أرشيف دنيا

الاتحاد

الطمَّاع والنصَّابون

(القاهرة) - لم يصدق الباحث المغمور أن ما يسمعه صحيح ويمكن أن يتحقق، فالرجلان اللذان يجلسان معه، يتحاوران ويتحدثان عن المناصب التي يحصل عليها بعض الفنانين والمشاهير في منظمات دولية، ومنها سفراء النوايا الحسنة الذين لم يكونوا أصلاً من الدبلوماسيين ولا من العاملين بالسفارات ولا القنصليات ولا حتى أي جمعيات أو مكاتب تابعة لجهات تحمل صفة الدبلوماسية.
حشر الرجل أنفه في الحوار رغم أنه لا يعنيه ولم يؤخذ رأيه فيه، وأيضاً لا يفهم عن ماذا يتحدثان، تساءل، وهل ما ذكراه معقولاً، لقد قالا إن تلك المناصب يتم بيعها بمبالغ كبيرة تصل إلى ملايين الدولارات، لأنها تمنحهم حيثية دولية كبرى، ويحصلون منها على الحصانة الدبلوماسية، بجانب ما تعود به عليهم من أموال طائلة في رحلاتهم التي لا تتوقف حول العالم، ويحققون شهرة دولية لا يصلون إليها إلا من خلال هذه المناصب الرفيعة، نظر إليه الرجل الذي كان يتحدث اللغة العربية بشكل ركيك بما يشير إلى أنه ليس من أبنائها، وهو يستنكر كيف لا يعرف هذه المعلومات التي لم تكن أصلاً سرية وإن كانت تتم في الخفاء وبالكتمان الشديد.
قال هذا «الأفرنجي» متهماً الباحث بالجهل تلميحاً لا تصريحاً، واستعرض المناصب الكبرى في العالم على مر التاريخ مؤكداً أن أصحابها في الأساس اشتروها بأموالهم ولم يكونوا المستحقين لها وإنما هناك من هم أكثر كفاءة وأحق منهم بها غير أنهم لا يملكون المال فتضيع منهم الفرص العظيمة وتذهب إلى غيرهم ممن يدفعون بسخاء وهم يعلمون علم اليقين أنهم سيستردون أضعاف ما دفعوا، وأراد الرجل أن يكون منصفاً في حديثه فاستثنى مناصب الرؤساء والزعماء وقادة الانقلابات.
صمت ملياً، وكأنه يتذكر شيئاً أو يمعن التفكير فيما يقول، واستدار نحو السائل وقال له أتدري أنه ذات مرة في العصور القديمة عندما مات كبير القضاة، ولى الحاكم ابنه بدلاً منه رغم أنه ليس متخصصاً في القضاء، والأدهى والأمر أنه ليس متخصصاً في شيء ولا يعرف القراءة ولا الكتابة، اندهش الرجل من المعلومات الغزيرة الغريبة التي تبدو شيقة ولم يسمع مثلها من قبل رغم أن مهنته البحث والدراسة، لكن في العلوم التجريبية وليس في العلوم النظرية.
أما الرجل الثاني، فكان يتحدث بعدة لغات في وقت واحد يخلط الكلمات العربية بالإنجليزية والفرنسية وكلمات أخرى لا يعرف إلى أي لغة تنتسب، فتخرج الجمل في النهاية بلا معنى وغير مفهومة كما لو كانت طلاسم، في النهاية ما يمكن أن يستنتج منها أنه يؤيد ما جاء على لسان صاحبه، ويؤكده، وقام بفتح الحقيبة الصغيرة التي بين يديه، واستخرج جهاز الكمبيوتر المحمول وقام بتشغيله ثم العبث فيه، بطريقة توحي بأنه خبير، ثم توقف أمام صورة له مع أحد الفنانين المشاهير الذي فاز بمنصب سفير للنوايا الحسنة، وقال إنه هو الذي سعى لهذا الفنان ليحصل على المنصب وإن كلفه أكثر من سبعة ملايين دولار، وفي الحقيقة المنصب يستحق أكثر من ذلك أنظر أين هو الآن بين رجالات العالم الذين لا تخلو منهم نشرة أخبار.
أغلق هذا الأخير الكمبيوتر وأيضاً الحوار وقام فجأة لأنه متعجل لارتباطه بموعد، لكن الباحث كان في غاية الشوق لمعرفة المزيد من التفاصيل، لأنه يدرس فعلاً هذه العروض، لكن محدثه لم يمنحه الفرصة وقطع عليه ما يشتهي أن يسمع إلا أنه وعده بأن يلتقي معه غداً في نفس الموعد والمكان ليقدم له تفاصيل أكثر.
عاد الباحث الحاصل على الدكتوراه إلى بيته وهو مشغول بهذا الأمر العظيم، يشعر بأنه في طريقه للحصول على كنز ثمين، فقد عاش حياته يبحث عن الشهرة، التي لم يتحقق شيء منها رغم حصوله على أعلى درجة علمية ولم يعرفه أحد من المحيطين به وجيرانه، أنه يريد أن يكون في منصب تسلط عليه الأضواء بدلاً من حياة الظل التي تلفه طوال عمره، وهناك من أقرانه من لم يحصل على أي مؤهل وربما بالكاد يكتب اسمه وقد استطاع أن يحصل على المناصب بماله مثل من يترشحون للمناصب النيابية ضرب رأسه بكفه وهو يؤكد لنفسه أن الرجلين كانا صادقين في كل ما قالاه.
إنه رجل ثري وورث الكثير من المال، ويحصل على مبالغ طائلة من عمله، ولا يهمه هذا المبلغ الذي قررا أنه يمكن لأي شخص أن يحصل على منصب به، وان كان المبلغ كبيراً جداً، لكن سيسترده بسرعة وأضعافه بجانب أنه سيحصل على الشهرة والأضواء، لا خسارة من وراء الصفقة التي لابد من السعي إليها بشتى السبل وبكل الإمكانات، أنها تستحق التضحية ولماذا التضحية فلن يخسر فلساً، ولن تكون هناك خسائر على الإطلاق.
ارتدى «الدكتور» أفضل ملابسه وتأنق بشكل يليق بالمنصب الذي يصبو إليه، وتعطر بالطيب الذي اشتراه خصيصاً ليكون مقنعاً شكلاً وموضوعاً، والتقى مع الرجلين اللذين حضرا متأخرين قليلاً لبضع دقائق، أصر على أن يسبق العشاء أي حديث، ويكون الكلام على الطعام، يريد أن يطعم الفم لتستحي العين، وقبل الرجلان دعوته، ودخل في الموضوع مباشرة سائلاً هل هُناك أي شروط للتقدم لهذه المناصب، أجابه الرجل الذي يتحدث بطريقة «كوكتيل» اللغات، بالطبع فنحن لم نعد في العصور الوسطى، فليس معنى أن المناصب تباع يكون الأمر سداحاً مداحاً لكل من هب ودب أو امتلك المال، الشروط ليست كثيرة ولا تعجيزية، تنحصر في أن يكون الشخص مشهوراً، هنا انقبض صدر الطبيب لأن الشرط الأول لا ينطبق عليه، أو يكون في منصب كبير في بلاده وخرج منه للتقاعد أو تركه لأي سبب، وهنا كاد الدكتور يفقد الأمل كله لولا أن الرجل واصل كلامه أو أن يكون حاصلاً على درجة علمية عالية مثل الدكتوراه، فانفرجت أساريره ووضع يده على أول الطريق.
أبدى الدكتور مباشرة رغبته في الترشح لهذا المنصب أو بالأحرى شراء المنصب، فمط المتفرنج شفتيه مستنكراً، وقال الأمر ليس سهلاً، فلا بد من مصروفات كبيرة ومبالغ طائلة لأعضاء لجنة الاختيار التي تضم خمسة أشخاص، وتجري كشف هيئة وتتأكد من انه صالح للوظيفة الكبرى، أكد الدكتور استعداده لكل ذلك، وفي قرارة نفسه شعر بالاطمئنان لأنه سيلتقي أصحاب القرار وجهاً لوجه بما يجنبه الشكوك أو المزيد من المصروفات وحتى لا يحصل هذان الرجلان على مبالغ لنفسيهما، وازداد يقينه وثقته بهما بعدما كانا واضحين معه، إنهما سيقدمان له خدمة العمر، سيخفضان المبلغ من سبعة إلى خمسة ملايين دولار فقط وهما سيحصلان على عمولتهما من هذا المبلغ خصما من الأصل وليس منه، لكن المطلوب منه ألا يخبر أحداً بالموضوع لأن الفرصة المتاحة واحدة، فقط وقد تطير من بين يديه، حينها لا يلومن إلا نفسه.
انتهى اللقاء بالاتفاق على اتخاذ الترتيبات، وسيتولى الرجلان القيام بها، لن يكلفاه عناء السفر والبحث عمن يبيعون المناصب، أو بلغة مهذبة يمنحونها، وسيأتون بهم إليه، لكنه من باب الاحتياط وليس الشك، طلب منهما أن يدفع أولاً ثلاثة ملايين دولار، وبعد أن يصدر القرار ويتم اختياره يدفع باقي المبلغ، قالا إنهما لا يمانعان، لكن ذلك في أيدي لجنة التحكيم، ووعداه بأنهما سيحاولان جهدهما تحقيق ذلك له كي يطمئن قلبه.
استغرقت الاتصالات والترتيبات أكثر من شهر، حتى أخبراه بأنه تم إنجاز الأمر وسيحضر المحكمون غداً وسيلتقون معه في اليوم التالي، وسعد أيما سعادة، وقدم المبلغ الذي اتفق معهما عليه ثلاثة ملايين دولار بالتمام والكمال، لأنه سوف يتم استئجار فيلا، خاصة لإقامة الضيوف الكبار وإكرامهم بشكل يليق بمكانتهم، بجانب تذاكر السفر جواً بالدرجة الأولى، وكل ذلك يدخل في نطاق المبلغ المدفوع.
اشترى الدكتور حلة جديدة، وربطة عنق مستوردة، وقصر شعره، وتوجه بسيارته في الموعد المحدد الذي كان في مساء اليوم التالي، صافح الحضور، وبعد قليل لم يشعر بالارتياح لأن كبير المحكمين انتحى جانباً بالرجل المتفرنج وأخبره بعدم الموافقة على تجزئة المبلغ، وهنا حدثت مفاوضات مطولة لم يستبشر الدكتور منها خيراً وخشي أن تضيع الفرصة فإما أنها ستذهب لغيره وإما أنهم لن يأتوا إليه هنا مرة أخرى، وتعهد بالوفاء فور اتخاذ القرار، إلا أن الرجل المهم لم يوافق، وهنا تدخل الرجل الذي كان يتحدث بلغات أجنبية، واقنع الضيوف بأنهم سيحصلون على المبلغ على عهدته وبضمانه هو، وانفرجت الأزمة، وإن أبدت لجنة التحكيم العديد من الملاحظات على إمكانات الدكتور فهي لا تؤهله بسهولة للمنصب الرفيع، لكن في النهاية تم الاتفاق.
انتهى اللقاء الذي لم يكن وديا أبداً إلا أن الرجل اطمأن إلى أنه حصل على المنصب لأن لجنة التحكيم قبلت مبلغ الوساطة، إلا أن المصيبة أن الجميع اختفوا ولم يعد لهم أثر في الدنيا ويبحث عنهم بلا جدوى، فالفيلا كانت مستأجرة ليوم واحد، والأشخاص وهميون كأنهم أشباح، فلم يجد أمامه إلا أن يبلغ عمّا حدث، وما أن جلس يدلي بتفاصيل بلاغه، حتى وجد عدم اهتمام من الضابط المختص، الذي فاجأه بضحكة ساخرة وهو يمد له يده بصور لجميع الأشخاص، فصاح نعم إنهم هم.
قال الضابط لقد وقعت ضحية عملية نصب يا دكتوووور!!
بعد عدة أيام ألقي القبض على المتهمين الذين تبين أنهم لا يحملون أي شهادات، ولا يجيدون إلا الاحتيال على كل الطماعين.

اقرأ أيضا