الاتحاد

دنيا

العاطفة تحرر الذكاء المهني

د· نصر الدين لعياضي :
عاد المصور الصحفي الجزائري محمد ميصارا إلى موطنه سالماً، بعد أن قضى 18 شهراً في العراق· لقد توجه إلى بغداد يوم 26 يونيو 2004 ليغطي جانباً مما يجري في هذا البلد الشقيق، على أمل أن يعود إلى الجزائر بعد 45 يوماً· لكن الأشهر توالت ولم يعد لسبب بسيط، بل لسببين، أولهما أن الصحيفة التي كان يشتغل فيها قد أرغمت على غلق أبوابها، وثانيهما أن الوكالة الألمانية للصور الصحفية 'يوروبيون برس فتو أجنسي' قد عرضت عليه العمل كمراسل لها من بغداد ·
لقد أنضجته التجربة العراقية، وأزداد إيماناً بالقضاء والقدر· لقد كان يغادر بعض المطاعم أو المقاهي دقائق قبل تفجيرها! فيلجأ إلى آلة التصوير ليحتمي بها! فتساعده في السيطرة على خوفه· يقول إنه لا يخاف من الموت، لأنه قدر كل شخص· لكنه يخاف من أن ينهي ما بقي له من الحياة معاقاً، خاصة وأنه أخذ الكثير من الصور داخل المستشفيات لأشخاص فقدوا أقدامهم أو بصرهم· أليس هذا الخوف ضرباً من العقلانية ؟ وهل أن المصور الفوتوغرافي الذي يعيش يومه، وربما ليله في جو القتل، والجثث وأشلاء البشر، والسيارات المفخخة يتخلص من رهافة إحساسه، ويطلّق مشاعره حتى يستطيع أن يستجيب لنداء الواجب المهني؟ لا يجيب محمد ميصارا، ببساطة، لأنه يعتقد أن هذا الإحساس يتعمق أكثر فيدفعه لتصوير المأساة الإنسانية، والألم والفاجعة وللتأكيد على ذلك يقول: لقد رسبت في ذاكرتي صورتان زعزعتا وجداني· الصورة الأولى تتعلق بعجوز كانت تنتظر الإفراج عن ابنها من سجن أبو غريب في يوليو ·2004 لقد شاهدت كل الذين أطلق سراحهم يغادرون السجن، ولم تر ابنها· فرفضت العودة إلى بيتها بدونه· فبدأت في العويل والبكاء والصراخ·· وبعد لحظات أفرج عن ابنها، فهرول مسرعاً نحوها· وفتحت ذراعيها لاستقباله، وهي تصرخ فرحة· لكنه لم يحتضنها، بل سجد أرضاً ليقبل رجلها !
العاطفة
أما الصورة الثانية، فتمثل شخصاً مر صدفة على مستشفى بعقوبة ليطمئن على زملاء شقيقه العسكري بعد أن استهدفت سيارة مفخخة حاجزاً عسكرياً في البلدة ذاتها· لقد كان يعتقد أن أخاه في البيت ولم يلتحق بموقع عمله· وعندما عرج على الغرفة التي سجيت فيها الجثث لمح جثة أخيه، فأخذها بين يديه وبدأ ينتحب، ويصرخ·
إن حضور العاطفة في التصوير الفوتوغرافي لا تقتضي غياب الذكاء المهني والسياسي· إن المصور الصحفي الفرنسي: جون ـ كلود كوتوس الذي التحق بالصحافة الفرنسية منذ سنة 1982 يتحدث عن تجربته في الأراضي الفلسطينية المحتلة قائلاً: 'كان المصور الصحفي الذي يغطي الانتفاضة الفلسطينية الأولى يقف 'فيزيائياً'، دائما، وسط الإسرائيليين حتى يلتقط صوراً للأطفال الفلسطينيين وهم يرشقون الجنود الإسرائيليين بالحجارة· المهم بالنسبة لي هو تصحيح هذا الوضع من خلال الانضمام إلى الأطفال الفلسطينيين· لكن نظراً لوجود فضاء شاسع لا يسمح بإبراز هذا الصراع المغلق اخترت أن أبتعد قليلاً عن الفعل العنفي لأتمكن من تصوير الجنود الإسرائيليين والأطفال الفلسطينيين معاً في نفس الإطار·
من يشاهد صوره في الكتاب الذي أصدره تحت عنوان 'رقصة الحجارة' يدرك صواب وجهة نظره وإنصافها لراميي الحجر أمام قاذفي الرصاص الذي ليس دائماً مطاطياً، كما يقول·
مشكل
إن المشكل الأساسي الذي كان يعاني منه المصور الصحفي الجزائري في بغداد هو ضغط العمل في وكالة التصوير التي توجه النشاط نحو الأحداث الطارئة، خاصة تلك المتعلقة بالجانب الأمني أو غير الأمني على وجه الدقة· لكن رغم هذا فقد حاول، في بعض المرات القليلة، أن يفلت من هذا الضغط· فصور مظاهر الاحتفال بعيد الحب في بغداد يوم 14 فبرابر! نعم الحب في هستيريا الحرب·
إن المصور الصحفي الفرنسي يطرح المشكل ذاته لكن من زاوية أخرى أكثر عمقاً· حيث يقول إن العمل في صحيفة يومية يفرض عليك إنتاج صورة تلخص أو ترمز إلى قضية معقدة، مثل النزاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو أي نزاع آخر، دون أن تنغمس في إعادة إنتاج الصور النمطية السائدة لدى العامة· أما العمل في مجلة أسبوعية، فإن المصور الصحفي يملك مساحة أكبر يجب أن يملأها· لذا المطلوب منه أن يقدم مجموعة من الصور التي تلتقي في لحمة سردية· فالصعوبة تكمن في صياغة القصة السردية التي ترويها الصور· كيف؟
السرد المصور
يقول المصور الصحفي جون ـ كلود كوتوس: إن السبب يكمن في أن الصورة الفوتوغرافية لا تبوح، دائماً بالحقيقة لأنها لا تملك سوى بعدين: الطول والعرض· وتفتقد الروائح، والضجيج· هذا إضافة إلى أنها تقصى كل من يوجد خارج الإطار الذي تم تصويره· فيكفي في بعض الأحيان أن نغير الإطار الذي يتضمن الصورة حتى يتغير المعنى، وتستبدل 'الحقيقة'!
إن الصورة التلفزيونية والصورة المتحركة، بصفة عامة، تستطيع أن تحكي عن الحرب أفضل من الصورة الفوتوغرافية، لأنها تقدم الكثير من الأشياء والتفاصيل·
لكن هل صعوبات المصور الصحفي للحرب ومتاعبه تنتهي عند هذا الحد؟ كلا يجيب المصورون· لأنهم خلافاً للصحافيين لا يستطيعون أن يصلوا إلى مكان الحدث متأخرين أو يكتفون بتصريحات من شهد الواقعة ليكتبوا ريبورتاجاً ينفرد بدقته، ويقترب جداً مما جرى· فيمكن للصحافي ألا يحضر في المعارك ويكتب عنها باستغلال ما يصله من بيانات من مصادر عسكرية· وهذا لا يتسنى للمصور الفوتوغرافي· لكن إذا حضر المصور الصحفي إلى المكان المناسب في الوقت المناسب أثناء الحرب، فمن الممكن أن يلقى حتفه برصاصة ليست دائماً طائشة· وإن لم تفعل فإنها ترحمه وتترك في جسمه ندوباً قد تؤدي إلى إعاقة دائمة· وإذا كتب له القدر أن يواصل عمله وسط المعارك والاشتباكات المسلحة والعمليات الانتحارية، بكامل قواه العقلية والبدنية فإنه يخشى من نظرة الناس الغاضبة والحاقدة عليه· ولهم الحق في ذلك لأنهم تعودوا على أخذ الصور في ظروف احتفالية وفي مناسبة سارة: حفل زفاف، خطوبة، ختان، نجاح في امتحان· ولم يدأبوا على تخليد ظروفهم المأسوية في صور· ولا يستسيغون أن تؤخذ لهم صور وهم في حالة يرثى لها وتثير شفقة الغير·
بين نارين
إن نظرة الناس للمصور الصحفي تبدو، رغم قسوتها، أرحم من الموقف الذي يجر إليه في بعض الأحيان، والمتمثل في الاستسلام لإرادة حاملي السلاح والمشاركة في بث الدعاية عبر الصور والإسهام في التضليل والتشويه أو الاقتناع بأوامر النهي والرفض والرقابة· هذا الموقف يعرفه كل مصور عاش تجربة الحرب على أفغانستان· فعن هذه التجربة يقول المصور الصحفي العامل بوكالة الأنباء الفرنسية، فنسن أمالفي: 'إن المهجرين على الحدود الأفغانية ـ الباكستانية والأفغانية ـ الإيرانية والبؤس، والطالبان بلباسهم التقليدي كلها أشياء جيدة، لكنها لا تقدم فكرة عن الحرب التي شاركت فيها أغنى خمس دول في العالم ضد أفقر دولة في العالم'· لعل هذه الحقيقة هي التي أوحت للباحث الفرنسي بول فيرلو بالفكرة التالية: 'إننا ضحايا الحرب التي تجري في الشاشة الصغيرة، شأن ضحاياها الحقيقيين في أرض الواقع!· فرغم التطور التكنولوجي الرهيب: الصور الرقمية المرتبطة مباشرة بالأقمار الصناعية والتي تصب في الاستوديوهات أو مقر الصحف ووكالات الأنباء المصورة، لم نر الكثير من الصور التي تروي الحرب في أفغانستان، على سبيل المثال· فماذا قدمت لنا الصور، عملياً، عن هذه الحرب: 'رجل أفغاني يسلم ذقنه لحلاق ليحرره من اللحية التي أسرته ردحاً من الزمن، امرأة أفغانية تطرق الشارع سافرة الوجه، وميض من النور يشق الظلام للدلالة على القصف بالصواريخ، خيوط من الدخان تترأى من بعيد للدلالة على قصف جوي···'·
البعض يعتقد أن هذه الصور وما يشبهها في نزاعات مسلحة مماثلة تؤكد تطور نظرة البشرية للحرب· فالحرب في عصر هيمنة الصورة أصبحت أقرب إلى 'لعبة إلكترونية' تديرها أزرار· فالشاشة أصبحت ميداناً إضافياً للمعركة يتمتع بالأهمية ذاتها التي تتمتع بها المواقع الاستراتيجية في النزاعات المسلحة: نقاط الماء، طرق وجسور أساسية للعبور، مرتفعات، وغيرها· ومن أخفق في السيطرة على الشاشة الصغيرة خسر الحرب·
تعود
لعل البشرية تعودت على إدراك الحرب من خلال بعض الصور التي تحولت من كثرة الاستعمال والتداول إلى 'أيقونات' دينية، ويشاطرها في ذلك بعض المصورين الصحافيين· ويمكن أن نذكر منها: القصف المدفعي أو الجوي، رد السلاح المضاد للطائرات، تحرك المجموعات والفرق العسكرية، نفير سيارات الإسعاف وهم ينقلون الجرحى والمصابين··· الانفجارات، الأشلاء البشرية المتناثرة وسط ركام سيارة مفخخة···
يقول المصور الصحفي الفرنسي جون ـ كلود كوتوس: إنه يمكن أن نبرز الحرب في الصورة الفوتوغرافية، بشكل أكثر عمقاً ودلالة· فبالنظر إلى تجربته الثرية، يذكر أن إبراز امرأة أنحف من ظلها يلفها الحزن، في حي سكني رمادي بيوغسلافيا سابقاً تنشر غسيلها الذي يختصر في بذلات عسكرية قد يثري النظرة للحرب· كما يمكن أن نروي، بشكل أفضل، الحرب في البوسنة، عبر صورة جد بوسني هُجر من مدينته، فرحل على متن سيارة عتيقة من نوع 'فيات' الإيطالية المصنعة في يوغسلافيا حاملاً متاعه المتواضع· ووسط هذا المتاع يبرز إطاراً عتيقاً لصورة والده معتمراً طربوشاً·
ضمير
يبدو أن الضمير هو الذي يحرك نشاط الصحافيين المصورين ويدفعهم للتفكير، على غرار المصور فيليب بلنكسوب الذي كان حاضراً في كل محن جنوب شرق آسيا، في موقفهم مما يجري حولهم وفي العائد الأخلاقي لمهنتهم، إذ يقول: 'أتسأل، دائماً، هل يحق لي أن أجني أرباحاً ـ وهذا هو شعوري غالباً ـ من مآسي الآخرين· لكن سرعان ما أبرر ما أقوم به بطريقتي الخاصة بالقول إنني أستطيع أن أسهم، بكل تواضع، في التعريف بما يعاني منه الأشخاص· في هذه الجملة أجد حجة لما أقوم به'· إن الإحساس بتقديم خدمة، ومساعدة الغير هي التي تشجع الكثير من المصورين الصحافيين على الاستمرار في عملهم· لقد صرح مصور التلفزيون الهندي منظور، وهو يغطي هجوماً مسلحاً في منطقة كشمير يوم 29 يوليو من السنة الحالية، قائلاً: 'كنت أريد الحصول على أفضل اللقطات للقناة التي أعمل بها، وكنت مكشوفاً في مكان القتال، عندما أصابتني فجأة إحدى الرصاصات في ساقيَّ وتلتها الشظايا· فانبطحت أرضاً '· ويضيف قائلاً: 'سأعود لمزاولة عملي بعد أسبوعين· لقد عزز هذا الحادث ثقتي لأتطور في مهنتي، وهي مهمة بالنسبة لي'·
هشاشة اللحظة
لعل الصورة الفوتوغرافية الأكثر صدقاً هي تلك التي تهتم باللحظات الهشة في الوجود· لذا نلاحظ بأن المصور الصحفي الأشهر روبير كابا الذي صور بشكل مبدع الحرب الأهلية الإسبانية، والحرب العالمية الثانية، والحرب الأميركية في فتنام، يؤكد على ضرورة تخليد اللحظة التي يكون فيها الإنسان أمام الخطر، والموت، والحقيقة عبر الصور· أنه يدرك خطورة هذه اللحظة في الحرب التي يقول عنها إنها تشبه الممثلة العجوز التي تزداد خطورة وتقل جمالاً في الصورة·
أخيراً، هل يمكن أن نسمي المصورين المذكورين أنهم مصورو الحرب أم مصورون ضد الحرب ؟

اقرأ أيضا