الاتحاد

دنيا

نور ويسرا على الهامش في دم الغزال


القاهرة - ماجدة محيي الدين:
تمرس السيناريست وحيد حامد على السير فوق الاشواك وبمهارة لاعب محترف أخذ يصوب رسائله الملغومة بكلمات وجمل تحمل معانٍ متعددة، وكعادته يثيرالحيرة والاعجاب، ويشعل الجدل في فيلمه السينمائي الجديد 'دم الغزال' الذي كتب قصته واعد له السيناريو والحوار وأخرجه محمد ياسين ولعب بطولته نورالشريف ويسرا ومنى زكي وصلاح عبدالله وعمرو واكد ومحمود عبدالمغني وعبدالعزيز مخيون·
يأخذنا الفيلم مباشرة الى الموضوع حيث نتعرف من أول مشهد على معظم الشخصيات الرئيسية، من خلال زفاف 'حنان' منى زكي التي نراها بجوار عريسها في حفل شعبي يضم أهل المنطقة العشوائية ونعرف ان 'حنان' فتاة يتيمة الأب والأم، وندرك انها 'الغزال' المقصود، ونكتشف ان الطبال 'ريشة' الفنان محمود عبدالمغني كان يحبها، كذلك البلطجي أوالهجام 'عمرو واكد'، ولكن 'عم عبده' الفنان صلاح عبدالله صديق والدها فضل ان يزوجها من 'النقاش' ابن المعلمة 'توحة'، رغم انه حشاش ووالدته تاجرة مخدرات لكنه ميسور الحال· وفجأة تداهم الشرطة الفرح ويتم القبض على العريس الفنان 'محمد شرف' بعد ان عثرت الشرطة على مخدرات في جيبه، اهداها له التاجر لزوم الفرح، ويقضي ليلته في الحجز وينفض الفرح وتبقى 'حنان' مع دموعها· ويقودها 'عم عبده' الفنان صلاح عبدالله الى بيت عريسها وترفض حماتها المعلمة 'توحة' بقاءها في المنزل وتطردها باعتبارها جلبت سوء الحظ لابنها الذي يتعاطى المخدرات دائما بلا مشاكل ولكن لأنها فتاة نحس تم القبض عليه في ليلة عرسه·
تحمل 'حنان' حقيبتها وتسير في الحارة مساء ليراها أهل المنطقة ويحتضنها 'جابر عميش' الفنان نور الشريف الرجل الكهل الأعزب الذي كلفه والدها قبل رحيله بأن يرعاها· بينما كلف صديقه الآخر صلاح عبدالله أو 'عم عبده' بأن يسترها· وينثر وحيد حامد افكاره بوضوح على لسان 'عميش' و'عبده' ليؤكد ان هناك فارقا كبيرا بين 'الصون' و'الستر' فالأول يريد ان يحفظ لها كرامتها ومشاعرها بينما الثاني يسعى لان يوفر لها لقمة العيش وجدرانا تأويها حتى لو كان الزوج 'صاحب مزاج' ووالدته تاجرة مخدرات، وتصر 'حنان' على ان تعتمد على نفسها وتتحمل مسؤولية حياتها وترفض الاستمرار في تلقي المعونات· ونتيجة ظروفها السيئة يصبح من الصعب حصولها على فرصة عمل· فزوجها في السجن بتهمة تعاطي المخدرات وشقيقها يقضي عقوبة بسبب انتمائه الى خلية إرهابية وهي مطمع للبلطجي عمرو واكد الذي نجح في إجبار زوجها على تطليقها وهو في السجن وكذلك مطمع للطبال 'ريشة' مدمن الافيون· وتقبل سيدة الأعمال 'نادية صفوان' الفنانة يسرا صاحبة صالة الجمنيزيوم ان تعمل 'حنان' لديها كخادمة في البداية فقد اعادت لها ذكريات خاصة فهي نفسها كانت واحدة من عالم المهمشين وطحنتها الحياة ولكنها قبلت ان تدفع الثمن لتقفز الى طبقة الاثرياء من خلال علاقات مشبوهة وزواج مصلحة، لتصبح في النهاية صاحبة أكبر صالة رياضية يتردد عليها أغنى الرجال والنساء ممن أطلق عليهم المؤلف 'كريمة المجتمع' وبالتدريج تتعرف 'حنان' على عالمها الجديد· دنيا مختلفة عن تلك التي عاشتها· وتقترب اكثر من 'نادية صفوان' يسرا وتنشأ بينهما علاقة تعاطف وتشفق كل منهما على الأخرى فقد وجدت 'حنان' لأول مرة من يهتم بمشاعرها ومستقبلها كذلك عثرت 'نادية صفوان' على قلب بريء مخلص يقدر ظروفها وحرمانها من ابنها الوحيد نجل رجل الاعمال الثري 'زيدان بك' الفنان عبدالعزيز مخيون الذي يرفض وجودها في حياة ابنها ويهددها بماضيها وتحطيم مستقبلها·
ويزيل وحيد حامد القناع لنرى عالمين مختلفين كل منهما مليء بالعشوائية والفوضى والعنف 'حنان' وعالمها الذي يعاني عشوائية الجهل والتخلف والتطرف و'نادية صفوان' التي يعاني عالمها الفساد وسطوة رأس المال· ووسط هذه العشوائية يقرر البلطجي عمرو واكد ان يزيح غريمه الطبال 'ريشة' الفنان الشاب محمود عبدالمغني، ويلقنه درسا قاسيا امام أهل الحارة ويسحق كرامته امام غزالة الحتة 'حنان'· ويقرر'ريشة' الطبال الانتقام بطريقة عشوائية لكرامته ولا يجد أقوى من جماعة ارهابية تتستر وراء الدين وتفرض سيطرتها على المنطقة فيلجأ اليهم ويقبل شروطهم ورغم انه لا يحفظ شيئا من الدين ينصبونه أميرا للجماعة ويصبح كما يصفه السيناريو رئيس جمهورية المنطقة ويقرر الثأرلكرامته من البلطجي عمرو واكد· وبإسم الدين يقيم عليه الحد ويقطع يده بأعتباره 'هجاما' أي 'لص مساكن'· ويتفرغ لمطاردة 'الغزالة' وبسبب تورطه في جرائم إرهابية ترصده أجهزة الامن وتسعى للقبض عليه بعد زيارته للراقصة التي كان يعمل معها 'صفوة' لكنه ينجح في الهرب·
وتلجأ الشرطة الى 'الغزالة' للإيقاع بالإرهابي 'ريشة'· وتكون النهاية هي 'دم الغزال' الذي يسيل بعد معركة تبادل لإطلاق النار بين الأمن والارهابي الذي افلت مرة اخرى من ايديهم·
دماء البراءة
حول دراما الإرهاب التي انتهت بعد ان كانت موضة قال وحيد حامد: الإرهاب لم يكن موضة، لأنه لم ينته، وليس من حقي ان اعترض على مدى قبول الناس للفيلم، لكن من حقي ان اعترض على اغفال الحقيقة، ويجب ان أذكر من يقولون ان الإرهاب موضة وانتهت بحادثي شرم الشيخ وطابا الاخيرين، كما ان الإرهاب في الفيلم ليس دينيا فقط، لكنه ارهاب سياسي وهناك ارهاب آخر امتد إلى المنشآت والدليل على ذلك انك لا تستطيع ان تدخل مؤسسة أو هيئة إلا بعد تفتيشك· وفي الفيلم نرى اما حرمها زوجها من رؤية ابنها الوحيد أليس هذا إرهابا؟
وعن تحول رضا ريشة إلى إرهابي بسرعة قال وحيد حامد: رضا ريشة شعر بالقهر والذل عندما ضربه منافسه على قلب 'حنان' واراد ان ينتقم منه، فوجد ان الأقوياء في الشارع هم الإرهابيون، فتحول إلى إرهابي متخفيا بالجلباب الأبيض واللحية، لقد هُزم 'ريشة' في معركة الحب وأراد ان ينتقم وقد استوحيت هذه الشخصية من الواقع حيث عرفت الكثير عن شاب بلطجي تحول إلى إرهابي وأطلق على نفسه رئيس جمهورية امبابة، وهذا الشخص موجود حاليا في السجن·
وحول الغموض الذي اكتنف شخصية نور الشريف في الفيلم قال وحيد حامد: ليس شرطا ان تكون الشخصية الدرامية مفهومة للمشاهد، فلابد ان اترك مساحة للتفكير وشخصية نور الشريف في الفيلم موجودة في الواقع، فهو رجل يعيش في المجتمع بلا هدف أو حلم يسعى لتحقيقه، وهذا ما قاله وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة·
وقال وحيد ان 'دم الغزال' ليس دعوة للخوف فقط، لكنه دعوة أيضا للحرص والحب والانتماء والنظر إلى العشوائيات والظروف الاقتصادية التي نعيشها والفقر والجهل والفشل في قصص الحب، ورغم هذا كله نؤكد من خلاله ان كل هذه الظروف يجب ألا تدفعنا للتطرف· وعن أسباب عدم وضعه لحلول لمواجهة الإرهاب قال وحيد حامد: الحل ليس في يدي حتى أقدمه، ولا توجد دولة في العالم قادرة على اقتلاع جذور الإرهاب والحل ليس في يد فرد أو دولة لكنه في يد الناس·
وحول تقليصه مساحة دور نور الشريف في الفيلم مقارنة بدوري منى زكي ومحمود عبدالمغني قال وحيد حامد: السينما لم تكن في خدمة الممثل لكن الممثل دائما في خدمة الدور، وأنا لم ألعب بنور الشريف مباراة كرة، لكن دوره في الفيلم اداة والسينما لم تكن يوما تحت أمر الممثل مهما كان حجمه ونور الشريف يعي ذلك جيدا·
وقالت الفنانة يسرا: أعلم ان مساحة دوري صغيرة مقارنة بدوري منى زكي ومحمود عبدالمغني، لكني أهتم بالقيمة التي يقدمها العمل الذي أشارك فيه، وفيلم 'دم الغزال' يحمل أكثر من قيمة بالاضافة إلى انني اعتز بعملي مع وحيد حامد وعندما أعلم ان عملا ما حركه للكتابة، أشعر ان ما يكتبه سيكون مهما، ووحيد أفضل مؤلف يناقش هموم الناس، وعندما قرأت السيناريو تعاطفت مع كل الشخصيات لأنها وقعت تحت ظلم فأهدرت احلامها، ولقد شاركت في فيلم كبير بغض النظر عن مساحة الدور، بل ان مشاركتي في هذا الفيلم جعلتني أشعر بمسؤولية أكبر تجاه المجتمع·
وقالت: 'نادية' التي جسدتها كانت ضحية للمجتمع وتحولت إلى فتاة ليل رغما عنها وعندما اصرت على ترك هذه الحياة وتزوجت رجلا ثريا يعمل في السياسة أخفت ماضيها عنه، لكنه اكتشفه بعد فترة فطلقها وحرمها من رؤية ابنها الوحيد وشعرت بالقهر والذل طوال أحداث الفيلم، وقد تأثرت بالشخصية لانني تعايشت معها منذ البداية مثلما تعايشت مع كل الشخصيات·
وقال محمود عبدالمغني: أشعر بسعادة كبيرة لانني شاركت في فيلم كتبه وحيد حامد واخرجه محمد ياسين، وعندما قرأت السيناريو شعرت بأنني أمام مهمة صعبة، فذاكرت الدور جيدا وتعلمت استخدام 'الطبلة' لان أول مشهد يظهر فيه 'رضا ريشة' يطبل فيه في فرح 'حنان' التي أحبها، وأخلصت كثيرا لهذا الدور لأن وحيد حامد منحني فرصة كبيرة وكان عليّ ان استغلها جيدا·
وحول خوفه من تهديد الإرهابيين له مثلما حدث مع وحيد حامد قال محمود عبدالغني: انا شاب وطني وصدري مفتوح لأي رد فعل، فالإرهاب لن يخيفني·
وتحدث المخرج محمد ياسين عن الطبقة المتوسطة التي تجاهلها في الفيلم فقال: أحداث الفيلم تتناول طبقة الاثرياء والفقراء الذين يعيشون في العشوائيات، والفن اختيار وقد اخترت هاتين الطبقتين ولا يجب ان يحاسبني أحد على اختياراتي، كما ان الأحداث في الفيلم واقعية، فهناك طبقة الاثرياء التي تعيش بيننا ومثلتها يسرا في الفيلم، وطبقة الفقراء التي مثلها محمود عبدالمغني·
وأضاف: مساحة دور نور الشريف ويسرا أقل من منى زكي ومحمود عبدالغني، لكن يسرا ونور قدما دوريهما باقتدار والفنان لا يختار الدور بمساحته، لكنه يختار الدور الذي يفجر طاقته ويشعر بأنه يطل من خلاله على جمهوره بشكل جديد، ونور الشريف أدرك منذ البداية ان دوره في هذا الفيلم لم يسبق له تقديمه، وكذلك يسرا·
وحول شخصية 'حنان' في الفيلم وهل ترمز لمصر قال ياسين: 'حنان' لا ترمز لمصر، لكنها ترمز للبراءة والحلم الذي مات بسبب العنف·

اقرأ أيضا