الاتحاد

دنيا

عواصف أمي

نورا محمد (القاهرة) - نظام الحياة في بيتنا أقرب إلى النظام العسكري المتشدد الذي لا يقبل النقاش ولا رأي لأحد، لأن القيادة لا تجوز إلا لشخص واحد حتى تسير الأمور بشكل سليم، وأمي هي القائد صاحب القرار، تتولى كل صغيرة وكبيرة بنفسها وتصدر الفرمانات وعلى الباقين أن ينفذوا.
أبي طويل مهيب ذو شارب يكاد يغطي معظم وجهه، يهتم بهندامه بالأمر منها أيضاً حتى اعتاد ذلك، دائماً مستكين في البيت إذا لم يكن مشغولاً بعمل، يقضي كل وقته إما نائماً أو يعد الشاي عندما يكون عندنا ضيوف أو أقارب أو أصدقاء، حصل على إعفاء من كل المسؤوليات التي تهم الأسرة وكل شؤونها مهما كانت، لأن أمي تتولى ذلك كله، الوضع عندنا مقلوب فالقوامة للمرأة لأن الرجل تخلى عنها إجباراً أمام زوجته القوية التي هي أمي فقد سيطرت عليه وعلى الأوضاع، فلم تكن مهابة أبي إلا شكلاً خارج المنزل، وقد بدأ الجميع يدركون الحقيقة ويتعاملون معها فمن كان له معنا تعامل يتوجه إليها مباشرة لأنها صاحبة الكلمة الفصل.
أخواتي الثلاث يقمن بمهامهن في المنزل من أعمال معتادة، مثل الخادمات لا شأن لهن بما يحدث ولا يجالسن أحداً ولا يتدخلن في أي شيء، أما أنا فأصغر أفراد الأسرة، الجميع من أب وأم وأخوات في خدمتي وتحت أوامري، مدلل بكل معاني الكلمة، ومع ذلك لا أسرف في المطالب ولا التصرفات، بل كما يشهد الجميع أنني ملتزم ومجتهد في دراستي ومتفوق، ونحن الأبناء نتعاطف مع الأب ولا نرفض سيطرة الأم لأننا نراها تدير الأمور بشكل جيد لا غبار عليه، ثم أن أبانا راض بذلك ولم يشك منه يوماً وقد يحملها المسؤولية عن النتائج عند الإخفاق ويحاول أن يثبت أنه الرجل.
استطاعت أمي بعد أن تزوجت أبي بسنوات قليلة أن تعزلنا بعيداً عن عائلة أبي، قامت ببناء دار جديدة قريبة من ديار عائلتها، حتى استقر في أذهان الكثير من الناس أننا نتبع تلك العائلة ولسنا من عائلة أبي، خاصة أن أمي صنعت نوعاً من القطيعة لأعمامي وعماتي، ولا نعرف لماذا، إذ لا يبدو هناك أي سبب واضح ولم تحدث أي مشاكل، ورغم أننا في أي مواقف لا نجد إلا أقارب أبي بجانبنا في السراء والضراء، ورغم ذلك رفضت أن تزوج أياً من أخواتي لأي منهم، استمراراً في سياستها، وتزوجت أخواتي الثلاث من أشخاص غرباء، وكان الرأي الأول والأخير في الاختيار والاشتراطات لأمي التي تولت هذه الأمور ولم يكن لأبي كلمة فيها، فقد تشددت في مطالبها من العرسان بأكثر مما كان سيفعل أي رجل، لكن الغريب أن أخواتي لم يكن مثل أمهن في بيوتهن، فما زلن عند هدوئهن، مطيعات لأزواجهن، وكان ذلك سبباً في الاستقرار والعيش بلا مشاكل.
فرضت أمي على أبي ألا يدخن أكثر من ثلاث سجائر في اليوم، ومع ذلك تطالبه بالتقليل، هي لا تخاف على صحته، وإنما تقتر عليه في المصروف، ومن أجل ذلك جعلته يتحول إلى تدخين الشيشة، فهي أقل تكلفة ولا يستطيع تدخينها إلا في المساء عندما يجلس ليتولى إعداد الشاي وبجواره يعد «نار» الشيشة، كانت تلك السهرة أقرب إلى جلسات النميمة الموسعة، لأن أمي تهتم بكل ما يحدث من حولنا لا تريد أن تفوت صغيرة ولا كبيرة إلا وتحشر أنفها فيها، وتجد على هذا أعواناً يأتونها بكل خبر وتفاصيل، فقط مقابل كوب من الشاي في هذه السهرة، لكنها مع ذلك كانت تؤنب بعضهم ليأتوا لها بالشاي والسكر والمشروبات المثلجة أو العصائر، ويتجمعوا لأنهم يجدون هنا وكالة الأنباء والأحداث.
أصيب أبي بمرض صدري وكان يسعل طوال الليل وبعد عدة أشهر انتقل إلى جوار ربه، حياتنا بعده انقلبت رأساً على عقب وشعرنا بفراقه وخلو مكانه الذي لا يمكن أن يملأه أحد، فمجرد وجوده في حد ذاته كان غاية في الأهمية التي لم نشعر بها إلا بعد أن افتقدناه، فقد سقط ركن ركين، كان حزننا عليه شديداً وأولنا أمي التي كادت تصرح بندمها على قسوتها معه وأنها لم تنزله منزلته طوال حياته، وكانت صعبة في كل تعاملاتها معه، وتعترف أحياناً فيما يشبه حديث النفس بأنها حملته ما لا يطيق وتحمل منها الكثير، وكان صبوراً حتى النفس الأخير، إلا أنها ترى أنها لم تقصر نحوه في الرعاية والعلاج خلال فترة مرضه.
بعد رحيل أبي أصبح بيتنا خاوياً، انتهت جلسات السمر، ولم يعد يصح أن يزورنا أي رجل حتى في وجودي، لأن أمي الآن أرملة ولا يجوز أن تخالط الرجال حتى الأقارب منهم، ولم يبق إلا قليل من بعض الجلسات النسوية التي لم تفقد سماتها القديمة، لكن بشكل عام فقد البيت الأجواء التي كان ينعم بها، واكتشفنا أن أبي كان يحمل الكثير من المسؤوليات التي لا يمكن لأمي أن تقوم بها وإنما لم يكن يظهر ذلك جلياً في حينه لأنها قد تنسب الإنجازات لنفسها.
انتهيت من مراحل التعليم والتحقت بعمل في منطقة نائية، أتكبد عناء السفر إليها كل يوم، أمي تقضي كل وقتها وحيدة حتى أصابها الملل والاكتئاب، وبدت عليها علامات الشيخوخة، وتفكر في أن تزوجني، وعندما أفصحت عن رغبتي في الارتباط بإحدى بنات عمي، عادت أمي إلى طبيعتها القديمة التي اعتقدت خطأ أنها تخلصت منها، وثارت ثائرتها، وهبت عواصفها المصحوبة بالتوعد والتهديد بكل ما لها من قوة، ورغم أنها لم تسمع وجهة نظري وحقي في اختيار من ستشاركني حياتي، فقد تراجعت عمّا قلت واعتبرت نفسي مخطئاً، وتركت لها أن تتولى الأمر برمته إرضاء لها، بعدما حاولت أن تلمح أنني أخرج عن طوعها ولم يعد لها قيمة بعدما أفنت حياتها من أجلي، وقالت كلاماً كثيراً من هذا القبيل لم يكن واقعياً وإنما افتراضياً باعتبار ما يمكن أن يحدث. ظهرت نوايا أمي جلية بعدما حصلت مني على تطمينات بأنها ما زالت صاحبة الرأي والمشورة وأيضاً القرار والكلمة العليا، كما كانت وان صلاحياتها كما هي لم تنتقص ولم تتأثر، ورغم أننا وحدنا أنا وهي في الدار، فقد وجدتها تحدثني همساً كأنها تسر إلى بشيء غاية في الأهمية لا تريد أن يطلع عليه أحد من خطورته، وقالت إنها ستختار لي ابنة أخيها، وراحت تعدد لي مميزاتها بأنها فتاة على قدر من الجمال والأدب والالتزام، هادئة الطباع وتعرف عنا ونعرف عنها كل شيء وليست غريبة ونستطيع أن نتفاهم جميعاً بسهولة فلسنا غرباء، وأبوها رحب بذلك.
لم يفتني من خلال تلك الكلمات الأخيرة أن أفهم أنها فاتحته بالفعل أن لم تكن تحدثت معه في التفاصيل من دون علمي ومن غير أن تشركني في أي شيء، وادعيت عدم الفهم، أو تغاضيت عن ذلك واعتبرت أنها تأخذ مشورتي في أمر يهمني ويهم حياتي ومستقبلي كله، ومع قناعتي بأن الاختيار سليم وان ابنة خالي فتاة لا غبار عليها وأنني أوافق اختيارها، لكن الطريقة التي تتعامل بها أمي جافة وقديمة ولا تقدر أن الدنيا تغيرت وتطورت وأنا حريص على رضاها، وحاولت أن أجعلها تشعر بأنها صاحبة القرار، وافقت على اختيارها، ورحبت به.
وكما فعلت أمي من قبل مع أبي ومع أخواتي في زيجاتهن، فعلت معي فقد جعلتني على الهامش، وتولت الاتفاق مع خالي، وعندما أكون حاضراً لا تسمح لي بالتدخل أو إبداء الرأي في أي شيء وتقاطعني ولا تحاول أن تسمع، فقد اعتادت أن تتكلم كثيراً وتسمع قليلاً، والطبع يغلب التطبع، صحيح أنني موافق على ما تفعله من الأساس لكنني معترض على الشكل، المهم في النهاية أن تكون راضية ولا تغضب مني، ومضت في اتخاذ القرارات واتفقت مع خالي على المهر والشبكة والمؤخر وكافة التفاصيل، ولم يكن الموقف محرجا بالنسبة لي بسبب صلة القرابة واعتبرت أننا أسرة واحدة، حتى الأثاث والمفروشات كان من اختيارها، وأعدت عش الزوجية حسب رؤيتها بأذواق أكل عليها الدهر وشرب.
لم أتوقف أمام كل ذلك لأنه في النهاية سيبلى ويمكن استبداله فيما بعد ولا يضر كثيراً، لكن ما حدث بعد أن تمت الزيجة كان المفاجأة الأكبر التي لم تخطر لي على بال ولم أحسب لها أي حساب، فمنذ اليوم الأول وأمي تتدخل في كل تفاصيل حياتنا أنا وزوجتي حتى الخصوصات لم نسلم منها، أنا أفهمها وأستطيع أن أتجاوز فهي أمي، لكن زوجتي لم تتحمل، تتلقى النقد على كل شيء، أن فعلته تؤنبها على فعله، وان تركته تؤنبها على تركه، لأنها تريد أن تحصل على رأيها قبل أن تقدم على أي فعل مهما كان صغيراً، ولا يحق لها أن تتخذ أي قرار مهما كان حتى لو كان يخصها، وحاولت أن أجعل زوجتي تتحمل وتتغاضى عن ذلك، وقد استجابت بالفعل وتنازلت عن كثير من حقوقها أو كل حقوقها، لأنها في النهاية عمتها.
استعادت أمي سطوتها القديمة وعادت لتتعامل معنا معاملة الجنرالات، وتلغي وجودنا تماماً، حتى افتعلت لنا أزمة من لا شيء عندما اتهمت زوجتي بأنها عاقر لأنها لم تنجب رغم أنه لم يمر عام على زواجنا، استشعرت أنها تختلق المشاكل التي لا أستطيع تحملها، تضعني في نفس الموضع الذي كانت تضع فيه أبي، بصورة طبق الأصل، أما الطامة الكبرى فإنها تغار من زوجتي، وقالتها صراحة أنها أخذتني منها، وبمجرد أن قلت لها إنه اختيارك، ثارت ثورتها المعتادة، وقررت الاعتزال بعد أن حصلت على نصيبها الشرعي من الميراث وعليه نصيب أخواتي.
رفضت أمي كل سبل التصالح والاعتذار عن أخطاء لم نرتكبها، إلا أن ما لا استطيع أن أتحمله أن تبقى وحدها وهي في هذا العمر، وما زالت مصرة على موقفها، لست غاضباً منها، ولكني أخشى غضبها.

اقرأ أيضا