الاتحاد

دنيا

الضحك للوقاية من وجع القلب

هل سمعت آخر نكته ؟ سؤال قد يوجهه كل إنسان أو يتلقاه كل يوم· وميزة هذا السؤال انه يحمل إجابته معه· فغالباً ما ينطلق صاحب السؤال في 'استكماله' بإلقاء النكتة الأخيرة، التي قد لا تكون أخيرة أو من المحتمل انها نسخة معدلة من نكتة سابقة، او نكتة قديمة جداً لكن الظروف جددتها·
لكن المهم في الأمر ان النكتة، الجديدة والجيدة والمحبوكة، تكون مبعثاً لاستغراق الجميع في الضحك: القائل والمستمع· والنكتة هي إحدى وسائل التعبير عن الانفعالات وإطلاقها، ومن خلال مضمون النكتة وموضعها يمكن أن نستنتج طبيعة الشحنة الانفعالية التي تحملها·
هذا الموضوع كان محور مؤتمر نظمه قبل أيام أكاديميون في الجامعة اللبنانية وتحديداً في كلية الآداب شارك فيه أكاديميون فرنسيون من أربع جامعات فرنسية معروفة إضافة إلى الجامعة اليسوعية وجامعة تونس، بحثوا فيه عن الضحك ووظائفه المتعددة وجذوره الضاربة في الأدب والفن والتراجيديا·
وتركزت المداخلات على قدرة الإنسان وحده على الضحك والإضحاك، وكيف يمكن إثارة الضحك الصادق والطبيعي والعميق، في ظل التحديات والصعوبات التي تجعل الضحك مادة نادرة· وتبدو أهمية هذا الموضوع ملحة كلما تعقدت أمور الحياة وأدلهمت المصاعب، فيصبح آنذاك الضحك مرتبطاً بالمأساة على حد تعبير الكاتب الأميركي والتر كير الذي يقول إن 'الملهاة ليست فقط هجاء العالم إنما بالتحديد هجاء المأساة'·
فلماذا يضحك الإنسان؟
في بعض الحالات لا يكون الضحك تعبيراً عن السرور، فهناك الضحك الاجتماعي لمجاملة الآخرين، ففي اليابان مثلاً ينظر للضحك على أنه واجب اجتماعي، وعلى الإنسان الذي ألمت به كارثة أن يرسم على وجهة ابتسامة وهو يتلقى مواساة الآخرين، وهذا ما يطلق عليه أحياناً 'قناع السعادة' أو كما في عنوان الرواية الشهيرة لإحسان عبد القدوس 'العذاب فوق شفاه تبتسم'، أو كما ورد في تراث العرب 'شر البلية ما يضحك'، وهناك تعبير المتنبي عن بعض المضحكات بقوله: 'ولكنه ضحك كالبكاء'، وكل هذه المواقف وغيرها لا يمكن أن يكون الضحك فيها وليداً لمناسبة سارة· ليس ذلك فحسب فهناك حالات ومواقف مرضية نجد رد الفعل بالضحك نتيجة لبعض الاضطراب النفسي المؤقت مثل الضحك الهستيري، ونوبات الضحك البديلة للتشنج والتي لا تكون خلالها سيطرة العقل كاملة على السلوك، ومنها الضحك نتيجة لمواد خارجية تؤثر على الأعصاب مثل غاز أكسيد النتريك المعروف بغاز الأعصاب والمستخدم في الحروب الكيماوية ·
وهناك الكثير من المواقف والملابسات الأخرى التي تسبب الاستجابة لدى الناس بالضحك وقد حاول بعض الباحثين حصرها، ومنها الضحك للدهشة عند حدوث مفاجأة ما، والضحك عند مشاهدة الفشل البسيط الذي يمنى به الآخرون، وقد نضحك أيضاً لحدوث بعض المفاجآت غير المتوقعة أو المصادفات العارضة في بعض المواقف، وكذلك نضحك لدى مشاهدة أو سماع مفارقة جديدة أو نكته مثلاً· وقد يكون الضحك أيضاً استجابة للمس الموضعي لبعض مناطق الجسم من جانب شخص آخر على سبيل الدعابة وهذا ما يطلق علية 'الدغدغة'·
ومن وجهة النظر النفسية يفسر سيجموند فرويد الضحك على أنه - مثل اللهو - يقوم على مبدأ اللذة حيث أن الإنسان بصفة عامة يجنح إلى المواقف التي تؤدي إلى الحصول علي اللذة ويتجنب الألم، ومن خلال هذه الرؤية فالضحك يتضمن إنكاراً للواقع وتحرراً منه، وهو في ذلك يشبه الأحلام وبعض الحالات النفسية من حيث حدوثه على مستوى اللاشعور أو العقل الباطن ·
ومؤخراً أعلن فريق من علماء قسم الوقاية من أمراض القلب في جامعة ميريلاند في ولاية بالتيمور الأميركية أن الضحك على مواقف الحياة هو أفضل طريقة لضمان حياة أطول وقلب قوي·
ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين يضحكون كثيراً وبصوت عال وينظرون دوماً إلى الجانب المضحك في المواقف الحياتية الصعبة هم أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب من الأشخاص الذين لا يملكون روح الفكاهة·
وقام الباحثون بدراسة روح النكتة عند مئة وخمسين شخصاً من مرضى القلب الذين تعرضوا لأزمات قلبية أو لا يزالون يتلقون العلاج لمرض انسداد شرايين القلب وقارن الباحثون المجموعة المريضة مع مجموعة مماثلة تتضمن أشخاصاً أصحاء خالين من أمراض القلب فوجدوا أن مرضى القلب كانوا أقل استعداداً للضحك من الأصحاء بنسبة تصل إلى أربعين بالمئة، وقال رئيس فريق الباحثين في جامعة ميريلاند مايكل ميلر: إن المقولة بأن الضحك أفضل دواء، صحيحة أيضاً في تقوية شرايين القلب·
وتعتبر هذه الدراسة، التي قدمت للمؤتمر السنوي لجمعية أمراض القلب الأميركية في نيوأورليانز، أول دراسة تبين العلاقة بين الضحك وروح النكتة وأمراض القلب· وتضمنت الدراسة أسئلة للمشاركين ليختاروا البديل الصحيح من عدد من الإجابات حول تحديد المواقف المضحكة والمفاجئة في الحياة اليومية، بينما كان مرضى القلب أقل استعداداً للضحك حتى عند المواقف الإيجابية·

اقرأ أيضا