الاتحاد

دنيا

حسن شريف: عائلة التشكيل كبرت


حوار - أحمد خضر:
فنان تشكيلي خجول، يحترف الصمت أحياناً، ويلوذ بالعزلة والوحدة في أغلب الأحيان، وهو يقتحم مجالاً من الفن التشكيلي المعاصر، يجده بعض المتلقين غرائبياً، لكنه يمتلك الإصرار على السير في ذات الاتجاه لتقريب المتلقي من أشيائه، فهو كما يقول لا يسمي عمله لوحة، أو نحتاً، بل شيئاً، وهذا الشيء ظهر في أوروبا مبكراً، وهو خريج أحد المعاهد الفنية في بريطانيا، لذا جاءت أشياؤه التي تفترش مساحة معينة من الأرض محملة بأفكار إبداعية احترافية عالمية، ومعبرة عن مسيرة الفنان التشكيلي الإماراتي حسن شريف منذ كان طالباً في المدرسة مروراً برحلته العلمية اللندنية، إلى أن عاد إلى الإمارات وحط فيها الرحال بداية الثمانينات ليبدأ مسيرة الفن التي يقدم فيها صفوة أفكاره، وعصارة ذهنه، ويشتغل بيديه فيلفت النظر إلى تجربة إماراتية جسورة ونادرة، ومعه يستمر الحوار:
لنعد قليلاً إلى البدايات، كيف بدأت رحلتك مع الفن؟
ولدت في دبي ودرست بمدرسة الشعب وهناك كنت أرسم وكان مدرس الرسم يحب أعمالي ويشجعني وكنت معروفاً في المدرسة بـ (رسام الشعب)، وفي العام 1970 نشرت رسوماتي، وفي العام 1979 ظهرت رسومات الكاريكاتير الخاصة بي في مجلة الإطار بدبي وجريدة الوثبة وصحف ومجلات أخرى في الإمارات، وفي تلك السنة ذهبت إلى بريطانيا لدراسة الفنون وعشت هناك خمس سنوات حصلت فيها على دبلوم بايمشو للفنون في لندن، وفي العام 1984 بدأت أنتج أعمالاً والتي أسميها الآن أشياءً بالإضافة إلى نشر مواضيع حول الفن التشكيلي في الصحف والمجلات، وفي العام 1987 أسست المرسم الحر التابع لمسرح الشباب والفنون التابع للهيئة العامة للرياضة والشباب في دبي·
بما أنك فنان تشكيلي ذو طابع خاص، فهل تكتب من زاوية التركيز على الأعمال المشابهة والقريبة من تجربتك أو الناقد الفني المحترف ؟
أكتب في المواضيع التشكيلية بصورة عامة وخاصة تلك القريبة من أعمالي، لأني شعرت في ذلك الوقت (1984 ) أن المجتمع رفض أعمالي فكنت مصمماً أن أكتب كي أوضح للمتلقي النظريات والأفكار والتطور الكامن وراء هذه الأشياء والنظريات الفكرية والثقافية المرتبطة بهذا النوع من الفن·
تطور نوعي
بعد كل هذه السنوات هل تشعر بالنجاح والقدرة على اجتذاب المتلقي ؟
نعم، أشعر بالكثير من الراحة النفسية لأن أعمالي أصبحت مقبولة من قبل المؤسسات الثقافية والجمهور، ويرجع الفضل في هذا إلى دعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي وابنته حور القاسمي خاصة من خلال الدورة السادسة والدورة السابعة لبينالي الشارقة ومن خلال الأنشطة التي تقوم بها دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة حيث أصبحنا كفنانين معروفين ليس فقط محلياً أو عربياً وإنما وصلنا إلى العالمية من خلال بعض المعارض التي شاركنا فيها مثل معرض الخمسة في ألمانيا (متحف بودونيس) في أخن بألمانيا، وحاليا يزورنا (فوميونانجو) وهو ناقد فني ومدير أحد المتاحف في اليابان، ومنظم بينالي سنغافورا القادم، وقد جاء إلى الإمارات ليستطلع مستوى التطور الذي حصل في مجال الفن التشكيلي بدولة الإمارات، وقد زارني في البيت في ورشة عملي، وتحدثنا عن الحركة التشكيلية في الدولة، وبالتالي فإن وجود هؤلاء الأشخاص بيننا، ومجيئهم إلى الدولة، دليل على الجهد المتميز والكبير الذي يبذله المسؤولون في مجال الفن البصري والثقافة بشكل عام، وعلى ارتقاء تجربتنا وصعودها·
تكرار حتى الملل
تبدو أعمالك غريبة عن تلك التي اعتادها المتلقي، هل تندرج في إطار العولمة، وما طبيعة المواد التي تستخدمها ؟
العمل الذي تراه أمامك عبارة عن (فول) ألمنيوم، وأوراق ألمنيوم مع قماش فيه التكرار إلى درجة الإملال، وهذه طبيعة جميع أعمالي·
لماذا لا تستخدم اللون ؟
لا ألون المادة، وإنما أحافظ على اللون في جميع أعمالي لأن الألوان موجودة في كل مكان، وأشعر أنني إذا لونت المادة أخربها·
هذه صرعات فنية···
لا أسمي أعمالي لوحة، أو نحتاً، لذلك أسميها أشياءً·
لماذا ؟
لأنني لا أتعامل من خلال أعمالي بالكتلة والفراغ، كما النحات، لذلك اسميها أشياءً·
القديم والراهن
ألا ترى أن مسألة الصنع اليدوي والذي له علاقة بالمهن اليدوية فيه نوع من الرومانسية والحنين للماضي ؟
ليس القصد الرجوع والحنين الرومانسي إلى القديم، وإنما إحضار القديم، والمهن اليدوية القديمة إلى الزمن الحاضر بوضع العملية في سياق الفن البصري المعاصر·
هل تعتقد أن أحجام أعمالك كبيرة ؟
أحجام أعمالي ليست كبيرة كالنصب التذكارية ولا هي صغيرة جداً كالمجوهرات التي تلصق بجسد الإنسان الذي يحاول إعادة النظر إليها بنظرة قداسة·
كيف تقرأ أعمالك؟
أعمالي بسيطة جداً، متوفرة في أي مكان وهي عبارة عن استخدام مواد استخدمت من قبل الآخرين·
أنتج الفن المعاصر
ما الذي تنتجه بالضبط ؟
أنتج الفن المعاصر، والعمل الفني الذي له علاقة بالزمن الحاضر، وطريقة إنتاجي ليست غريبة عن المشاهد المدرك لتطور الفن التشكيلي، ولو نرجع تاريخياً فإن هذه الطريقة انتشرت في أوروبا وأميركا في الستينات، ثم الكثير من دول العالم مثل الهند والصين ودول أخرى·
هل تقتني أعمالك التي تحتاج إلى غرف ومساحات واسعة لافتراشها ؟
هناك أناس يعتقدون أن هذه الأعمال لا تقتنى، ولكن العكس هو الصحيح، مقتني هذه الأعمال مختلف عن مقتني اللوحة التقليدية، وبالتالي هذه الأعمال تقتنى في أوروبا، وأنا واثق من أن المستقبل يحمل في طياته مقتنين لأعمالي·
هل اقتنى أعمالك أحد ؟
نعم، الشيخ حسن بن علي آل ثاني في حكومة قطر اقتنى أكثر من 30 عملاً من أعمالي من مختلف المراحل، واقتنيت من قبل بعض المتاحف مثل المتحف العربي للفن المعاصر في الدوحة، ومتحف الشارقة للفنون، ومركز سيترد للفنون ـ هولندا·
لماذا لجأت إلى هذا اللون من التعبير الذي قد لا تجني منه أرباحاً مادية ؟
هذا هو حقلي، وأشعر في هذا المجال بالسعادة، لأنني خلقت لنفسي هذا الجو، وأنا أنتج قصداً، وبالتالي فإن كل إنسان يستطيع التعبير عن إحساسه ومشاعره من خلال لغة بصرية، هذا هو المهم، أي بمعنى كيف تعبر أهم من التعبير نفسه·
بعد ربع قرن
كيف تقيم تجربة الجيل الجديد من الفنانين التشكيليين في الإمارات ؟
في معرض اليوبيل الفضي لجمعية الفنون التشكيلية فإن ثلاثة من الفنانين الشباب قاموا بتنظيم المعرض، وهذا دليل على أنه بعد ربع قرن يستطيع الشباب تنظيم المعارض، وهذا هو هدف الجمعية، وبالتالي استطاعت الجمعية من خلال إدارتها الحالية أن تجعل الهدف ملموساً، إنني أفتخر بالأعمال الفنية للشباب، وأفتخر بمواضيعهم ومقالاتهم الكتابية في مجالات الفن البصري والتي تنشر في الصحف والمجلات المحلية مثل هدى سعيد سيف، ابتسام عبد العزيز، ليلى جمعة· وفي الخمس سنوات الأخيرة ظهرت أقلام جديدة تكتب عن الحالة البصرية، وهذه غير موجودة في بعض الدول التي سبقتنا·
ما طبيعة المشاعر التي تحملها لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية وأعضائها المخضرمين بعد ربع قرن على تأسيسها؟
أشعر أن الجمعية بيتي، والآن عائلة التشكيل كبرت، والعديد من الشباب المهمين ظهروا، وهذا دليل على أن الإنسان هو المحور الذي يدور حوله الفن، والجمعية دعمت وقدمت الفكر من خلال الشباب الذين ظهروا، إذ لم يكن هدف الجمعية خلق رسام، وإنما الهدف الأساسي خلق شاب يفكر ويدرك طبيعة الفن ووظيفة الفن ودوره في المجتمع·
وظيفة الفن
لكل زمان فنه فما هي وظيفة الفن في هذا الزمن ؟
من خلال الفن تقول للآخر بأنك موجود في هذا المكان والزمان، وتمتلك القدرة أن تبوح عن ذاتك من خلال اللغة البصرية المعاصرة، وليس اللغة البصرية القديمة، وحين يدرك الإنسان أن بإمكانه أن ينتمي إلى هذا الزمن في هذا المكان، فهذا بحد ذاته إحدى وظائف الفن·
إلى اي مدى يواكب الفنان التشكيلي العربي الحركة البصرية العالمية ؟
أذكر في هذا المجال اسم منى حاطوم وهي فنانة تشكيلية فلسطينية مهمة جداً تعيش في بريطانيا، واستطاعت أن تثبت نفسها جنباً إلى جنب مع فنانين كبار، وعندما نرى أن هناك فنانة مثل منى حاطوم نفتخر، وهناك فنانة أخرى من دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي فاطمة لوتاه، تعيش بين إيطاليا والإمارات، وتقيم معارضها في أوروبا، وتناطح بكل جرأة المؤسسات الثقافية والفنية هناك، وتشارك مع الفنانين الكبار في المعارض، ولا ننسى دور الفنان الإماراتي محمد كاظم الذي شارك قبل عام في ألمانيا مع عشرة فنانين عالميين وهو الوحيد من بين العرب الذين اختيرت أعمالهم للمشاركة في معرض بألمانيا·

اقرأ أيضا