الاتحاد

ألوان

الليمون والسمن والهمبا.. هدايا «القياظة»

هناء الحمادي (أبوظبي)

رغم بساطة الحياة في الماضي، فقد عاش أبناء الإمارات في ظروف صعبة، فلم يكن هناك مكيفات هواء تأتي بالنسيم العليل ولا كهرباء ولا ثلاجات ولا حتى ماء بارد أو فاكهة مثل التي تزرعها الإمارات في وقتنا الحالي أو تأتيها بالسفن والطائرات من دول العالم كافة.. لكن ذلك لم يمنع البحث عن المناطق الزراعية والتي تعتبر من أشهر المقائظ التي يفد إليها الناس لتميزها بوفرة آبار المياه العذبة والأفلاج، والفواكه الصيفية وأشجار النخيل والأعشاب الطبية، والعسل الذي يتوافر في هذه الفترة. ويقول الوالد راشد أحمد البيعي من دبا الفجيرة، إن رحلة المقيظ تنطلق مع بداية فصل الصيف، «المقيظ» وهو الموسم الذي ترتفع فيه درجة الحرارة، كما ترتفع نسبة الرطوبة، خصوصاً على السواحل، وكان الأهالي يفيضون في المقائظ مثل الواحات والمزارع، وتتراوح الفترة بين 3 و4 أشهر تقريباً حتى أواخر فصل الصيف، وهي الفترة التي يعلن فيها انتهاء موسم الغوص الكبير «القفال» وعودة البحارة والغواصة إلى ديارهم، حيث تبدأ رحلة الصيد والغوص مع بداية فترة المقيظ، ما يستدعى ذلك بناء بيوت العريش المصنوعة من سعف النخيل لتكون بيوت المقيظ لأهالي المنطقة وللقياظة، وهم «الضيوف» من المناطق الأخرى.
البيعي يسترجع تلك الذكريات قائلاً: «يقوم المزارعون من سكان البراحات والواحات بتقديم الهدايا للقياظة، وتسمى عندهم «الشفية»، وتشمل أكياساً مصنوعة من السعف، يوضع فيها التمر والليمون المجفف والهمبا أي المانجا الخضراء التي تصنع منها الآجار، إضافة إلى السمن البلدي والمنتجات المصنوعة من سعف النخيل مثل الحصير والمهفات».

أغنى الفصول
النوخذة علي أحمد الظنحاني من أهالي دبي الفجيرة ومواليد 1956، يقول «ما أن يهل فصل الصيف، وتبدأ تباشيره بالظهور، حتى يبدأ الأهالي بالبحث الدؤوب عن مكان للمقيظ، هروباً من لسعات الحر القاسية، وليتنفسوا نسماته الباردة».
ويضيف «وقت الصيف بالنسبة للمزارعين وقت جهد وعمل، فالنخيل بمختلف أنواعها تبشر بالرطب، وكانت النخيل هي الشجرة الأولى التي نعتمد عليها في الغذاء، وفي كل مرحلة من مراحل النخلة التي تبدأ بالطلع وتنتهي بالجني وتعبئة التمور، فإن المزارعين في استعداد تام لإنجاز تلك الأعمال بروح عالية للغاية تقهر الحرارة التي تعودوا عليها».
وأوضح أنه في فترة الصيف تكثر أنواع من الأسماك التي تكون غذاءً رخيصاً للجميع، أما المزارعون فينتجون يومها أطناناً من التمور الجيدة، فيشتريها الصيادون وسكان الساحل الذين لا يملكون المزارع.
أما أهم الأنواع الأخرى من المحاصيل التي تجود في الصيف «كان الصيف في الماضي أغنى الفصول التي تجود بالفواكه اليانعة ذات المذاق الطيب، ننتظر موسمها بلهفة وفرح»، مشيراً إلى أن «صيف الإمارات كان يعج بأصناف كثيرة من الفواكه التي تنتج محلياً عكس اليوم، وعدّد الكثير من هذه الفواكه وهي الرطب واللوز والليمون واليح (البطيخ) والبطيخ (الشمام الأصفر) والهمبا (المانجو)».

تجمع والتفاف
ويضيف الوالد سعيد محمد المينون «واجه الآباء والأجداد قديماً جميع أنواع صعوبات المعيشة وقسوة الطبيعة التي سعى في كل الأحوال إلى تجاوزها وإنْ كان الثمن لذلك المغامرة بحياته أو فقدان عزيز عليه، فقد لجأ قديماً إلى «المقيظ»، وهي إحدى الرحلات التي ابتدعها ليواجه حرارة الصحراء عبر التنقل من مناطق الساحل التي تشتد حرارتها ورطوبتها صيفاً إلى المناطق المعروفة بالمقايظ مثل «البراحات» و«الواحات» و«المحاضر» التي غالباً ما تمتاز ببرودة الطقس».

اقرأ أيضا