الاتحاد

دنيا

الشعر حين يضع يده على نبض الحياة


زهير غانم:
يبدأ الشعراء الشباب جديدهم بقصيدة النثر محاولين حصاد نثر الحياة وشعرنته في أجسادهم وأرواحهم المحتدمة والقلقة، وكأن ما يحركهم الرفض والتمرد··· رفض القديم والتمرد على السياقات الشعرية المألوفة، وهكذا يبتدع هؤلاء سياقاتهم الشعرية بمعزل عن الماضي أحياناً وعن الراهن أحايين أخرى، فيما يفتح واحدهم صندوق باندورا السحري ليأخذ منه شتات لغته وتمزقها بين واقع ساري المفعول، سرابي، ممزق، وبين خيال توهيمي بالفعل ورد الفعل الذي يعرو تطوحاتهم وجراحاتهم واندمالاتهم· أمام نزيف هواء وضوء· وتغول وتغور عتمات وماء وتراب· وجنون وجنوح عناصر لا يحفل بها وعي هؤلاء إنما يرتكبها اللاوعي، حين تدور الدوائر في الشعر الجديد الذي يدور الزوايا، ويضرب في مستحيله، مرتكناً إلى ما يرتكبه لاحقاً، أو ما يرتبك فيه راهناً، محاولاً العبور من جنة المنسيات إلى جحيم التذكر أو رصد السلوك الضائع في الوقت· رصد الوقت الذي يكيل الحياة المستحدثة والحادثة بكافة المكاييل، وكأن اللغة تأبى أن تقع إلا على نقضيها واستحالاتها، وأن تتجادل الا مع ما يقلقها ويؤرقها من العادي والمهمل والمنسي··· من المحجوب والمغيب والمتروك حيث للشاعر فتنة العثور على ضياعه على قارعة الحياة وعلى مهاد الحلم وهاوياته·
وكأن الشاعر محمد الأمين في تجربته الأولى عبر مجموعته 'خطوط بيضاء نحو البيت' والتي تأخر صدور قصائدها سنوات، يعثر على رغبته وهي تمارس الهجران والحلم في قارات الجسد وأرخبيل الروح· لذلك يرصد سلوكات هذه الرغبة في تحولاتها وانزياحاتها أو علاقاتها مع الآخرين بعد استقراء أحوالها ومقاماتها ومقابساتها مع النفس أو الذات التي ترصد لها اللغة المتواقتة معها والمتزامنة المتماكنة في شؤونها وشجونها، حين يتخطف هذه اللغة لاحتوائها الكائن والكينونة، الوجود والعدم، وهو لا يتغلف في ذلك إنه يعتمد البداهة، بداهة الكائن في الوجود، في الحضور والغياب، وفي الصحو والمحو· وكأن الشاعر على أهبة الاستعداد لقراءة المرايا التي يتملاها ويتراسم فيها، ويسلك عبر لغتها عبر ملائها بالظلال التي تحيق به، وظلاله هو بالذات، ظلال حركته وسكونه وجدله في الخفاء والتجلي بينهما· هذه المرايا التي تصور له شؤون حياته - حيواته وشجونها، لذلك يهدي قصائده لآخرين أصدقاء، وأحباء، وحبيبة يرى كيف يتمظهر في صحبتها على أكمل رغد وغبطة في اللقاء، وكأنه دائماً يتناسخ حياته وجسده وينضر بهما· إنه يحب على طريقة الريفي في المدينة لذلك نستشف صعوبة التكيف وضغط الرومانسية الذي لا ينفع في المدينة· فيترك الحب على سجيته ويرصد تحولات الجسد والروح من خلاله وكأنه يتمرأى بهذه الحياة، ويتوالى فيها يتناقلها ويتنقل داخلها منغمساً في جواهرها وأعراضها، آخذاً منها مسروداته الشعرية وما يقدر عليه·
برق الشعر
ثلاثون قصيدة في خمس وسبعين صفحة يتعب جسد الشاعر في نهايتها حيث يثمل وينام وكأنه يقفل هذه المشهديات الشعرية التي تحتوي على ملكة القص والسرد أحياناً (قصائده التي تفوق الصفحة إلى الصفحتين وأكثر نادراً) لكن قصائد الصفحة التي توحي بالهايكو هي أكثر من ذلك، ولو امتلكت البرق الشعري الضارب في الهايكو إلا أنه يتمدد فيها بعض الشيء ليخفف من اصطدام برقها بروحه وبعثرتها· لذلك يضبط جموحها وجنوحها الا أنه يتقاطر ويتكاثف فيها لغة وشعراً دون كثير تعاريج في جسد القصيدة· هي حالة نفسية أو أحوال يستظهرها دون منطقية في استظهارها ودون هندسات مرئية كما يقال· إنه يهندس المرئي باللامرئي· ويتواصل ويتهاجر في المرايا عبر مرسلاته للآخرين· وعبر شيفرته التي يقدر ربما وحده على فك رموزها·
وكأن محمد الأمين يسير على خطوط بيضاء هي نيجاتيف، وحين يستظهرها ويستبصرها يرى أنها سوداء ورمادية وقزحية الألوان، ولا يستدعي أبيضها أسودها فقط بل يستدعي دائرة ألوان الحياة التي يمارسها ويتبادلها مع الأصدقاء، والأهل، والحبيبة، وهو يرى أن هذه القصائد هدية الأصدقاء اليه فتصير هدية إلى الأهل لكن ايغاله في الحب والرغبة يتركه على تخوم الأفراح والأحزان· وهو يتكهرب فيها إلى الحد الذي يحتملها، كما يعترف هو ويصرح، في محاولة للتوازنات الشعرية· وحتى لا يخرج الخطاب الشعري إلى الهذيان والتداعي والجنون يحافظ على قيمة التعبير وفصاحة دلالاته ويندرج في شاعريته بحب وإنسانية بكثير من الترقرق والتموج والحب والانسانية!
ميراث شعري
ومحمد الأمين الشاعر، من عائلة شعراء وكتاب· وهو من الجيل الجديد فيهم حيث يحاول امتلاك لسانه وخطابه الشعري، وكانت الشاعرة هناء الأمين قد خرجت على كلاسيكية العائلة وقبلها أحياناً عبدالمطلب الأمين، لكن محمد شاعر آخر· وفي ضفة ثانية·
وقادر على السباحة في بحر الشعر الحديث وقصيدة النثر، وحده وبامكاناته التعبيرية وهو يتجوهر في قصيدته على مقام جسده الشرقي· وموسيقى الروح الجوانية التي تتراءى لميحاً في أوتار الكلمات والتعابير، ينشجها وينشدها في الشجن السري الذي يحتكم إليه وهو الحب، والتفاعل مع الوقت·
إنه يلتمس دخيلته ويحاول ترجمة برمجة الفوضى الضالعة فيها، وما بين جسد المكان وجسد الشاعر وجسد القصيدة تلك التشاركات والتشابكات التي تندرج مع بعضها وتتعالق في اللغة شعراً، وفي المجاز جماليات· وفي الهومانات أشياء يتداركها الشاعر ويدركها في سكنه وغرفته وشارعه ومدينته، و في نهاره وليله حتى أنه لا يسهو عما هو فيه· حتى وهو يحلم ويتذكر ماضياً، أو يتمنى ويرغب راهناً ومستقبلاً فإنه يتدجج بقصيدته التي تتوارى فيه أو تنهمر مستمطرة نفسها وبعض فراغاتها ونجومها، وربما ثقوبها السوداء· إلا أنه يزجج قصيدته يفخرها ويخزفها وينمنمها كما هي الحياة التي يتناولها بمسمياتها ورموزها ودلالاتها وعلاماتها واشاراتها التي تتنافذ فيه كمياه جوفية ينزفها دون أن يغالي بمعاناة ما، لكنه يجوهر الحزن ويجعله ألماسياً، خاصة وهو يصقل تجربته ويضيء جوانب فيها، يضيء الظلال، ويضيء ما هو مضيء بتوريته بعض الشيء· إنه الشاعر الذي يطل على حياته من عل ولكن ليس على خرائبها بل على جمالياتها وحميمياتها وأحلامها·
لا شك أن قصائد 'خطوط بيضاء نحو البيت' هي أيضاً خطوط سوداء معلومة ومجهولة في آن، وهي في الصحو والمحو الشعريين اللذين يمارسهما الشاعر بمهارة من يجلو قصيدته كعروس ليلة زفافها بفستانها الأبيض وليلها المضيء· وإلا لماذا لا يذهب في غموض وراء غموض بل يفصح عما يعتمل في دخيلته من مشاعر محتربة ومتضاربة تجد من يسوسها شعراً بقيادة محكمة التعبير حتى لا تضل البؤر الشعرية عن تمركزها في الهندسات اللامرئية للقصيدة التي يراكم فيها اختبار حياة، أكثر من اختبار كتابة وكأنه يبدأ نصوصه من جديد دائماً ولا ينتهي منها·
هكذا يكون شعر محمد الأمين فواتح مضيئة، ونوافذ على الحرية··· حرية التعبير، وحرية الحياة· وكأنه يريد ويرغب في اغتراف اللغة التي تحمل هذا الجيشان والشجن الذي يلازم الوقت الذي ينقضي ويفوت ويمسكه الشعر أن ينقضي ويفوت···!

اقرأ أيضا