أرشيف دنيا

الاتحاد

«الشكر» يزيد النعم ويرفع النقم

(القاهرة) - الشكر هو الاعتراف بنعمة الله المنعم، والثناء بالنعم وذكرها وإظهارها، هو من العبادات العظيمة التي ينعم الناس بثمرتها في العاجل والآجل، فضيلة جميلة من أعلى المنازل وأرقى المقامات، وهو نصف الإيمان، فالإيمان نصفان، نصف شكر ونصف صبر.
وأعظم سورة في القرآن هي الفاتحة تبدأ بعد البسملة بـ “الحمد لله رب العالمين”، فالحمد كلمة عظيمة لا يدرك أسرارها إلا من يكررها ويستشعرها، والشكر يكون بالجوارح وعند البلاء، والحمد يكون باللسان وبالقلب، على كل حال.
نعمة الشكر
ويقول العلماء إن الآيات التي تحض على الشكر في القرآن الكريم كثيرة، وقد جعله الإسلام عبادة لله، لما جاء في قوله تعالى: “فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون”، “النحل:114”، فالشكر ليس مجرد عادة بل عبادة ترافق كل الأعمال، وأمر الله آل داود بالشكر أثناء العمل فقال: “اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور”، “سبأ:13”، فالعمل من أنواع الشكر.
وأكد الفقهاء ان الشكر ينجي من المهالك، فالذي يشكر الله سوف ينجيه من المواقف الصعبة، فهذا سيدنا لوط عليه السلام أنجاه الله من العذاب الذي أهلك قومه بسبب شكره، يقول تعالى: “إِنا أَرسلنا عليهم حاصبا إِلا آل لوط نجيناهم بسحر، نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر”، القمر: 34-35.
والشكر يشمل القلب واللسان والجوارح، يتضمن الصبر والرضا والحمد وكثيرا من العبادات البدنية والقلبية، ولهذا أمر الله تعالى به، ونهى عن ضده، وهو الكفر والجحود، فقال: “واشكروا لي ولا تكفرون” “البقرة: 152”، ولعلو مقام الشكر ورفعة منزلته كان مرتقاه صعبا، والتحلي به يحتاج إلى مجاهدات وسلوك، ولهذا كان الشاكرون نادرين، وقد وصفهم الله بالقلة حين قال: “وقليل من عبادي الشكور”، ووصف معظم الناس بعدم الشكر، بالرغم من نعم الله عليهم، قال تعالى: “وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون” “النمل:73”، ولهذا فإن الله تعالى يذكر الناس في القرآن الكريم بنعمه الكبرى ومننه العظمى، ويدعو إلى التفكر في الكون، كي ندرك ما أحاطنا به من جلائل النعم وبدائع الإِحسان، مما يعجز الإِنسان عن تعداده والإحاطة به، كي نشكره حق الشكر، قال تعالى: “والله أخرجكم من بطون أُمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون”، النحل:77.
النضوج الفكري
ووصف الله تعالى الإِنسان العاقل الذي يتمتع بالنضوج الفكري والكمال الإِنساني، ويبلغ سن الأربعين، بأنه يرى نعم الله المحيطة به، ويشهد بفضله عليه، فيلجأ إليه أن يوفقه للشكر قال تعالى: “حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه” “الأحقاف:15”.
كما أن عدم الشكر ومقابلة النعم بالكفر والجحود يورث غضب الله وعقابه وسلب نعمته، كما قال تعالى: “وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون” “النحل:112”.
وقد وعد الله تعالى المؤمنين أن يزيد نعمه عليهم إِذا هم قابلوها بالشكر فقال: “لئن شكرتم لأزيدنكم”، “إبراهيم:7”، ودعانا إلى شكره وشكر الوالدين اللذين جعلهما سببا في إيجادنا، فقال: “أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير” “لقمان: 14”، والشاكر يجلب الخير لنفسه، إِذ يغنم بشكره المزيد من نعم الله، واستمرار فضله، وعظيم حبه، قال تعالى: “ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم” “النمل: 40”، ولا يخفى أن نعم الله تعالى على عباده أعظم من أن تحصى، وأكثر من أن تعد، قال الله تعالى: “وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها”، “إبراهيم:34”، وأجل النعم التي يتأكد الشكر عليها نعم الإِسلام والإِيمان والمعرفة بالله، وليست النعم مقصورة على الطعام والشراب كما يظن كثير من الناس، بل هي لا تعد تحصى.
إشارة لأهمية الشكر
والرسول صلى الله عليه وسلم كان يجهد نفسه في العبادة وإحياء الليالي، والقيام بين يدي ربه حتى تتورم قدماه متحققا بمقام الشكر، ولما سئل عن سبب ذلك، قال: “أفلا أكون عبدا شكورا”، وكان إذا أصبح وإذا أمسى يقول: “اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر”، ويدعو أصحابه رضي الله عنهم وسائر المؤمنين إلى هذا المقام العظيم والتوجه إلى الله بالدعاء عقب كل صلاة، بأن يمن عليهم بالإعانة على الذكر والشكر، فقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: “أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”.

اقرأ أيضا