرية وهي تهرس العدس والقمح وغيرهما من الحبوب؟ ألا تعلم أن الخبز البلدي مع زيت الزيتون يقوي العضلات ويشد الأعصاب؟
وعن طريقة تقاضيه الأجرة قال: في السابق كانت الأجور عبارة عن كمية من الطحين أما في الوقت الحاضر فقد غابت هذه الطريقة وحل محلها 'المصاري' حسب كمية القمح المراد طحنه، وعموما فالأجرة تناسب الطبقة المتوسطة وفي متناول مزارعي القمح ومن يتمسكون بالخبز البلدي ولا يميلون للخبز المصنع من الطحين الأبيض 'المواطن يضع قمحاته ويحصل على طحيناته وفي منزله يخبز خبزاته'·
الناس أجناس
ويقول: لا مشاكل تعوق عمل المطحنة سوى انقطاع التيار الكهربائي وهذا يسبب لي إحراجا مع زبائني وخاصة الذين يأتون من مسافات بعيدة فجميع الزبائن يريدون طحن حبوبهم في المواعيد المتفق عليها، وانقطاع الكهرباء من مصدرها 'يخربط' جدول المواعيد ولكن البعض يتفهم المشكلة كما توجد مشاكل أخرى لا مجال لذكرها نتجاوزها بمساعدة الزبائن وتعاونهم·
أما التعامل مع الناس فكما تعرف 'الناس أجناس' و'أصابع اليد مش زي بعضها' وارضاء الجميع غاية لا تدرك· مهما عملت لاختلاف الأمزجة والظروف فمنهم المتفهم المتعاون ومنهم العصبي المتعجل دوما الذي يعتقد أن هذه 'شطارة' ولكنني أتعامل مع كل واحد حسب تعليمه وعقليته ومزاجه أثناء تواجده في المطحنة ورثت 'طول البال' عن والدي ولكنهم يخرجون من عندي راضين عن طريقة التعامل وجودة الإنتاج فقمحهم نظيف وطحينهم ذو جودة عالية لا تنافس ولا تقارن مع طحين المطاحن الحديثة·
لن تغلق أبداً
وحول مستقبل المطحنة يقول أبومحمد: لن تغلق هذه المطحنة أبدا ما دمت أتنفس وأحيا على ظهر الأرض· على الأبناء صون إرث الأجداد، فقد حافظت عليها كما أوصاني والدي قبيل وفاته وسيكمل أبنائي المشوار بإذن الله تعالى ومن هنا قمت بتدريب ولدين لي على العمل وهما يعملان الآن في المطحنة وأشجعهما على الاستمرار والاعتماد عليها في لقمة عيشهم، وتأمين مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم فهو عمل مستقل ومصلحة خاصة لا يتحكم أحد في أجورهم ومواعيد عملهم وانتهائه أي أنهم أسياد أنفسهم· ناهيك عن أن ما نقوم به عمل تراثي يجب أن نحافظ عليه من الاندثار؛ فهو يربطنا بماضينا وتاريخنا وحلقة اتصال وتواصل مع الآباء والأجداد الذين سبقونا في العيش على هذه الأرض المباركة وتركوا لنا ما نفتخر ونفاخر به·
ومن أجل عيون والدي وتنفيذا لوصيته فقد طورت المطحنة التي كانت تعمل سابقا على الديزل حيث كانت تحتاج إلى وقت حتى 'تسخن' ماكينة الطحن ولذا كانت عملية طحن 50 كيلو جراما تستغرق أكثر من ساعتين وهذا وقت طويل نسبيا وغير مجد اقتصاديا لكننا كنا نستغل الوقت في تسجيل أسماء الزبائن وتجهيز القمح بالملح من خلال الأحواض الموجودة واستيفاء الأجور·
وقبل 30 عاما تقريبا تم الاستغناء عن موتورات الديزل واستبدالها بأخرى تعمل بالكهرباء، وهذه مريحة جدا وهادئة لا تسبب ضوضاء أو إزعاجا لمن يسكنون قرب المبنى أو أضرارا للبيئة من أي نوع كما تتيح فرصة لطحن كميات كبيرة من القمح·
وعن علاقة عمله بالموسم الزراعي قال الحاج عبد السلام الصرايرة: بالطبع العلاقة طردية فكلما كان الموسم جيدا كان العمل في المطحنة جيدا، وإذا كانت الأمطار متواصلة وبكميات كبيرة انعكس ذلك إيجابا على الموسم الزراعي ونسأل الله تعالى أن يكون الموسم لهذا العام وفيرا وخيرا وبركة على الجميع·

اقرأ أيضا