الاتحاد

دنيا

العود حرفة عربية والصناعة صينية

بيروت - حسام العشي:
لعل ما يميز الموسيقى العربية هو صناعة العود التي صارت عماداً لهذه الموسيقى ورمزاً لشرقيتها وشخصيتها· فقد انتشرت في عواصم عربية عديدة ومنها بيروت ظاهرة صناعة هذه الآلة بحرفية خاصة، لكن مؤخراً بدأت تنقرض هذه الصناعة بعد ان نافستها صناعات قادمة من الصين، لأن العود وهو ما يراه البعض يفقدها خصوصيتها التي تميز بها حرفيون مضوا خاصة في بلاد الشام ومصر وبعض انحاء الغرب·
تعتبر بعض المصادر ان آلة العود هي آلة شرقية قديمة لكن ثمة من يؤكد انها وصلت الينا من اليونان مختلفين في تحديد مخترعها على وجه الدقة بين فيثاغورس وافلاطون وان كان البعض يرى ان اصلها فارسي الا ان البعض الآخر يردونها الى الاصل الفرعوني لوجود صورة ربابة منقوشة على جدران بعض المعابد المصرية القديمة·
كل ذلك استنباطات وآراء متباينة عند مؤرخي الموسيقى حول هذه الآلة، معتمدين في دلالاتهم على وجود ما يشبه آلة العود الى حد كبير في تلك العصور· وأياً يكن الامر، فالثابت من خلال المصادر والدراسات الاكاديمية ان العود ظهر لأول مرة بتسميته نسبة لأصله من غصن شجرة في البلاد العربية·
العود في العصور العربية
اعتبرت آلة العود رئيسة في الحضارة العربية، واحتل عازفوها مكانة مرموقة عند شعوبها ومنزلة رفيعة عند حكامها، والجدير ذكره ان هذه الآلة انتقلت الى اوروبا وسائر الدول الغربية عن طريق فتح العرب لتلك البلاد حتى ان الموسيقي العربي زرياب اسس في الاندلس معهداً لتعليم الموسيقى ولاسيما العزف على آلة العود أمّ الآلات الوترية المستنبط منها القانون، البزق، الغيتار وكل ما يعتمد في استخدامه على الوتر·
وقد حافظ العود على قيمته ومكانته في العصور القديمة محتلاً المرتبة نفسها التي كان عليها، الى ان جاء العصر الاموي والعصر العباسي حيث خط التاريخ للعود فيهما اوج مراحله وشهد تغييراً في شكله·
ففي العصر الاموي، تمّت تسوية اوتار العود بوضع الغليظ منها في الجهة العليا والحاد في الجهة السفلى، وما زالت هذه التسوية معمولاً بها حتى الآن، ومع الامتداد العربي في هذا العصر والذي وصل الى الاندلس، انتقل العود معه الى هناك وقد عُرف منه بالاضافة الى العود ذي الاوتار الاربعة والخمسة نوع آخر هو 'الشهرود'· ولا يمكن عند الحديث عن حضارة الاندلس العربية الا ان نذكر زرياب نجم اعلام الموسيقى فيها، والذي يُعد رمز حضارتي المشرق والمغرب وحامل لواء الغناء العربي لدولة بني امية وبني العباس في قرطبة واهم المتخرعين والمستنبطين في صناعة هذه الآلة التي زاد وثبّت عليها الوتر الخامس كما ابتكر مضراب العود (الريشة) من قوادم النسر·
اما في العصر العباسي فقد ظهر العديد من الشخصيات التي تركت بصماتها الواضحة في تاريخ هذه الآلة منهم: ابراهيم الموصلي، منصور زلزل الذي استحدث نغمة 'السيكا' واسحاق الموصلي· كما كان للعود دور اساسي في التدوين الموسيقي، فقد بنى الفلاسفة العرب أمثال الكندي والفارابي وابن سينا نظرياتهم الموسيقية مستعينين بهذه الآلة كأساس لهم·
صانع العود
وكي يكون تحقيقنا هذا ميدانياً اكثر منه انشائياً، توجّهنا الى محترف السيد علي الحلاق في محلة الطريق الجديدة في بيروت والمخصص لصناعة آلة العود التي قال إنها مهنته منذ الصغر· صنع مئات الاعواد وهو يعتبر من القلائل جداً الذين لا يزالون يمتهنون هذه الصنعة· في طفولته صنع عوداً من خشبة واحدة استعان بسبحة والده وتراً له، وعند الثانية عشرة من عمره دخل الى معهد الموسيقى وبهذا كان لا بد له من امتلاك عود خاص به، فذهب الى منطقة 'البسطا التحتا' في بيروت حيث المعلم دكران صانع الاعواد في ذلك الوقت، وراح علي يراقب صنعته ثم ما لبث ان طبّق ما شاهده في منجرة والده، فكانت النتيجة عوداً من صنع يديه·
وبعد ان انهى دراسته الموسيقية، التحق بفرقة تعزف للمطربة سعاد محمد والمطربة نجاح سلام، كما عزف في فرقة راغب علامة، مايز البياع، احمد دوغان، وليد توفيق· وعند اندلاع الحرب في لبنان ترك العزف ليتفرّغ لصناعة العود وما زال يعتاش منها حتى الآن·
يُذكر ان علي جرّب بنفسه ما قام به الاعرابي، فقد ربط مصران شاة بعود شجرة وعزف عليه فسمع صوتاً موسيقياً عند تحريك اصابعه عليه·
آلية صنع العود
السيد علي الحلاق، وبحكم خبرته الطويلة في هذه الصناعة، زوّدنا بمعلومات تشرح لنا كيفية صنع العود من اصله الخشبي المجرد الى شكله المعروف لدينا، وفي ذلك يخبرنا بداية عن 'الطاسة' (أو القصعة او ظهر العود)·
ان الخشب المستخدم في صناعة الطاسة هو خشب الجوز او المغانو او البلسندر او خشب الورد الاحمر، فكل هذه الانواع تصلح لها الا ان اهمها خشب الجوز الذي يشتريه من تجار الخشب ثم ينشره بالطول والعرض والسماكة المطلوبة والمحددة بطول 70 سم وعرض 4 سم وسماكة 2,5 ملم وهو يحتاج الى خمس عشرة او سبع عشرة قطعة خشبية، بحيث يتم نقعها في الماء الباردة لمدة معينة ثم يضعها على قالب الحديد الذي يعطيها شكل النصف دائري وذلك بعد اضرام النار تحت القالب ليتم تجفيف الماء منها، بعد الانتهاء من هذه المرحلة يقوم بحف القطع من اطرافها لترويسها، ثم يبدأ بتجميع الواحدة تلو الاخرى على القالب الخشبي المخصص لذلك مع مراعاة وضع القطعة الاولى في وسط القالب ثم يضيف واحدة في الجنب الايمن واخرى في الايسر ويستمر على هذه الطريقة حتى يظهر الشكل الدائري المنتفخ·
وبعد ان تأخذ طاسة العود هيئتها النهائية، يثبّت القطع الخشبية المتلاصقة ببعضها البعض مستخدماً الغراء الاحمر والكوي لضمان المتانة، ثم يسحبها من القالب ويزيل الشوائب بضربات ناعمة من ورق الحف·
وجه العود
يستخدم في صنع وجه العود خشب الشوح الروماني ذا الخطوط الرفيعة وذلك بتجميع أربع قطع او قطعتين منه بواسطة الغراء الاحمر ايضاً، مع ضرورة فتح دائرة او ثلاث كحد اقصى لتلعب دور اصدار الصوت ودوراً تزيينياً لوجه العود وذلك بعد الصاق القمريات البلاستيكية المزخرفة عليها·
اما على الجهة الخلفية للوجه يضع سبع قطع خشبية تسمى جسوراً كل جسر منها عرضه 4,5 ملم وارتفاعه 1,5 سم بمسافة محددة بين الجسر والآخر، هذه الجسور تلعب دوراً تماسكياً للوجه ومساعداً على مضاعفة صوت الانغام·
زند العود والبنجق
زند العود والبنجق (أو بيت مفاتيح العود) يستخدم في صنعهما خشب الجوز، الزند عبارة عن قطعة خشبية توضع ملاصقة للوجه وكأنها جزء منه، يمكن تزيينها بالموتيف او بعض الزخرفات·
اما البنجق فله تصميم خاص ودقيق، فهو القطعة الحاوية للمفاتيح الخشبية الاثني عشر، ستة في كل جانب والمصنوعة من خشب المشمش او الليمون او الزين ويتم وصل البنجق بالزند بواسطة الغراء·
فرس الأوتار
وهو قطعة خشبية صغيرة مستطيلة، لها شكل شبه منحرف من الاعلى، تصنع من خشب الجوز او الزين وتوضع على الوجه بمسافة مضاعفة عن مسافة طول الزند والا تخرج النغمة نشازاً واضحاً، هذا الغرس له اثنتا عشرة فتحة صغيرة جداً تستخدم لربط ومد الاوتار منها الى المفاتيح في البنجق·
بعد صنع كل محتويات العود يضع السيد علي الطاسة على الوجه محدداً المساحة المتوافقة بينهما مستخدماً في ذلك الغراء الاحمر، ثم يبدأ بتعليق الاوتار الخمسة او الستة مزدوجة، ثلاثة منها نايلون في الجهة السفلى من العود وثلاثة من النحاس في الجهة العليا ممتدة من الفرس الى البنجق الحاوي لمفاتيح النغمات التالية: os-er-afh od-al-onarpos من الجهة الثانية· وهنا لا بد من شد الوتر بشكل متقن ومحكم كي لا يؤثر على النغمة·
لون العود
وعن لون العود يقول: ان اللون البني هو الذي يطغى عليه لانه يتركه على لونه الخشبي الطبيعي المستخدم في صنعه مع امكانية استخدام نوعين من الخشب خاصة عند صنع الطاسة مما يعطي تمازجاً لونياً جميلاً لها، كما يمكن تزيينها بقطعة من الموزاييك يُحفر لها مكان فيها وتوضع بطريقة هندسية معينة·
وعند سؤالنا عن المقامات الموسيقية التي يمكن عزفها على العود اجاب انه بوسعنا عزف كل المقامات عليه وهي ثمانية· اربعة منها فيها ارباع وهي: سيغا - الرصد - البيان - الصبا، ومن هذه المقامات يتفرع حوالي الف وخمسمائة مقام والاربعة الاخرى فيها انصاف وهي: الكورد - الحجاز - النهوند - العجم، يتفرع منها حوالي سبعمائة مقام·
وعن ثمنه قال: سعر العود يبدأ من خمسين دولاراً وما فوق، ومعدل سعره الوسطي مئتا دولار·
وعن مكانة العود يختم قائلاً: بدأ يفقد مكانته نظراً للتطور الكبير في آلة الأورغ والتي تأتي بأصوات العديد من الآلات الموسيقية، الا انه لم يفقد قيمته فهو دعم اساسي لكل فنان يريد فهم الموسيقى ومعرفة طبقة صوته·

اقرأ أيضا