الاتحاد

دنيا

التسوّل تجارة تبيض ذهباً

بيروت - الاتحاد:
التسول في لبنان على شكل مجموعة شحاذين، يتوزعون على مفارق الطرق واشارت السير، لاستجداء الحسنات من المارة، ظاهرة لافتة لم يتم التغلب عليها منذ عهود طويلة· كتل بشرية يقودها 'قبضايات' -فتوات-الاحياء كأبشع وسيلة لجمع المال، او مجموعة من الرجال الذين امتهنوا صناعة 'التسوّل' فاقاموا جمهورية خاصة بهم·
في هذا المجال أكثر من قصة وحكاية، محورها احياناً رئيس عصابة كان يتمركز في ساحة البرج يصدر أوامره لأتباعه المشكلين من لقطاء وابناء شوارع ممن جار الدهر على ذويهم، فعاشوا حياة الذل والمسكنة، وويل لمن يعصي أوامر الديكتاتور الذي يلجأ في حالة العصيان الى الحديد المحمى، فيصلي بها اجساد العصاة والمتمردين·
التسول مشهد يتكرر في عواصم عديدة من العالم وهو ليس ظاهرة لبنانية اوعربية إنما نسلط الضوء هنا على لبنان وسوريا بسبب تفشي الظاهرة بشكل مذهل·
أنى توجهت في العاصمة بيروت والضواحي، وحيثما حللت تجد نفسك امام المشهد التقليدي: مشوّهون، اصحاء وعجزة وبشر من كل الأعمار يمارسون لعبة الذل في طقوس غريبة عجيبة·
هنا نداء استغاثة يصم آذان المارة، يستدر عطفهم لحملهم على الدفع· وهناك حشد من صغار يطاردون عابر السبيل، يصدرون اصوات استرحام مبهمة العبارات· وفي زوايا الشوارع الرئيسية، تستوقفك مشاهد لأناس بثياب رثة ممزقة عارضة تشوهاتهم الخلقية المثيرة·
مضى زمن كان فيه عالم التسول في لبنان مرفوضاً ومنبوذاً من قبل المجتمع والدولة كمظهر انحطاط يشوه الحضارة والانسانية، وغالباً ما كان المتسول يسجن او يعاد تأهيله كمواطن في اصلاحية· اما اليوم وفي زمن الحرب، اخذت مشكلة التسول بعدها المأساوي والمهزلي في آن، ذلك ان حالة الإفقار العام والحاجة التي طاولت قطاعات شعبية واسعة، تزامنت مع 'مافيا' التسول التي تنظمها جماعات نبتت كالفطر السام في مسار الحرب الاهلية المدمرة التي كانت تعصف بلبنان·
بلد التسوّل
ربما من سوء طالع اللبنانيين ان صورة التسول اصبحت لصيقة بهم· فالإعانات والحسنات والتبرعات تأتيهم من كل حدب وصوب· حتى الذين في الخارج باتوا يعاملون معاملة دونية لانتمائهم للبنان· وهذا الأمر جعل غالبية الفئات الإجتماعية تشعر وكأنها مجبرة على العيش والعمل بالحد الأدنى من الشروط المادية والمعنوية، سواء في الداخل او في بلاد الاغتراب العربية والأجنبية·
ويطرح السؤال: هل هو قدر اللبناني ان يتحول الى متسول مستتر، فيما وطنه اصبح يستجدي الحل لأزمته من جميع الدول من دون استثناء؟
ما علينا إلا ان نأخذ كمثال انذارات اصحاب المدارس الخاصة الذين يهددون الصغار بالفصل وبحرمانهم من تلقي العلم ان لم يسدد القسط الشهري· اما اذا اتجهت الى المؤسسات والقطاعات الكبرى، فأنك ترى التسول يرتدي ثياباً مموهة، ظاهرها العمل الإنساني ونجدة المجتمع والمنفعة العامة، وباطنها اغتصاب لقمة العامل وسلب ماله، بكثير من الجدية والاحترام وحب الذات، ولا بأس من ان تتمعن ببعض المسابقات والدورات بالجوائز وحفلات اليانصيب حتى تعرف معنى التسول والشحاذة على حقيقتها الساطعة·
'بانوراما' خيالية
قصص، وروايات، وحكايات أغرب من الخيال، تروى بكثير من الجدية عن واقع التسول، لكنها تتعدى المعقول· ويقال ان امرأة متسولة في العقد الثالث من عمرها تحمل طفلاً يلبس ثياباً بالية متسخ الوجه كوسيلة لاستدرار عطف المارة· ويقول شهود عيان، ان هذه المرأة تستأجر طفلاً من امرأة اخرى، تتردد في الانضمام الى مملكة المتسولين، لاستخدامه لساعات في نشاطها الذي تكسب من ورائه ما يصل الى حوالي الـ50 الف ليرة يومياً·
لا شك ان الوضع الاجتماعي بعد سنين الحرب، أثر بشكل او بآخر على مجريات الحياة اليومية، لاسيما وان الطبقة الوسطى التي كانت الركيزة الأساسية في المجتمع اللبناني، انقرضت او بالأحرى انضمت الى الطبقة المعدومة، وهذا ما أدى الى اهتزازات مخيفة في التركيبة اللبنانية·
متسولة أخرى تحمل رضيعاً على صدرها رث الثياب تدور به بين السيارات، تستعطي المارة وركاب الحافلات، لعلها تحظى بحسنة، رفضت تصويرها بداعي ان زوجها سوف يعاقبها ان حصل هذا الأمر، قالت: لدي ثمانية أولاد لم يلبسوا قطعة ثياب جديدة منذ سنوات، ولا يعرفون طريق المدرسة كما غيرهم، وانا بالكاد استطيع إطعامهم، فماذا أفعل؟!
زوجي يتسكع منذ شهور عديدة بعد ان سدّت ابواب العمل في وجهه، نتيجة لإصابته بمرض عضال تفشى في جسده، فحوله الى انسان محطم ينتظر قضاء الله···
ماذا أفعل؟ يكفي ان الاولاد يغصون بالحرقة عند مشاهدتهم التلاميذ يذهبون الى المدرسة لتلقي العلم، بينما هم يسرحون في الطرقات والأزقة بسبب الظروف المأساوية التي نعيشها·
وإستطردت تشرح عن حالها: خلال شهر رمضان المبارك نحصل على بعض المعلبات والمواد الغذائية التي بالكاد تسد رمق 'العيال'، عدا انني 'أمترس' انا وأولادي امام بعض المراكز التي توزع الطعام في هذا الشهر الفضيل·
شحاذون مؤقتون يلبسون الثياب الجديدة ومن مختلف الأعمار، يختلطون بالمارة، ويتحينون الفرص بخجل شديد، فيطلبون من محسن مار بعض المال لشراء 'ساندويش' او أجرة سيارة تنقلهم الى حيث يريدون، او من أجل شراء أدوية ضرورية لذويهم، ولا بأس من جمع المال لاجراء عملية جراحية سريعة تنقذ مريضاً من الموت المحتم·
لله يا محسنين
كل يوم عند الساعة السادسة صباحاً، تصل سيارة 'بيك آب' مزدحمة بالركاب من مختلف الأعمار والأجناس، وتنزلهم في شارع معين· سرعان ما يتبين انهم يتعاطون مهنة التسول والشحاذة، فيتوزعون على مناطق الكولا والأونيسكو وكورنيش المزرعة والروشة والحمراء ضمن تنسيق تام وتبادل مراكز لا خلاف عليها·
هكذا هي اوامر 'الريّس' الذي يدير شبكة تسول 'لله يا محسنين'····
المخصصات محددة من قبل 'الزعيم'، ولا بأس ان كان الطقس ممطراً، والشغل خفيفاً، فإن أجرتهم يقبضونها كاملة مع حق الضمان والاستثمار·
المتسولون كما قلنا يتوزعون على تقاطع طرق فردان - الأونيسكو - كورنيش المزرعة، وهم بحالة استنفار امام السيارات، يمدون يد الاستجداء والشحاذة بكثير من المعاناة، التي تدل على هول المأساة وحجم الكارثة الاجتماعية التي وصلت اليها البلاد·
'لله يا محسنين'··· 'الله يخليلكم ولادكم'··· 'الله يرزقكم ببنت الحلال'··· عبارات مثيرة للشفقة والرحمة، تسمعها من رجل 'ضرير' في الخمسين، يمسك بيمناه فتى في العاشرة، وبيسراه عصا تساعده على السير، وآخر يزحف على ركبتيه بسبب بتر ساقيه ممتطياً جزمة بلاستيك، متنقلاً بين السيارات بكثير من الخفة· وايضاً بعض كلمات الدعاء، تسمعها من رجل ضخم الجثة، رث الثياب، حافي القديمن، يحاول مراراً تنظيف زجاج السيارات بواسطة فوطة صفراء مقابل بعض الليرات القليلة·
احدى المتسولات كانت تحمل ابنها وتجر خلفها فتاة في مقتبل العمر، قالت بعد تردد طويل:
تمنيت العيش مثل اي امرأة أخرى، لكن ما ذنبي اذا ما قسا الدهر على عائلتي؟، فأصيب زوجي بمرض عضال لا شفاء منه، فحرمنا من الحياة مثل غيرنا من البشر·
هذه المهنة كلها بهدلة لأن أيام الخير ولت، والاغنياء وأثرياء الحرب لا شفقة لديهم ولا رحمة·

اقرأ أيضا