الاتحاد

دنيا

أمراض الأطفال··· ألوان ونغمات!


صلاح الحفناوي:
الطفل يبكي عندما يكون جائعا، يبكي عندما يكون مبتلا، وينخرط في البكاء عندما يشعر بالبرودة، ويعبر عن آلامه بالبكاء: المغص، وجع الحلق، آلام الأذن· البكاء إذن لغة التعبير الوحيدة التي يجيدها الرضيع ولا يعرف غيرها· فكيف نعرف سبب بكائه وهل للبكاء أصوات وعلامات تدل على مغزاه وتقود إلى معرفة سببه؟·
محاولة البحث عن إجابة على هذا السؤال كشفت حقائق شديدة الغرابة، كشفت أن صحة الطفل وسلامته ومعدلات نموه تقود إلى عالم شديد الثراء من الألوان والنغمات الصوتية، وأن أول واهم درس لمن يعيشون تجربة الأمومة أو الأبوة لأول مرة هو محاولة قراءة معاني النغمات ودلالات الألوان، وكشفت أيضا عن أن أول ما يلاحظه طبيب الأطفال فور ولادة طفل جديد هو لونه·· وأن أول ما ينظر إليه عندما يستقبل طفلا في العيادة هو لونه، وان اللون في الكثير من الحالات قد يكون كافيا لمعرفة ما يعاني منه·
بداية المحاورة مع الأستاذ الدكتور علي هنداوي استشاري طب الأطفال ومدير مركز الهنداوي الطبي بأبوظبي، ومستشار طب الأطفال في منظمة الصحة العالمية واليونيسيف، كانت سؤالا أشبه باللغز: افرض أنك استقبلت طفلا رضيعا مريضا جدا، افرض أن والدته لم تستطع شرح الأعراض التي يعاني منها، أو ذكرت بعضها وأغفلت البعض الآخر عن غير قصد، افرض انك وجدت نفسك في مواجهة طفل متعب حالته خطرة كما يبدو من شكله وليس أمامك أي معلومات أو حقائق تحدد لك نقطة البداية·· فماذا تفعل؟
قال الدكتور علي هنداوي: الإجابة على هذا السؤال تقدم بعض الحقائق المهمة لأولياء الأمور حول كيفية مراقبة الطفل ورصد أي تغييرات غير طبيعية في سلوكه أو شكله العام أو حتى لون جسمه وطريقة بكائه، وبصراحة فأن الفراسة هي أول أسلحة طبيب الأطفال، هي التي تمكنه من معرفة أشياء كثيرة بمجرد دخول الطفل عليه في العيادة، هي التي تمكنه من معرفة نقطة البداية أو الاحتمال الأرجح الذي يجب أن يضعه في مقدمة اهتمامه ويسعى إلى تأكيده بأقل قدر من الفحوص التشخيصية حتى لا يرهقه ولا يؤخر تقديم العلاج المناسب له·
أشكال وألوان
وعلى سبيل المثال فأن لون الطفل له دلالة مهمة على حالته الصحية، مثلا الطفل الذي يعاني من صفرة شديدة في البشرة قد يكون مصابا بالتهاب كبدي أو انسداد في القناة المرارية، الطفل الأزرق يعاني غالبا من عيوب خلقية في القلب، الطفل الباهت يعاني على الأرجح من أنيميا 'فقر دم' أو تكسير في كريات الدم الحمراء·
وإذا كان الطفل يعاني من حالة إجهاد واضحة وإعياء شديد وسعال شديد، فقد يكون مصابا بالتهاب رئوي·· من المهم هنا أن نؤكد أن هذه الاستنتاجات الأولية لا تمثل تشخيصا نهائيا للمرض الذي يعاني منه الطفل ولكنها تحدد للطبيب نقطة البداية في الفحوص التشخيصية·
يضيف الدكتور علي هنداوي: من المهم أن يلاحظ الطبيب بدقة درجة انتباه الطفل واستجابته للمؤثرات المحيطة به خصوصا في شهور العمر الأولى· مثلا إذا كانت درجة انتباه طفل في الشهر السادس من العمر ضعيفة جدا، فلا يلتفت لمن حوله ولا يخاف من الغرباء فربما كان يعاني من تخلف عقلي· ومثال آخر، طفل أبواه شرقيان وملامح وجهه وعينيه اقرب ما تكون إلى ملامح الطفل الياباني، ربما يعاني مما يعرف بمتلازمة داون أو متلازمة الطفل المنغولي، وهناك الكثير من الأمراض الوراثية التي لا تكشفها الفحوص التقليدية ويستطيع الطبيب اكتشافها بالفحص السريري في العيادة مثل مرض متلازمة تيرنر، وهو مرض ناتج عن نقص في أحد الكروموسومات الجنسية ويصيب الإناث، ويؤدي إلى عدم اكتمال رحم الطفلة بعد البلوغ وعدم التبويض وبالتالي عدم القدرة على الإنجاب، ويستطيع الطبيب اكتشاف هذه الحالة إذا لاحظ أن عنق الطفلة قصير وتوجد به ثنايا جلدية وأنها قصيرة القامة بشكل ملحوظ وهنا يجري لها فحصا وراثيا لتأكيد التشخيص·
الشعر الأصفر
والشعر الأصفر قد يكون دليل جمال أو دليل مرض، فلون الشعر بشكل عام من الأشياء المهمة التي توحي للطبيب بالكثير من الحقائق حول الحالة الصحية للطفل، مثلا الطفل الذي يعاني من مرض يعرف باسم 'فينايل كيتيوريا' يكون شعره أصفر بشكل لافت· وهذا المرض يؤدي إلى عدم قدرة الطفل على هضم نوع من البروتين في الحليب وإذا لم نقم بتغذية الطفل بحليب خال من هذا البروتين يصاب حتما بالتخلف العقلي، ومن أعراض هذا المرض أيضا القيء والإسهال والقلق المستمر والبكاء الذي لا يتوقف·
والطفل الذي يعاني من نقص هرمون الغدة الدرقية يكون جلده خشن ويعاني من الإمساك بشكل مستمر وقد يصاب بفتق سري ويكون هادئ تماما وينام كثيرا ويصاب بالصفار أو أبو صفار لمدة طويلة بعد الولادة ومن المهم تشخيص حالته وعلاجه مبكرا وقبل بلوغ 6 اشهر من العمر حتى لا يصاب بالتخلف العقلي·
نغمات البكاء
ومن المهارات المهمة جدا في التعامل مع الطفل محاولة قراءة وتفسير دلالات نغمات بكائه، فالبكاء هو وسيلته الوحيدة للتعبير عن متاعبه وآلامه، وعلى سبيل المثال ـ والكلام لا يزال للدكتور علي هنداوي ـ فإن بكاء الطفل العادي السليم يكون بنبرة قليلة الحدة وعندما تحمله أمه أو ترضعه يتوقف عن البكاء، أما الطفل المصاب بالمغص أو التهاب الأذن الوسطى فإنه يرفض الرضاعة ويستمر في البكاء وكثيرا ما يثني ساقيه تجاه البطن، مع العلم بأن بكاء الطفل العادي السليم له ثلاثة أسباب، الجوع، أو بلل الحفاض أو الشعور بحرارة الطقس، فإذا استمر في البكاء بعد تغيير كل ذلك فأن بكاءه يعني وجود مشكلة صحية تؤلم، وعلى سبيل المثال فإن الإسهال المستمر يؤدي إلى بكاء الطفل بشكل متواصل بسبب الشعور بالظمأ والجفاف ويكون بكاؤه هنا بلا دموع، وهذه أول علامة من علامات الجفاف عند الأطفال ونلاحظ أن هذا الطفل يرفض الطعام ولا ينام لأنه مصاب بعطش شديد ولا يهدأ إلا إذا أعطى سوائل تخفف إحساسه بالظمأ·
ولأن العلامات البسيطة مهمة جدا في تشخيص حالة الطفل فإن طبيب الأطفال في معظم الحالات لا يبدأ على الفور في فحص الطفل لأن مشاعر الخوف وما يصحبها من بكاء شديد يمكن أن تجعل محاول التشخيص صعبة·· فالطبيب يجب أن يكون فاهما لنفسية الطفل، ولا يبدأ الفحص فور دخول الطفل عليه، يجب أن يكسب صداقته قدر الإمكان و يقلل من خوفه، الطفل يسعده أن يتلقى لعبة صغيرة أو قطعة حلوى، يتجاوب مع من يداعبه بهدوء، وطبيب الأطفال يجب أن يفعل ذلك حتى يجعل الطفل يشعر بالأمان· يجب عليه ألا يكون مخيفا بالنسبة للطفل وان يتعامل معه برقة وحنان والطبيب الشاطر هو الذي يستطيع باختصار شديد أن يجعل الطفل يستمتع بزيارته ويسعد بها·
علامات النمو
ومن المشاكل التي تعاني منها كل سيدة تعيش تجربة الأمومة لأول مرة هي المفاهيم الخاطئة حول معدلات نمو الطفل، متى ينشى لأول مرة، متى يحبو، متى تبدأ أسنانه في البزوغ·
يقول الدكتور هنداوي: من المهم أن تعرف كل سيدة تعيش تجربة الأمومة لأول مرة أن علامات ومظاهر النمو الذهني والحركي والحسي والبدني تختلف في توقيتها من طفل إلى آخر، فنجد طفلا على سبيل المثال يخطو أول خطواته ويبدأ في السير عدة خطوات معتمدا على نفسه أو مستندا على المنضدة أو المقعد أو الحائط مع اكتمال عامه الأول، فيما يتأخر طفل آخر عن ذلك بعدة أشهر دون سبب مرضي يستوجب التدخل العلاجي· وكذلك يختلف توقيت بزوغ الأسنان من طفل إلى آخر، ويختلف وزن الطفل وتوقيت بدء نطق كلمة أو كلمات مفهومة وغيرها الكثير· والمقارنة بأطفال الصديقات أو الجيران في هذه الحالات لا تكون صحيحة، والأفضل من ذلك استشارة الطبيب المشرف على الحالة الصحية للطفل، فهو الأقدر على متابعة نمو الطفل وتحديد المشاكل التي تستوجب التدخل العلاجي· ولا يمكن بأي حال تحديد توقيت دقيق لبدء أي من الأنشطة الادراكية أو الحسية عند كل الأطفال ولذلك نلاحظ أن جميع المراجع التي تتناول نمو الطفل تحدد هامشا زمنيا قد يتسع لعدة اشهر عند الحديث عن كل مهارة جديدة أو نمو يكتسبه الطفل، كأن تقول أن بزوغ أول أسنان الطفل يبدأ خلال المرحلة السنية من شهر كذا إلى شهر كذا، وهكذا· هذه الحقيقة العلمية تؤكد خطورة الاعتماد على تجارب الأخريات وخبراتهن الشخصية في تقييم نمو الطفل·

اقرأ أيضا