الاتحاد

الهروب من المنزل


كثيراً ما يعتقد الآباء أن صغارهم لم يصلوا بعد إلى السن الذي يمكنهم من فهم ما يحيط بهم ويجري من حولهم، إلا أن التجارب المرّة أكدت أن الواعي الأكبر ــ إن صح لنا القول ــ لما يحدث والمتضرر بشكل مباشر من عدم الانتباه للتربية النفسية وانعدام منهج في التربية هو الطفل·
هذا الأخير الذي يترجم جام غضبه على واقع مرير باللجوء الى حل أمرّ منه ألا وهو مغادرة العش الأسري، الى فضاء الشارع الفسيح المليء بالمخاطر والعقبات بحثا عن حياة أفضل·
ونستطيع أن نعرف طفل الشارع بأنه 'كل طفل يقل عمره عن 18 سنة، مهمل من طرف أبويه أو من كافله أو من ولي أمره، إذ تعثر عليه متسولاً أو يجمع أعقاب السجائر أو يقوم ببعض المهمات الصغيرة في الأسواق مثل بيع الأكياس البلاستيكية وحمل الخضروات للمتسوقين أو مسح الأحذية·· يقضون يومهم وليلهم في الشارع، وحسب الاحصائيات ــ لوزارة التخطيط والتوقعات الاقتصادية بالمغرب ــ فقد بلغ عدد الأطفال المتخلى عنهم في المغرب حوالي 400 ألف طفل، أما أطفال الشوارع فيقدرون بحوالي 240 ألف طفل·
أقصر مراحل علاج هذه الظاهرة هي التعرف على الداء قبل وصف الدواء، لذلك سنضع أصابعنا على الأمراض الاجتماعية التي تساهم بل وتدفع الطفل دفعاً للهروب من المنزل ظناً منه أن الشارع سيعرضه عما ينقصه، ومن أول المظاهر التي تجبره على الهروب هي:
ــ التفكك الأسري،غالباً ما يعيش الطفل بين أحضان أسرة يبدو أنها مستقرة، لكن بين عشية وضحاها تجد الطلاق قد فكك نسيج هذه الأسرة دونما استئذان مما يسبب صدمة عنيفة للطفل، ويهدم استقراره الداخلي، فيجد نفسه قد انقسم الى نصفين بين حاجته لحنان الأم من جهة، ولرعاية الأب من جهة ثانية والغريب في الأمر أنه قد يُخيّرفي أحد الطرفين دون مبالاة بأن الطفل لا يستطيع الاستغناء عن أحدهما على حساب الآخر·
وحتى إذا اختار أحدهما فسيجد نفسه ــ إلى جانب غياب الشطر الثاني ــ أمام قسوة زوجة الأب أو تسلط زوج الأم، يختار في الأخير التنازل عن الشطرين معاً والالتجاء الى الشارع بحثا عن الشيء المفقود·
ــ العنف والقسوة قد يحدث أن تتحول الأسرة عن الهدف الرئيسي الذي جعلت لأجله ــ وهو الحنان والحب والعطف ــ إلى مصدر القسوة والعنف سواء المادي الجسدي أو النفسي، مما يجعل الطفل يفقد الطمأنينة والشعور بالأمان، فتكبر عنده الحساسية المفرطة في تفسير تصرفات الآخرين تجاهه نظراً لاضطرابات الطبع التي تتولد لديه جراء ما يعانيه، وهذه التصرفات قد تنتج أيضاً من طرف الولي بعد وفاة الوالدين إضافة الى العالم الخارجي الذي كثيراً ما يكون سلبياً في تعامله مع نفسية اليتيم فيكون الزجر والعنف والقسوة، لذا نبه الله سبحانه وتعالى إلى الاحتياط في التعامل مع مثل هذه الشريحة من المجتمع فقال: (فأما اليتيم فلا تقهر) (الضحى 9)·
ــ الفقر من أهم العوامل التي تدفع الطفل الى العيش في الشارع الذي لا يختلف كثيراً عن وضعه داخل الأسرة الفقيرة التي تحمله عبء تكفل مصاريفه الخاصة في أحسن الأحوال، وقد نجد الطفل يتحمل مسؤولية عائلة لعوزها أو لوفاة الأب، مما يشعره أنه يتحمل مسؤولية تفوق سنه، وغالباً ما نجد أن الأعمال التي يقوم بها هذا الطفل تيسر له طرق الانحراف وبالتالي الهروب من البيت بحثاً عن فضاء حر·
ــ الإهمال: نظراً لكثرة المسؤوليات لدى الأم، ولظروف عمل الأب بحثاً عن الرزق، يجد الابن نفسه مهملا يعيش بدون رعاية ولا رقابة لتصرفاته التي لا يعرف هل هي محل انتقاد أم لا، ليفاجأ بالمحيطين به خارج العش الأسري يوجهون اللوم له ولانحرافاته ويلاحقونه باستمرار مما يشكل سبباً من أسباب هروبه إلى مكان يعتقد أنه آمن·
ــ الطرد المباشر من طرف الأسرة: إما بسبب الفقر أو التسلط والقسوة أو عدم الرغبة في تحمل أخطاء الابن المتكررة· تلجأ الأسرة إلى طرد ابنها ظنا منهم أنه لن يقدر على مغادرة البيت لكونه يعتمد عليهم في اعالته وظنا منهم أيضا أن الطرد من أساليب التربية فتهدد بذلك بين الفينة والأخرى لتفاجأ الأسرة بهروب الابن من البيت والانخراط بشكل تلقائي ضمن سلك المشردين·
هاجر الملا

اقرأ أيضا