الاتحاد

دنيا

الذكاء العاطفي (3)

قال تعالى:' فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفو عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين'·
يرشدنا الله سبحانه إلى رغبته أن تبنى النفوس قبل العلاقات بالرحمة واللين والعفو والتسامح والتشاور والتحاور المحاط بالإحتساب لله سبحانه والتوكل عليه، فهي مفاتيح للذكاء العاطفي·
قراءات عاطفية
يعتقد بعض الخبراء أن حوالي 90% من الاتصالات تتم بالطريقة غير اللفظية، ولكن الناس يتفاوتون في قدرتهم على القراءة المناسبة أو الصحيحة والاستجابة للعلامات غير اللفظية لمن حولهم، ولذلك نجد ان أغلب التفاعلات بين الطفل ووالديه تتم في عمر مبكر حيث يتدرب على فهم وقراءة العلامات غير اللفظية لدى والديه· وإذا لم نستثمر هذه الإشارات والعلامات والإيماءات باستمرار طوال فترة حياتنا فإنه يصبح من الصعب على الفرد فيما بعد أن يفهمها بل ويستجيب لها الاستجابة الصحيحة· ولحسن الحظ فإن الأبناء اليوم يمكنهم أن يتعلموا كيف يقرأون العلامات غير اللفظية، والآباء والمعلمون الذين يفعلون ذلك مع الأبناء والطلبة يلاحظون تغيرات في موقفهم الاجتماعي داخل أسوار العلاقة الأسرية والمدرسية والمجتمعية·
وإذا تفردنا في المقالين السابقين عن معنى الذكاء العاطفي وأهميته وبعض الخطوات لتفعيله بين الأزواج والزوجات، فمقالنا اليوم سيركز على استثمار هذا النوع من الذكاء في علاقاتنا المتنوعة، بين الزوجين، وبينهما وبين أبنائهما، وبين الأسرة والآخرين في بيئتهم الاجتماعية·
أمثلة واقعية
أشار بعض علماء الاجتماع وعلم النفس على 'أن هناك تزامن بين الألفة والانفعال والتحكم العاطفي، إذ أن درجة الألفة الانفعالية التي يشعر بها الناس في أية مواجهة تنعكس أو تظهر في الكيفية التي تتحرك بها أجسادهم عندما يتحدثون، وأن هذه الحركات تقوم كدليل على درجة الاقتراب والألفة بين الناس، والتي لا تكون واضحة دائما في وعيهم، ويأخذ التزامن والألفة صوراً شتى·
استقبال الزوجة لزوجها ومبادلته لها مشاعرها الانفعالية اللطيفة بمجرد رؤيته لقسمات وجهها وابتسامتها، وقد يبادل كل منهما الانفعال ذاته المعبر عن الترحيب والبشاشة والطلاقة، ويثير لدى كل منهما الانفعال ذاته سواء أكانوا على بينة من أنه يقلد التعبير الوجهي للزوج الآخر أم لا· وقد جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يشجع على الأفعال الإيجابية 'تبسمك في وجه أخيك صدقة'·
فهناك ايقاع وتزامن ونقل للانفعال باستمرار، وهذا التزامن في المزاج هو الذي يحدد ما إذا كان كل منا يشعر بأن التفاعل يحدث إيجابياً أو سلبياً، ولذلك عند معرفتنا بأهمية تحليل كل موقف والتعود على ردود أفعال إيجابية سنستثمر الذكاء العاطفي لدى كل منا، ونحقق السعادة والنجاح في بناء علاقات زوجية وأسرية بل ومهنية واجتماعية متميزة·
ومن الأمثلة الأخرى التي نلاحظها حولنا مثلاً، نجد أحدنا يومىء برأسه عندما يتحدث الآخر عند نقطة معينة، أو كلانا يتحرك في مقعده في اللحظة ذاتها، أو أن أحدنا يميل إلى الأمام بينما يميل الآخر إلى الخلف أو أننا نتحرك بتناغم على كرسيين من الكراسي الدوارة بنفس الإيقاع· وكذلك الأمر نجده بين الأمهات وأطفالهن· فلو راقبت الأم حركاتها وانفعالاتها، ستجد طفلها يقلدها تماماً وفي أغلب الأحيان تنتقده على انفعاله دون أن تنتبه إلى أن انفعالها كان مشابهاً لإنفعاله· وقد تفرح عندما تفتح ذراعيها لإستقبال طفلها وهو يجري لينضم إلى حضنها، ولكنها قد تتفاجأ إن لم يلبي رغبتها، والسبب بسيط في أنه فهم لغة جسدها بذكائه العاطفي ولم ينتبه إلى إشاراتها ( عندما تكون الأم منفعلة انفعالاً سلبياً واشاراتها إيجابية)، ويتضح ذلك جليا عندما لا تتدرب الأم أو الزوجة على تزامن انفعالها مع إشاراتها وألفتها مع الآخر·
ولا يقتصر الأمر على ذلك بل أنه ينسحب على أن التزامن ييسر إرسال واستقبال الحالات المزاجية إن كانت إيجابية أو سلبية على حد سواء· فإذا كانت الزوجة تشعر بمشاعر الكآبة والسلبية، وإذا اشترك معها زوجها بذات الإشارات غير اللفظية فإن عدوى المزاج المكتئب ينتقل إليه بسهولة، كما يمكن أن تنتقل إليه عدوى السعادة والمزاج الفرح·
نخلص إلى أمر استثمارنا الذكاء العاطفي في أن نخاطب عقولنا بأفكار إيجابية ونشعر بالإبتهاج بدلاً من الحزن والسلبية· فكيفما نفكر ونشعر وتكون حالتنا المزاجية، تكون سلوكيات وردود أفعال أزواجنا وأبنائنا ومن حولنا·
إن تآزر الأمزجة هو أساس الألفة والسعادة بل وقيادة المجموعات· فتفاعلنا باستخدام الذكاء العاطفي هو علامة القيادة القوية المؤثرة في تحريك مشاعر من حولنا، والعكس يوقعنا في مشاكل في علاقاتنا، لأن الناس يشعرون حولنا بعدم الارتياح وضعف التآلف·
قلب التأثير على الانفعال
إن 'النقل الانفعالي' هو قلب التأثير وأساسه، وهي علامة من علامات السيطرة على تحديد مستوى الحميمية والعمق في العلاقة· أي أنها قيادة الحالة الانفعالية العاطفية للزوج الآخر· وهذه القوة تكمن في القدرة على التحكم بالقدرات التعبيرية· فنفوذ الفرد وتأثيره يتلخص في العمل بذكاء عاطفي لنقل الإنفعالات إلى من حوله من الأشخاص بكثير من التنظيم في فهم الإشارات وتشجيع الآخر على التفاعل، واستمتاع كل زوج وزوجة بصحبة الآخر، وتجنب اللوم، بل وتحويله إلى لوم ايجابي، يساعد على إيجاد الحلول وتمتين العلاقة·
المهارات الست المميزة
لكل علاقة غاية وهدف معين ومن خلال تفعيل الذكاء العاطفي يمكن استحداث العديد من الآليات والمهارات لتحقيقه ومن أهمها المهارات الست الآتية:
·1 إعطاء أولوية للعلاقة الزوجية والأسرية والاهتمام بعملية بنائها·
·2 تميز الحوار الزوجي بالاحترام والطمأنينة والوضوح·
·3 التعود على التشجيع والمساندة اليومية لكلا الزوجين·
·4 اتخاذ القرارات المشتركة من خلال اللقاءات الأسرية·
·5 حل الخلافات والصراعات أولاً بأول وفي الأوقات المناسبة·
·6 المشاركة في الأنشطة الترفيهية المنظمة·
وهناك خطوات عملية لتفعيل الذكاء العاطفي الزوجي والأسري الناجح:
·1 قال تعالى 'ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك'· لنتعلم الرحمة واللين في القول وفي الانفعال لأن تأثيره قوي على العلاقة مع الآخرين وخاصة أزواجنا وأبناءنا·
·2 إعطاء الأزواج والأبناء الفرصة والوقت الكافي ليظهروا عواطفهم في أجواء هادئة وفيها الكثير من المساندة والرعاية والثقة بالذات·
·3 الاهتمام كثيراً بالنمو العاطفي لعلاقتنا الزوجية ولأفرادها، وفقاً لمراحلها وسنواتها، ودراسة التغييرات التي تطرأ عليها، وعلى أفرادها، وتجنب مشكلاتها أو إيجاد حلول مناسبة لكل منها·
·4 رعاية الأزواج لبعضهم رعاية إيجابية ورعايتهم معاً لأبنائهم، ونعني بالرعاية الإيجابية 'منح الآخر التغذية العاطفية والدعم والعون بكافة الطرق التي يمكنه فهمها والشعور بها، ونعني أيضا، المشاركة في حياة الآخر العاطفية'·
·5 وأخيراً لا بد من استثمار الذكاء العاطفي لكل منا بأن نحيط سلوكياتنا وانفعالاتنا بالرفق، إذ أشار حديث الرسول صلى الله عليه وسلم 'ما كان الرفق في شيء إلا زانه'، فلنزين علاقاتنا كما نزين بيوتنا، ولنزين بواطننا ونفوسنا وأفكارنا بالرفق كما نزين ظاهرنا، ولنقيم مستوى ونوع ذكائنا العاطفي ولنبدأ من الآن، فمازال في الوقت سعة·

اقرأ أيضا