الاتحاد

دنيا

عندما يصبح الاحتكار ملاذا للهوية

القاهرة ـ حلمي النمنم:
ثار جدل طويل في عالمنا العربي حول العولمة، وهناك انصار وخصوم لها، والنقاش بين الخصوم والانصار يدور حول الجوانب السياسية والاقتصادية، في السياسة تخوف الكثيرون مما جرى في العراق وافغانستان والسودان، واخيرا ما يدور في سوريا ولبنان، لكن المعجبين بالعولمة يرون انها سوف تنهي دور الدولة المتسلطة في المنطقة وتأتي بالديمقراطية والتعددية، ولن يكون هناك استبداد سياسي· وفي الاقتصاد رأى انصار العولمة ان الرفاهية سوف تأتي وتنتعش الاسواق· وحذر خصومها من انها تعني التبعية الاقتصادية وتحكم الشركات الاحتكارية، مما يعني ازدياد الفقر والازمات الاقتصادية·
ولم يتطرق الباحثون والكتاب العرب كثيرا الى تأثير العولمة في الجوانب الثقافية سواء بالايجاب أو بالسلب، ولعل كتاب الباحث الهولندي جووست سمايرز 'الفنون والاداب تحت ضغط العولمة' يسد هذا الفراغ، وترجمه الى العربية طلعت الشايب·
وهناك من يتعلقون بفكرة مؤداها ان الفنون والاداب هي التي تمنحنا افضل لحظات الحياة والتوافق والانسجام والسعادة والتسلية والمتعة، وفرصة فريدة للتفكير وللتأمل وربما يكون ذلك صحيحا، وهو امر ينبغي ان نطمح الى تحقيقه لكن الامور ليست هكذا فالفنون والاداب ساحة للتصادم، اذ تتصادم فيها التناقضات العاطفية والصراعات الاجتماعية وصراعات الهوية والوطنية والعقائدية وتدخل فيها المصالح الاقتصادية التي تخترق المجال الثقافي، وهكذا نجد من يسخطون على صور المرأة في الاعلانات ومن يرفضون طرازا معماريا بعينه ومن تزعجهم قصيدة النثر وموسيقى الجاز والبعض يتحول الى حالة من العدوانية عندما يصطدم ببعض اشكال التعبير الفني المضادة لقناعاته والثابت ان الفنون والاداب تثير احيانا العدوان وعدم التسامح وليس غريبا ان يتم حظر بعض الاعمال الفنية والادبية في بعض المجتمعات او ان تعتبر محل شك وشبهة وهناك ادباء وفنانون قتلوا بسبب اعمالهم الابداعية، وهناك بعض الاعمال تجد دعما اقتصاديا وماليا ضخما واعمال اخرى يحجب عنها أي دعم مالي ويعاني مبدعوها فقرا شديدا، وكل هذا قد يكون لاسباب غير ادبية أو فنية وربما هو الحاح الدعاية وقوة الاعلان مثلا هناك من يرى ان افلام هوليوود غير متقنة فنيا وان موسيقاها صاخبة ومزعجة، ولكن هذا ليس مهما طالما أن هناك جمهورا يتابعها ويدفع في سبيل ذلك·
ساحات حرب
ويعتبر سمايرز الفنون والاداب ساحات قتال رمزية وهناك امثلة كثيرة على صراعات ثقافية اسفرت عن نتائج مختلفة ومتباينة ففي 10 نوفمبر 1995 نفذت حكومة نيجيريا حكم الاعدام في الكاتب كن ساروديوا وثمانية اخرين من زعماء الاجوني لانهم احتجوا على تلويث البيئة في بلادهم وحملوا مسؤولية ذلك التلويث لشركة شل، وفي افغانستان دمرت حركة طالبان الآلات الموسيقية التقليدية، باعتبار ان الموسيقى حرام، وادى فهم طالبان الخاص للشريعة الاسلامية الى شجب كافة الاشكال غير الدينية للتعبير الثقافي التي تضم كافة الافعال البشرية ـ التمثيل والموسيقى والرقص ـ على انها غير اسلامية، وقبل طالبان فعل عيدي امين شيئا قريبا من هذا في اوغندا وفي الجزائر قُتل المغني لونيس معتوب في منطقة القبائل لانه كان معارضا للاصولية ومدافعا عن الامازيغية ولم يكن معتوب وحده الذي قتل هناك بل قتل غيره من الكتاب والفنانين·
وفي مصر جرت محاولة لاغتيال نجيب محفوظ وكادت تنجح وقبله اغتيل الكاتب الليبرالي فرج فودة وهذه الامثلة تضع الباحث في خضم تناقض رئيسي، فاذا اعتبرت الديمقراطية الثقافية القيمة الوحيدة الممكنة فسيصبح لزاما على المتابعين تقبل او احترام هذه الفظائع باعتبارها عناصر اساسية في ثقافات تلك المجتمعات فما يعتبر عاديا أو مقبولا في ثقافة ما قد يكون قيمة عليا أو مطلقة في ثقافة اخرى· ويعترف المؤلف صراحة بأن الغرب تسيطر عليه والى حد الهوس فكرة حرية التعبير·· 'اصبحنا غير مستعدين لان نفهم ان هذه الحرية في نظر شعوب اخرى قد تؤدي الى ازدراء مقدساتها والاستهانة بها وما دام مبدأ الحرية المطلقة هذا باقيا كما هو دون نقاش سيكون من الصعب اقامة اي حوار لسد الفجوة بين الثقافات'· ويستشهد المؤلف هنا بما جرى في متحف بروكلين بنيويورك في خريف عام 1999 حيث عرضت لوحة للسيدة العذراء يبدو فيها ثدياها مزينين بروث الافيال وكانت اللوحة من اعمال الفنان النيجيري البريطاني كريس اوفلل والذي اكتشف استخدام روث الافيال اثناء رحلة الى زيمبابوي ممولة من المجلس البريطاني فهل كان استخدامه هذه المادة في اللوحة ازدراء للكاثوليك ومعتقداتهم؟ عمدة نيويورك تصور ذلك وهدد بان تقطع المدينة الدعم الذي كانت تقدمه للمتحف وكان العمدة ينافس آنذاك هيلاري كلينتون على المقعد في مجلس الشيوخ الاميركي فهل استغل اللوحة لحشد الرأي العام معه ضد هيلاري؟ وكان لابد ان يحدث حوارا حقيقيا داخل المجتمع بين حرية الفنان واحترام القيمة الاساسية لفئات معينة من المجتمع وذلك افضل من اللعب بورقة الرقابة والتهديد بمنع الدعم· ويتساءل الكاتب: ما الخطأ في احترام معتقدات الاخرين وعاداتهم في اي مجتمع متحضر حتى وإن كان ذلك يعني ان يكبح الفنان جماح نفسه الى حد ما؟
وتقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية باليونسكو الصادر بعنوان 'تنوعنا الخلاق' تعرض لهذه المشكلة فقد جاء فيه ان معظم الحريات تشير الى الفرد، حرية الفرد في ان يعبر عن رأيه وان يذهب حيث يشاء، وان يتعبد حسب معتقداته، وان يكتب ما يريد والحرية الثقافية على العكس من ذلك هي حرية جماعية وهي تشير الى حق الجماعة من الناس في ان يتبعوا او يتبنوا اسلوب حياة من اختيارهم والخلاصة ان العقل الغربي يرى ان الحرية الفردية هي الشكل الوحيد المتاح والممكن للحرية اما اي اشكال اخرى للحرية مثل الحرية الاجتماعية فلا مكان له نهائيا في التفكير الغربي والنموذج الذي يستشهد به المؤلف الهولندي هو قضية المطرب العربي مارسيل خليفة الذي غنى قصيدة بعنوان 'انا يوسف يا ابي' والقصيدة تنتهي بآية من آيات القرآن الكريم وكانت تهمته الاساءة للاسلام، وفي العموم فقد رفض القضاء اللبناني القضية برمتها ولم يجد اي اساءة للإسلام في القصيدة لكن تصريحات مفتي لبنان كانت ذات مغزى فقد تحدث عن ان الفنان من حقه ان يستخدم اي كلمة بالطريقة التي يراها لكن ليس من حقه ان يستعمل اي طريقة في التعامل مع 'كلمة الله' وهذه مسألة لا علاقة لها بالحرية ولكن هناك قواعد لابد من احترامها·
وهناك عوامل اخرى قد تكون اجتماعية أو سياسية للصراع الثقافي كما يحدث بين الهندوس والمسلمين في الهند ففي العام 1977 حطم الهندوس المتعصبون رسوما عارية للالهتين 'ساراسانوتي' و'دوجا' وهما من اعمال الفنان المسلم ماكدول فيداحسين وبحث النقاد هل العري كان سبب التحطيم، ام خلفية الفنان الاسلامية، وربما كانت الثانية لان الالهتين في كل اللوحات تظهران عاريتين·
ازمة فاجنر
وفي يوليو 2001 اثار قائد الاوركسترا دانييل بارنبوم وهو يهودي عاصفة حادة من النقد في القدس عندما قاد اوركسترا المانيا عزف في احد الحفلات اعمالا من تأليف ريتشارد فاجنر وكان الموسيقار المفضل لدى هتلر، وجاء هذا الحدث عند نهاية الحفل، فقد استدار بارنبوم الى الجمهور ليقدم المقطوعة مرة ثانية قائلا 'اذا كنتم لا تريدونها يمكننا الانصراف في هدوء' وهتف البعض ضده واتهم بالفاشية ووصف البعض المقطوعة بانها موسيقى معسكرات الاعتقال وخرج هؤلاء غاضبون وصفقوا الابواب وراءهم لكن معظم الجمهور ظل في الحفل وحيا المايسترو بسبب عزف مختارات من تريستان وايزولود وقد ادان المسؤولون الاسرائيليون المايسترو· وقال شارون رئيس وزراء اسرائيل ان ما وقع كان شديد الصعوبة على الكثيرين في اسرائيل لان الوقت لم يحن بعد كي يعزف فاجنر هنا، اما عمدة القدس فقد وصف ما قام به باربنوم بانه وقاحة وغطرسة وعمل غير متحضر وعديم الاحساس·
وهناك اشكال اخرى للصراع الثقافي والفني تبدو سنويا في مهرجان 'كان' السينمائي حيث يكون الصراع بين السينما الفرنسية ومعها الثقافة الفرنسية وسينما هوليوود ومعها الافكار وادوات الانتاج الاميركية، لقد اصبح هذا الصراع علنيا ومعروفا للجميع في داخل فرنسا والولايات المتحدة بل وفي اوروبا كلها وايضا خارج اوروبا·
والثقافة والفنون والاداب ليست كما تبدو للرؤية الرومانسية اداة التقاء ومحبة وتفاهم، لكنها ايضا اداة لصراع وتنافس رمزي واحيانا حروب حقيقية هل نذكر هنا قضية التطبيع الثقافي بين الكتاب والمثقفين العرب والكتاب والمثقفين الاسرائيليين، والتي تبدو من خلالها الحروب الحقيقية داخل المنطقة بين اسرائيل والدول العربية؟
العولمة أو كما تسمى في الغرب 'الليبرالية الجديدة' تحاول ان تلغي التنوع الثقافي الذي تحدثت عنه وثيقة اليونسكو وتحاول فرض ثقافة واحدة بعينها على الجميع، في العالم عبر شركات احتكارية كبرى سواء في شركات الاعلانات أو دور النشر الكبرى التي تبتلع الدور الصغرى وتهدد الثقافات الوطنية في اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية بما فيها من تنوع وتعدد خلاق· وفي بلاد الغرب بدأ اناس كثيرون يرفعون اصواتهم بالاعتراض على العولمة، الاقتصادية والسياسية، حدث ذلك في سياتل وجنوة وبورت اليجرو ودربن وكان رأيهم ان العالم ليس للبيع وان بالامكان صنع بديل افضل ولكن في حركات المعارضة تلك لم تتشكل بعد قطاعات ثقافية وادبية وفنية وهو الوضع الذي ينبغي تغييره كي تحل محله حركات ثقافية تستطيع ان تتناول هذا الجانب على نحو استراتيجي·
والدول غير الغربية اي اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية طالبت من خلال اليونسكو منذ السبعينيات بوضع نظام جديد للاتصال وتبادل المعلومات يحقق توازنا بين دول العالم لان النظام الذي كان سائدا كان مجحفا بالدول الفقيرة وبينما تحاول هذه الدول في هذا الاتجاه انسحبت الولايات المتحدة من اليونسكو عام 1985 ثم تبعتها بريطانيا وسنغافورة وهكذا لم تعد اليونسكو منبرا للدول الفقيرة تدافع منه عن حرية تدفق المعلومات وبالنسبة لاميركا وبريطانيا لم تعد اليونسكو مهمة لهما، فقد صارت قوى السوق هي مصدر التدفق واحتكار المعلومات، وهم يبحثون عن السوق ويتحكمون فيه والاهم من ذلك ان الولايات المتحدة ومعها الدول الغربية نقلت الثقافة والفنون الى مجال اخر بدأت فلسفة التجارة الحرة تزدهر فيه وهو اتفاقية 'الجات' التي اصبحت منذ عام 1995 منظمة التجارة العالمية واخذوا يبذلون قصارى جهدهم لضبط الاسواق وتنظيمها بما يسهل للتكتلات الاحتكارية العملاقة توزيع وترويج منتجاتها والسيطرة على الاسواق الثقافية في العالم، وسرعان ما اتضحت اهداف تلك الجهود، وهناك مئات الآلوف من الكتاب والفنانين في العالم يجدون صعوبات جمة في الوصول الى الجمهور وان يصبحوا معروفين أو أن يقوموا بدور في الاتصال الثقافي وهو ضروري في اي مجتمع ديمقراطي· لقد استولت التكتلات الثقافية العملاقة على الساحة·
وقد برز مفهوم 'التنوع الثقافي' للرد على تلك التكتلات ولم تتوقف اليونسكو عند دعوتها منذ عام 1995 ففي 2 نوفمبر 2001 تبنت اليونسكو اعلانا عالميا جديدا للتنوع الثقافي وفي اكتوبر 2003 طلبت الجمعية العامة لليونسكو من مديرها العام اعداد مسودة لاتفاقية عن التنوع الثقافي وفي ربيع 2004 اقترحت لجنة من خبراء اليونسكو ان تكون باسم 'اتفاقية حماية وتنمية تنوع المحتويات الثقافية والتعبيرات الفنية' وهذه الاتفاقية اذا اقرت فستكون اضافة الى الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي يلزم الجميع باتاحة الفرصة امام كل من يريد الوصول الى وسائل التعبير الفني والاسهام في الحياة الثقافية وهي حقوق لا ينبغي ان تكون تحت سيطرة اصحاب عدد محدود من المؤسسات الثقافية، وقد تخرج الاتفاقية الى النور وقد لا تخرج، ولكن لا من وجود حركات ثقافية مؤثرة على الاجندة السياسية كي لا تقع الثقافة تحت سيطرة القوى الاقتصادية وهذا يتطلب جهود مئات المنظمات والشبكات الثقافية من جميع انحاء العالم في تأسيس منظمة عالمية غير حكومية لاحداث تعبئة عالمية لاخراج اتفاقية التنوع الثقافي وتحرير الاسواق الثقافية من الاحتكارات الكبرى·

اقرأ أيضا