الاتحاد

دنيا

إبراهيم فقد بصره فنوّرته بصيرته

موزة خميس:
إبراهيم محمد كان الطفل الوحيد لوالديه، وكانت والدته رحمها الله شديدة التعلق به والخوف عليه· سافرت أسرة إبراهيم الى الكويت بحثاً عن الرزق في زمن ما قبل النفط· وعندما التقيت بإبراهيم لأول مرة عن قرب انبهرت بثقته الكبيرة بنفسه، وهي أكثر ما يميزه عن الكثير من البشر· فعندما كنت طفلة على أعتاب المراهقة، كنت أجلس أراقب إبراهيم لأجد له خطأ قد يقترفه وهو يمارس حياته اليومية، وقد يتساءل البعض لماذا؟
الجواب ان إبراهيم لم يولد كفيفاً وإنما أصبح كفيفاً بسبب حادثتين· وكان لدي فضول عندما كنت طفلة ان أتعرف أكثر على أول إنسان كفيف يمارس حياته وكأنه لا يعاني من أي إصابة·· ولكن الفرصة لم تسنح إلا عبر 'الدنيا حلوة'·
في إحدى الاجازات الصيفية علمت ان إبراهيم سيحل علينا ضيفاً، حيث سيأتي من الكويت، وبعد الاستقبال طلب إبراهيم أن يتعرف على مرافق البيت والمكان الذي سيقضي فيه وقته بيننا، فقمنا بجولة كانت الأولى والأخيرة حيث انطبع كل شيء في بصيرته، وأصبح يذهب ويأتي الى أي مكان بمفرده دون مرافقة احد·
وهكذا كنا نفعل عندما نضع الطعام حيث يمسك والدي بكف إبراهيم ويخبره عن موضع الأطباق وأصنافها، ثم نتركه ليتناول طعامه فلا يخطئ الطبق الذي يريد أبداً، كأن يضع كفه خارج الطبق أو يضرب طبقاً آخر دون قصد·
كان شديد الهدوء، كثير الابتسام، لم أشاهده يتحدث دون أن يبتسم إلا مرات نادرة، وكان شديد النظافة، حتى أني كنت أعتقد انه أبيض اللون من كثرة ما يغتسل ويستحم، ولا أتذكر أني شاهدت أي بقعة على أي ثوب له·
عندما أتى من الكويت كان يحمل معه آلة كاتبة وكنت أشاهد تلك الآلة لأول مرة في حياتي ولذا كنت مشدودة لها وكانت أجمل اللحظات تلك التي يعمل فيها إبراهيم على الآلة الكاتبة· ولم أكن اعرف ماذا كان يطبع أو يكتب، حيث لم أحاول أبدا استراق النظر لأوراقه، ولكني كنت أستمتع بمشاهدة عملية الطباعة، ولكن عند القراءة لم يكن يقرأ من الأوراق التي طبعها، وإنما كان يخرج كتبا مكتوبة بطريقة 'برايل' التي يستخدمها المكفوفون والتي لم يسبق لي أن عرفتها ولكنه شرح لي ما هي وكيف يقرأ كل حرف·
فيما بعد طلبت من إبراهيم أن يعلمني الطباعة على الآلة فوافق ولكن بشرط، أن أكون أمينة معه وأعده ألا أنظر الى الحروف وأنا أطبع، وإنما علي أن أحفظ أماكن الحروف دون النظر أثناء الطباعة، وكانت هذه النصيحة هي المفتاح الذي جعلني أتقن الطباعة بسرعة في سن الطفولة حيث كنت أغمض عيني وأتخيل أماكن الحروف·
حادثة البئر والمشرط
كان الطفل إبراهيم مثل جميع الأطفال يحب اللهو واللعب، ولم يكن يعلم أن الأقدار كان تخفي له مفاجأة مؤلمة في ذلك اليوم الذي سقط فيه داخل بئر عميقة، الى ان جاء من ينتشله· كانت المياه قد لعبت دوراً كبيراً في إصابة إحدى عيني إبراهيم، حيث أتلفت المياه -والتي يبدو انها كانت ملوثة- عين إبراهيم ولم يعد يرى، فقامت الأسرة باصطحاب طفلها المصاب إلى إحدى الدول الخليجية للعلاج، حيث علموا أن الجراحة قد تعيد البصر للعين المصابة، وهناك وقعت المصيبة الأكبر، فقد أتلف الجراح أثناء العملية العين السليمة بواسطة المشرط وهو يجري عملية العين المصابة، ولم تنجح في ذات الوقت عملية العين المصابة، وهكذا فقد إبراهيم البصر كلياً· وعندما سافر الوالدان الى دولة الكويت بحثاً عن فرصة عمل أفضل كما كان يفعل معظم الرجال، سعى الوالدان نحو هدف كبير وهو أن يتعلم إبراهيم حتى يحصل على الشهادات العالية·
بدأ إبراهيم يتلقى علومه في معاهد النور ثم تابع في ثانوية الشويخ، ثم أكمل في جامعة الكويت، قسم اللغة العربية، وتخرج عام 1977م· وفي الكويت كان معه في السكن الداخلي مجموعة من الأصدقاء الذين تشاركوا معه في الطعام والشراب والنوم والدراسة وارتبط معهم بصداقة مستمرة ومنهم سلطان مدير مدرسة عبدالله السالم بالشارقة، وكذلك أحمد سليمان وهو حاليا يعمل في منطقة نزوى بالإمارات·
كانوا يلتقون طوال الوقت وربطتهم صداقة حتى عادوا الى الإمارات وعمل كل منهم في مكان، وكانت أول وظيفة لإبراهيم هي معلم في مدرسة عبدالله السالم، حيث درس اللغة العربية لمدة سنتين للصف الخامس والسادس الاتدائي، ثم انتقل لمدرسة علي بن أبي طالب ليدرس اللغة العربية والتربية الإسلامية·
وعندما سألت إبراهيم عما إذا كان قد واجه أي صعوبات مع الطلاب خلال وظيفته كمعلم قال : على العكس تماما، كان إبراهيم ينتهج اسلوبا ذكيا أساسه ألا يحرج الطالب أمام بقية الطلاب، فكان يخبر الطلاب عن اليوم الذي سيسمع لهم ما تم حفظه، وقد وعد الطلاب ألا يطلب من أي طالب بالاسم الإجابة، وإنما على الطلبة أن يخبروه قبل بدء الدرس من منهم جاهز للإجابة ومن منهم لم يحفظ·
هذا الأسلوب جعل الطلاب يقبلون على هاتين المادتين بشغف حتى تحسنت أوضاع الطلاب الكسالى ذوي المعدلات المتدنية، وأصبح الطلاب يذهبون من تلقاء أنفسهم إلى معلمهم إبراهيم كي يسألهم أو يناقشهم· كما تحسنت سلوكيات الطلبة المشاغبين، وأصبحوا أكثر هدوءا· وقد جاء مدير المدرسة لإبراهيم وطلب منه أن يخبر بقية المعلمين عن الخطة التي يتبعها والتي تجعل من الفصل الذي يشرف عليه هادئاً في الوقت الذي تسمع فيه أصوات الطلاب في الفصول الأخرى· ورغم إن إبراهيم ترك التعليم منذ سنين طويلة، ورغم أن طلابه أصبحوا رجال أعمال ومدراء ، لكنهم لا زالوا يتذكرونه إلى اليوم ويذهبون إلى منطقة الشارقة التعليمية كي يسلموا عليه ويطبعوا قبلاتهم على رأسه دليلا على الولاء والوفاء·
الإعلام التربوي
في عام 1982 ترك إبراهيم التعليم وانتقل للعمل كمسؤول عن الإعلام التربوي في منطقة الشارقة التعليمية، حيث تم تكليفه بمهام إبراز انشطة المدارس في منطقة الشارقة لدى أجهزة الاعلام، والتنسيق مع المحاضرين الذين سيلقون محاضراتهم أو يقيمون دورات في المدارس· وقد وضع إبراهيم أسسا ثابتة جعلته محبوبا من كل الذين يعملون معه، وإن حدث وزار أي إعلامي إبراهيم والذي اشتهر بلقب 'أبوجمال' في مكتبه فسوف يجد أن معظم من حول إبراهيم يسألونه عن ارقام واسماء ومواعيد قد لا تكون من ضمن مهمته الإجابة عليها، ولكن ذاكرة إبراهيم جعلت من حوله لا يستغنون عنه، وهم يطلقون عليه لقب دينامو المنطقة·
ولأنه يقظ وحاضر الذاكرة والبديهة فقد استطاع أن يحقق لنفسه التألق ويصنع تلك الهالة التي تحيط به من التميز·
مرب حنون وفعال
يؤكد إبراهيم ان أهم ما في حياته أسرته ووظيفته، ولذلك لا يجد أي وقت ضائع لديه· وهو يرى أن أجمل ما حققه، إصراره على أن يتعلم وينجح· كان يقضي جل وقته في الاستذكار والاطلاع، وبعد أن أصبح موظفاً وزوجاً وأباً أعطى الوقت لهذه العناصر التي هي سر سعادته وشعوره أن كل شيء جميل، وأن الانسان هو من يصنع الجمال والسعادة ولذا عليه ألا يبحث عنها، بل ينتجها·
زوجة إبراهيم تؤكد أنها لم تجد من البشر من هو أكثر حنانا وتفهماً وديمقراطية من إبراهيم الذي تعلمت على يديه كيف تحب وتسامح وتصبر وأن تتأنى ولا تتتسرع، وأن تتسم بالهدوء الذي أصبح سمة من سمات الأسرة·
تصليح الإلكترونيات
اعتمادا على ذاته تعلم إبراهيم كيف يتعامل مع الأجهزة الكهربائية والالكترونية وأصبح يصلح الكثير من الأجهزة في المنزل، كما قام بعمل الكثير من التمديدات الكهربائية·
واكتشفت أسرته الحالية عبقريته حيث يجلس في هدوء ويصلح بعض الأعطاب في هواتفهم المتحركة فيتحسس إبراهيم الهاتف ويتعرف عليه ثم يبدأ في محاولات للوصول إلى العطل·

اقرأ أيضا