الاتحاد

الاقتصادي

المنافسة الآسيوية تقود السيارات الأميركية إلى حافة الانهيار


ديترويت- 'الاتحاد': بعد ثمانين عاماً من زعامتها الإمبراطورية منتجة أولى للسيارات في العالم، يبدو أن شركة جنرال موتورز الأميركية سوف تفقد موقعها لأول مرة خلال عام 2006 لمصلحة شركة تويوتا اليابانية بعد أن تراجعت حصتها إلى 26,4 في المئة من السوق الأميركية في نوفمبر ·2005 في الستينات كانت سيارة من كل سيارتين تباعان في الولايات المتحدة من صنع جنرال موتورز غير أن الصدمة حدثت أواخر العام الماضي، فبعد أن ارتفعت مبيعاتها خلال الأشهر التسعة من العام الماضي، سجل الفصل الأخير نتائج سلبية جداً على حين بلغت ديونها أرقاما قياسية لامست 285 مليار دولار (مرة ونصف حجم أعمالها)، ما جعل المراكز المالية تنذر المستثمرين من اقتراب الوضع المالي في الشركة من الخطر·
'عملاقة ديترويت' ليست مجرد شركة كغيرها من الشركات لأن لما يحصل فغيها تأثيراً مباشراً على الدورة الاقتصادية في الولايات المتحدة، ويبدو أن ما تعاونيه 'جي ام' الآن بدأ ينعكس سلباً على اقتصاد الولايات المتحدة·
تبلغ الأجور التي تدفعها جنرال موتورز سنوياً تسعة مليارات دولار لنحو مليون مستخدم منهم مستخدمو الشبكات التجارية والمالية وغيرها، ما يظهر انعكاس أية أزمة تعانيها 'جي ام' على الاقتصاد الأميركي ككل· وحسبما تقول دراسة أعدتها مؤسسة 'ميريل لنش' في نوفمبر ،2005 فإن الأزمة كبيرة لاسيما بعدما تراجعت مبيعات سيارات 'جنرال موتورز' في الأسواق الأميركية من 5,1 ملايين سيارة عام 1981 إلى 4,7 ملايين عام ،2004 وبذلك تتعرض الشركة إلى أزمتين: الأولى فقدانها قسماً من حصتها في السوق الأميركية والثانية ارتفاع الكلفة الناجم من ارتفاع أسعار المواد الأولية، لاسيما بعد ارتفاع فاتورة 'جي ام' إلى 5,6 مليار دولار لسنة ،2005 ما يؤدي عملياً إلى زيادة 1500 دولار في كلفة كل سيارة تصنعها جنرال موتورز، لضعف قوتها التنافسية كثيراً أمام الشركات اليابانية والكورية التي تلقت منها الشركة الأميركية الضربة الأكثر إيجابا وقد تمركزت في الولايات المتحدة في الثمانينات، واعتمدت على يد عاملة شابة بنظام مختلف للضمانات بحيث أن لدى 'جي ام' الآن خمسة متقاعدين مقابل اثنين فقط لدى 'تويوتا'·
إلى ذلك، كانت السيارات اليابانية قد ركزت مصانعها في ولايات الجنوب الأميركية، حيث متطبات نقابات العمال أدنى كثيراً مما في منطقة 'البحيرات الكبرى' حيث مهد صناعة السيارات الأميركية وحيث نقابة 'اتحاد عمال السيارات' الأكثر فعالية والأكثر مطالب عمالية، إلى درجة إضعاف القدرة التنافسية لــ 'الثلاثة الكبار'، أي: شركات 'جي ام' و'فورد' و'كرايسلر'·
11 سبتمبر
بعد اليابان، جاءت هجمات 11 سبتمبر 2001 لتسرع أزمة كانت تزحف ببطء، فكادت سوق السيارات أن تنهار، ولمواجهة ذلك، خاضت 'جي ام' حرب أسعار هبوطاً إلى سعر 4000 دولار للسيارة، وبذلك كانت 'جي ام' تحفر قبرها بيدها، وذلك بعد أن اعتاد زبائنها مستوى سعري منخفض حسبما يقول الخبير غريغ فندفلغ، أحد كبار أقطاب ديترويت· وبالفعل، فعندما عادت 'جي ام' في الخريف الفائت إلى أسعارها الحقيقية، انهارت مبيعاتها بنسبة 20 في المئة بحيث أنها تعمل الآن بنسبة 70 في المئة فقط من قوتها الإنتاجية التي لابد من رفعها إلى 80 في المئة لكي تبدأ بتحقيق بعض الأرباح·
ومن أسباب أزمة 'جي ام' أيضاً اعتمادها على تسويق 12 ماركة من ماركاتها الثانوية، إضافة إلى 90 موديلاً في الأسواق الأميركية، مقابل 30 موديلاً لشركة 'تويوتا' التي تعتمد ثلاث ماركات فقط·
'البيع بكميات قليلة لأرباح قليلة'، حسبما يقول فندفلغ مثل أزمة 'جي ام' المستمرة، في مقابل اليابانيين الذين يركزون على عدد محدود من الموديلات ذات النوعية المتقدمة والمزودة بأحدث الابتكارات·· والنتيجة: بيرل هاربور اقتصادية: تويوتا تبيع 80 ألف سيارة مقابل 50 ألفاً لسيارات 'جي ام'، ولم يكن مفاجئاً للخبراء أن تعمد 'جي ام' في الواحد والعشرين من نوفمبر الماضي إلى إقفال تسعة من مصانعها لتلغي بذلك 30,000 فرصة عمل، ما زاد في نسبة البطالة في الولايات المتحدة·
الخبراء يرون أنه إذا أرادت 'جي ام' الخروج من أزمتها الحالية، فإن عليها أن تخفض أجور مستخدميها إلى 85 في المئة من هنا حتى العام 2007 على الأقل، وهو موعد انتهاء الاتفاق الذي عقدته الشركة مع نقابة 'اتحاد عمال السيارات'· على أن بعضهم يرى أن هذه الخطوة على صعوبتها لا تشكل حلاً لمشكلة 'جي ام'، كما يقول الخبير 'بيتر ديلورنزو'، لأن المهم لإخراج جي ام أزمتها هو صنع سيارات يرغب بها الزبائن·
من هنا، لم يعد مستغرباً ان تصل 'جي ام' إلى درجة تضطر فيها الحكومة الأميركية إلى إنقاذها خاصة أن الانتخابات النصفية سوف تجري خلال أقل من سنة، فيما تشكل صناعة السيارات دوراً انتخابياً أساسياً في العديد من الولايات الأميركية، من تراه يفوز إذاً؟
والثلاثة الكبار 'جي ام' وفورد وكرايزلر، ناخبون جمهوريون تقليدياً، ما جعلها في بداية التسعينات ترفض مساعدة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، الديموقراطي الذي اقترح عليهم خفض حجم مخصصات التقاعد· والسؤال المطروح بقوة الآن هو: هل لا يزال كبير 'الثلاثة الكبار' متمسكا بغروره؟!
أقطاب متماسكة
بمبيعاتها البالغة 17 مليون سيارة، من المبكر الحديث عن أزمة حقيقية في صناعة السيارات الأميركية حتى الآن، فكرايسلر أحد أقطاب 'الثلاثة الكبار' تبيع أكثر من فورد التي اشترتها الألمانية 'ديملر' في العام 1998 بعد مرورها ببعض الصعوبات التي بدأت تتعافي منها الآن، بحيث أن كرايسلر، بعد أن قامت باختزال 40,000 فرصة عمل بدءاً من العام ،2001 بدأت تقف على قدميها وتحقق أرباحاً لا بأس بها مستعيدة بذلك حصتها في السوق الأميركية في قطاع صناعة السيارات شاغلة المركز الثالث·
وفي المقابل، تبقى الغلبة الأساسية للسيارات اليابانية التي تستحوذ منذ العام 1999 على 41 في المئة من حجم السوق الأميركية، وهي نسبة ضخمة إذا ما قيست بأنها تنتج خارج أرضها ولكن هذا النجاح حصل من خلال استراتيجية قائمة على الإكثار من مصانع السيارات بحيث أنها في العام 1993 زادت قدرتها الإنتاجية على الأراضي الأميركية إلى نحو 3,12 مليار سيارة، وبحسب تقديرات 'ميريل لنش'، فإن هذا الرقم مرشح للارتفاع إلى سبعة مليارات سيارة بحلول عام ·2010 وكانت الشركات اليابانية قد استفادت من الأزمة النفطية في الثمانينات لإطلاق سياراتها الصغيرة الحجم والأوفر في استهلاك الوقود من السيارات الأميركية الضخمة· وفي المقابل لم تتأثر الشركات الأميركية كثيراً من جراء ذلك خاصة بفعل اطمئنانها إلى سيارات الدفع الرباعي، فحافظت فعلاً على وضعيتها التجارية الجيدة لكن في نهاية الثمانينات عمدت السيارات اليابانية إلى غزو قطاع الدفع الرباعي، ولم يكن لدى الشركات الأميركية القدرة التنافسية للصمود طويلاً· كانت كاليفورنيا وولايات الساحل الشرقي السباقة إلى شراء السيارات اليابانية لكن هذه الطفرة سرعان ما بلغت حدودها القصوى مع الارتفاعات القياسية في أسعار النفط، وهذا ما شكل صدمة إضافية للسيارات الأميركية، المعروفة بكثرة استهلاكها للبنزين، وهو ما بدأت شركة كرايسلر تسعى إلى مواجهته بصنع سيارات أقل استهلاكاً، ولكن كيف ستتمكن كرايسلر أو غيرها من اللحاق بالسيارات اليابانية القليلة الاستهلاك للطاقة؟
وفي شكل شبه كاريكاتوري كأن 'المشكلة اليابانية' لا تكفيها، فقد وجدت السيارات الأميركية نفسها 'محشورة' بين السيارات الكورية والأوروبية، فالكوريون أمسكون بالسيارات الرخيصة الثمن مع المحافظة على توازن النوعية مع السعر، فيما عرف الأوروبيون كيف ينجحون في قطاع السيارات الفخمة التي تنافس السيارات الأميركية في تقنياتها· وأسهمت كل هذه العوامل في إضعاف قوة شركة 'جي ام' ونظيرتيها من 'الثلاثة الكبار' مع فورد وكرايسلر ·· فهل تشهد سنة 2006 انهيار 'جنرال موتورز' إمبراطورية السيارات الأميركية؟
أورينت برس

اقرأ أيضا

الصين تزيد وارداتها من أميركا بموجب اتفاق التجارة الأولي