الاتحاد

دنيا

الشحاذة مهنة الطفيليين

دمشق ـ عمّار أبو عابد:
تفخر مدينة حمص دون غيرها من المدن السورية بأنه لا يوجد في شوارعها أي متسول! بينما ترى المتسولين في بقية المدن السورية من مختلف الأعمار، ومن الجنسين، وقد ابتدع هؤلاء أساليب عديدة للاحتيال على الناس وابتزازهم بحجة الحاجة!
فهل التسول حاجة أم مهنة؟ وهل يلجأ المحتاجون من العائلات المستورة إلى مد أيديهم لاستعطاء المارة وقرع أبواب المنازل للاستجداء، أم يفعل ذلك محترفو التسول كمهنة ذات مردود عال؟!
في عالم التسول تعتبر العاهة نعمة كبيرة، لأنها تدر عائداً أكبر· فمنظر صاحب العاهة لا سيما إذا كانت أجزاء من جسده مكشوفة في يوم بارد تدفع الناس العاديين إلى مد أيديهم إلى جيوبهم، بينما تدفع الطيبين أكثر إلى إفراغ ما في جيوبهم أحياناً، لمساعدة هذا 'المسكين'! لكن المسكين لا يحصل على عائدات التسول بل يصيبه منها أجر يومي محدد!·
لا تستغربوا، فقد تبين لرجال الشرطة في عشرات الحالات أن صاحب العاهة مستأجر عند رب عمل! يقوم بتشغيله وإيصاله يومياً إلى الموقع الذي يتسول فيه، وإعادته إلى منزله مساء، وذلك لقاء مبلغ يومي لا يقل عن خمسمائة ليرة سورية· وفي هذه الحالة فإن صاحب العاهة يقوم بالتسول لحساب رب عمله مباشرة، أما في حالات أخرى عديدة فإن متسولاً آخر أو متسولة يقوم باستجداء الناس من خلال صاحب العاهة!
متسولة محترفة
فهناك متسولة محترفة أصبحت معروفة! وهي تستأجر رجلاً مريضاً شبه كسيح، وتقوده في كرسي متحرك يومياً منذ الصباح وحتى الخامسة مساء، لقاء أجر يومي قدره خمسمائة ليرة مع وجبة طعام! بينما يبلغ مردودها اليومي من التسول بواسطته ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف ليرة سورية، وهو ما يفوق معاً الأجر الشهري لثلاثة خريجين جامعيين حديثي التعيين!
وأنت تسير في أحد شوارع دمشق يلفت نظرك امرأة تفترش الرصيف وفي حضنها طفل شبه عار، بينما يتوسط بلاط الرصيف طفل آخر، فينخلع قلبك لهذا المنظر المثير··· وحتى لو كان قلبك من حجر، فلا بد أن تمد يدك لتلقي لها بما جادت به نفسك من نقود·
لكنك لو عرفت الحقيقة لأصابك الندم! حين تكتشف أن هذه المتسولة، تستأجر الطفلين مقابل مائة وخمسين ليرة لكل منهما، وأنها تعمد إلى تخفيف ملابسهما ولا سيما في الشتاء، كي تستدر عطفك! وإن مردودها اليومي لا يقل عن خمسة آلاف ليرة سورية، وهو ما يعادل أجر خريج جامعي في الشهر·
استغلال الأطفال
المرأة المتسولة تستأجر طفلين عمر كل منهما دون الخامسة! أما الأطفال المتسولون فوق هذا السن فلهم شأن آخر!
إذ أنهم ينتظمون في جماعات يقود كل منها رأس مدبر، وهو عادة رجل بالغ ذو خبرة في شؤون التسول وأساليبه يوزع جماعته من الأطفال على مناطق وشوارع معينة يحتكرها(!) وهو يقوم يومياً بإيصال الأطفال إلى أماكن تسولهم، ويؤمن لهم السندويشات، ويراقب دوريات الشرطة، ويشرف عليهم عن قرب وبعد معاً· وفي نهاية النهار يأخذ من كل طفل مبلغاً معلوماً وقدره خمسمائة ليرة سورية ويترك له الباقي، وإذا أخل أي طفل بتقديم هذا المبلغ فإن مصيره الخروج من الجماعة!
ويتفنن هؤلاء الأطفال في اختلاق الأعذار لاستجداء المارة، فأحدهم يطلب ثمن طعام أو خبز لأسرته، وآخر أمه مريضة، وثالث أبوه مقعد، ورابع يتيم وإلى آخر الأعذار التي لا تخطر على بال· على أن بعضهم يتستر على 'تسوله' بعمل غير مقنع، فهم يتخذون من إشارات المرور مركزاً لعملهم، فما أن تقف السيارات حتى يهرع أحدهم وبيده قطعة قماش صغيرة، ويبدأ بمسح زجاج السيارة، قبل أن يمد يده طالباً 'الإكرامية' أو الأجر! مع مزيد من التوسل والاستجداء·
نماذج من الاحتيال
تقرع باب منزلك شابة أنيقة، وتبادرك بالقول: إن زوجها بحاجة إلى عملية جراحية في الدماغ، وأنها تطلب المساعدة، فإذا أخطأت وعرضت عليها مساعدتها لدى طبيب جراح يقوم بالعملية ويؤمن لزوجها تكاليف المستشفى، فإنها تنفر وتجيبك بجفاء: إما أن تساعدني الآن أو لا!·
وهناك امرأة تتخذ من كامل أناقتها مصيدة، وتمسك بيدها طفلا صغيرا، وتتمركز عادة عند مفارق الطرق قليلة الإزدحام، وتشير للسيارات الخاصة، فإذا تورط أحد السائقين عن حسن أو سوء نية، وتوقف فإنها تصعد إلى السيارة وتبادرك بالقول: لا تفهمني 'غلط'! أنا أم لأربعة أيتام لا معيل لهم، وأريد المساعدة!
ومثل هذه المتسولة لا تقبل بأقل من مائة ليرة دفعة واحدة، وعندما تحصل على نصيبها تودعك لتصطاد سيارة أخرى· وقبل أن تغادر السيارة، تفاجأ بالطفل يمسك بإحدى يديك طالباً أن تعطيه ثمن سندويشة، كما تكتشف أنه ليس طفلها! وأنه مسحوب من لسانه! وهو في الواقع متسأجر من قبلها!·
عائلة مستورة
إن أحدث موجة من المتسولات هن اللواتي يرتدين الثوب الشرعي الكامل! فلا ترى منها حتى كفيها، لأنها ترتدي قفازات سوداء، تقرع بابك وتخاطبك بخشوع وورع عما إذا كنت تريد مساعدة عائلة مستورة!·
صار من المألوف أن تصادف شاباً حسن الهندام يقترب منك بخجل مفتعل، ليخبرك أنه من محافظة أخرى، ومقطوع لأن نقوده سرقت، ويحتاج منك إلى مساعدة كي يسافر إلى بلده!·
ومن الطريف أن تتوقف أمامك سيارة حديثة وذات دفع رباعي، ليترجل منها شاب آسيوي متأنق، تفهم منه أنه يعمل في إحدى دول الخليج، وأنه عائد إلى بلده، لكنه فقد نقوده كلها، وهو يحتاج إلى عونك·
وهكذا تتنوع أساليب التسول وفنونه، رغم أن فئة من المتسولين ماتزال راسخة عند تقاليدها القديمة في التسول، وهؤلاء هم المسنون الذين تجاوزوا سن الستين، والذين اتخذوا التسول مهنة، وفي الواقع فإن سن هؤلاء يحرج الناس رغم معرفتهم لحقيقتهم، فيضطرون للدفع لهم، ولو على مضض!
القانون يقف عاجزاً
يحارب القانون التسول ويحظره، لكنه غير فعال في التصدي لهذه الظاهرة نظراً لإغراءاتها وللمردود المادي الذي تحققه، والذي يفوق من حيث الكم مردود أي عمل شريف ضمن دائرة الوظائف العامة أو الخاصة·
ينص القانون السوري على عقوبة المتسول بحبسه من شهر مع التشغيل إلى ستة أشهر وإمكان وضعه في دار التشغيل ووجوب ذلك في حال التكرار·
لكن هذه العقوبة التي نص عليها قانون العقوبات السوري لا تزال عاجزة عن مكافحة ظاهرة احتراف التسول كمهنة· ولا يقتنع بعض القضاة بأن العقوبة هي الحل لظاهرة احتراف التسول من قبل البعض، فيصدرون أحكاماً مخففة· لا سيما بحق المسنين الذين يقول أحد الخبراء أنه من الصعب إصلاحهم بعد أن احترفوا هذه المهنة عشرات العقود·
النصوص القانونية
أما الأطفال فلا تسري النصوص القانونية على من كان منهم دون سن العاشرة، اما الذين يبلغون العاشرة وما فوق فلا تقبل بإيوائهم دور الأحداث؟!
وتتولى مكافحة التسول جهتان حكوميتان هما وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، حيث تقوم دوريات من الشرطة بتوقيف المتسولين وإحالتهم إلى القضاء· في حين تقيم وزارة الشؤون الاجتماعية داراً لتشغيل المتسولين والمشردين قرب دمشق· لكن الكلمة الفصل تظل عند منصة القاضي الذي تبدو أحكامه غير قادرة على ردع التسول، أمام عوائده المالية المغرية لمن احترفوه·
ويقول مسؤول في دار التشغيل إن وجود أجهزة 'الموبايل' من أحدث الماركات وأغلاها في أيدي الأطفال من المتسولين هو أمر مألوف! ويثير الإستغراب! وذكر أن ثمن 'الموبايل' الواحد الذي يحمله طفل متسول يزيد عن أجره الشهري بكامله!·

اقرأ أيضا