الاتحاد

عربي ودولي

هل يجتاح الهنود الحمر أميركا الجنوبية؟


بوليفيا- الاتحاد - خاص:
الدومينو البرتقالي بعد نهاية اللون الأحمر يجتاح أميركا الجنوبية· هندي أحمر يُنتخب رئيساً لبوليفيا· لا تحبه واشنطن كما لا تحب 'هوغو شافيز' و'ايناسيو دو سيلفا' (لولو) و'فيدل كاسترو'· اذاً، ماذا يحدث في الحديقة الخلفية؟
ثوريون جدد؟ أجل، ولكن خارج أدبيات 'اميليو زاباتا' و'سيمون دو بوليفار' و'ارنستو تشي غيفارا'· هذا زمن العولمة، ولكن هل حقاً أن الحدود انهارت بين ناطحات السحاب في نيويورك وأكواخ الصفيح في لاباز؟
ردة فعل 'كوندوليزا رايس' جاءت على شكل اجتماع طارئ للهيئة التي تعنى بالشؤون الكوبية للنظر في مرحلة ما بعد 'كاسترو'· ماذا في الأفق؟ خطة لمواجهة الهنود الحمر الذين قد يطالبون بدولة مستقلة داخل الولايات المتحدة، أم لاحتواء ذلك النوع من الثوريين الذين قد يكونون ظهروا بعد فوات الأوان؟
جلبة في الفناء الخلفي··
كان هناك دوماً في الولايات المتحدة من يخاف من 'تلك القنبلة التي في ظهورنا'· هذا قبل أن يقول 'صامويل هانتنغتون' أنها 'أصبحت في عقر دارنا' - صاحب نظرية 'صدام الحضارات' أثار مشكلة الغزو اللاتيني للثقافة البيضاء كاد يقول: 'البرابرة يدمرون·· أميركا'!
ربما كان الملونون في الولايات المتحدة لا يفكرون كثيراً في المستقبل· لقد أتوا إلى هذه البلاد ليس برغبة الانخراط في 'الحلم الأميركي'· هذه مسألة تحتاج إلى كثير من الخيال· كل ما في الأمر أنهم أتوا للانخراط في 'الواقع الأميركي'· الأحرى في الحد الأدنى من هذا الواقع· الحد الأقصى مخصص للجنس الأبيض الذي انتظره الهنود الحمر· المؤرخون يسألون عن السبب الذي جعل هؤلاء الناس البدائيين الذين قطعوا في زمن ما مضيق بيرنغ، آتين من الهضبة الآسيوية، وحلوا في ذلك 'الكوكب' ينتظرون كائنات بيضاء؟ قد يكونون قد توارثوا هذا في اللاوعي كما يقول الباحث الانتروبولوجي الشهير 'كلود ليفي- شتراوس'· أخيراً، جاء الرجل الأبيض· ماذا فعل بهم؟ كانت الأرض تمتلئ بالثروات إلى الحد الذي لا يسمح باقامة أي نوع من الشراكة· البوصلة تتجه، على الدوام شمالاً، هناك شيء ما تحت الأرض وأيضاً فوق الأرض· الجنوب مسألة أخرى· لابد من وجود لغز يجعل الشمال أكثر رضاء، وإن كان من المفروض أن تكون للمعذبين جهة واحدة· ظهر ذلك، بصورة واضحة، في القارة الأميركية· مسافة في الزمن، ومسافة في النمو، ومسافة في القوة·
الأزهار التي تتعذب
اندلعت حروب· منذ البداية كان الشمال هو الذي ينتصر· المجد دائماً للبندقية، وإن قيل داخل المعابد، إن المجد للكتاب المقدس· لكن اللافت هو الازدهار المثير للأدب في أميركا اللاتينية· عزا 'بابلو نيرودا' ذلك إلى كون 'الأزهار تتعذب معنا'، قال ايضاً: 'عادة تحط الملائكة على أكتاف الذين لا أكتاف لهم'· لا أباطرة وإنما أدباء يهزون الكرة الأرضية: 'خورخي بورخيس'، 'غابرييلا ميسترال' (نوبل - 1945)، 'ايزابيل اللندي'، 'خوليو كورتزار'و، 'كارلوس فيونتس'، 'غابرييل غارسيا ماركيز' (نوبل 1982)، 'ميغال استورياس' (نوبل 1967)، 'بابلو نيرودا' (نوبل 1971)، 'اوكتافيو باث' (نوبل 1990)، 'ماريو فارغاس لوزا'، 'خورخي أمادو'·
روايات هؤلاء وقصائدهم هزت العالم· إن دقات القلب تُسمع في كل مكان، ولكن سرعان ما تنطفئ· هذا زمن يفضل قعقعة السلاح على مشهد السنونو·
أجل، كانت أميركا اللاتينية حقلاً للأفكار· من هناك انطلق 'ارنستو تشي غيفارا' لكي يغيّر مسار العالم· رومانسية جميلة وقاتلة في آن· لا غرابة في أن يخر ذلك الأرجنتيني صريعاً في أدغال بوليفيا بالذات، إذ لا يزال صوت 'سيمون دو بوليفار' الذي أخذت بوليفيا اسمها منه لدى استقلالها في العام ·1825 مع 'تشي' كان هناك الفرنسي 'ريجيس دوبريه' الذي اعتقل، ولأنه ينتمي إلى عائلة ارستقراطية، فقد تكثفت الوساطات لاطلاقه· عاد إلى باريس لـ 'يفكر' عمل مستشاراً للرئيس 'فرنسوا ميتران' الذي يعتبر من أكثر رؤساء فرنسا ثقافة، كانت أفكاره ترتطم بجدران الاليزيه الباذخة من الأدغال إلى هذا البلاط الملكي· لم يكن ذلك ممكناً، استقال لكي 'يفكر' اعتراض فذ على كل ما يحدث في هذا العالم، من شاشة التلفزيون وحتى شاشة البورصة، مروراً بـ 'ثقافة الأحذية الكبيرة'· هو الذي قال إن الكرة الأرضية لا تدار بواسطة·· الأحذية·· يندد بذلك الصخب الذي يملأ المكان: 'في أي زنزازنة تضعون الدموع؟'
أرملتي الذبابة
'تشي غيفارا'، 'سيمون دو بوليفار'، لا ننسى 'اميليو زاباتا' (فيفا زاباتا) في المكسيك· حقاً كان الناس يحلمون هناك· قال 'استورياس': 'كي لا يعود الواحد منا زوجاً للذبابة'· كتب ايضاً وصية لـ 'أرلمتي الذبابة' كتدليل على حالة العوز التي كان يعيش فيها الناس 'الذين تصل اليهم أشعة الشمس من خلال وجوههم الرثة'·
لكن شيئاً ما يحدث الآن في أميركا اللاتينية· هناك بالتأكيد 'فيدل كاسترو'، الشيوعي القديم الذي ما زال يعتبر أحد جدلية التاريخ تتوقف عند نقطة ما، كما لو أنها نقطة الجليد· هل حقاً أنه لا يزال ثورياً بعد كل تلك الفاقة التي تعاني منها كوبا· ممنوع على أحد أن يعترض لأنه بذلك ينتهك قداسة الثورة: أي ثورة اذا كان رجال الشرطة قد حلوا محل الأشجار، كل ما في الأمر أنه ضد الولايات المتحدة، هي يكفي هذا ليكون المرء ثائراً أم ثورياً؟ انتبهوا أن هافانا على قيد أنملة من ميامي، هنا أهمية 'كاسترو' الذي خاض تلك المواجهة المثيرة مع 'جون كنيدي'·
كانت لحظة كارثية للرئيس الأميركي في خليج الخنازير قبل أن يرغم الزعيم السوفييتي 'نيكيتا خروتشوف' على تفكيك ترسانة الصواريخ التي أقامها في كوبا· آنذاك، كتب 'آرثر سالزبرغر': 'لم تعد الصواريخ السوفييتية في فراشنا'·
ولكن يبدو أن رباعياً قد تشكل: 'فيدل كاسترو'، 'هوغو شافيز'، 'لوي ايناسيو دو سيلفا' (لولو)، أخيراً إن الأكثرية في بوليفيا جاءت برئيس من الهنود الحمر· رجل الفلاحين 'ايغو موراليس' الذي يمتلك أفكاراً بسيطة جداً، وإن كان يعتمد على نائبه المثقف 'الفارو لينيرا'، وهو أستاذ للرياضيات وباحث اجتماعي كان بمثابة العقل الايديولوجي والمنظم لحرب العصابات ضد أهل النظام في لاباز·
لا يحبه الأميركيون كثيراً· الأمر لا يتعلق بشكله أو بأصله الهندي الأحمر، وإنما بطريقة تفكيره: 'إما أن نرحل نحن أو أن يرحل الأميركيون' أو 'إنني مثلكم لا أستطيع أن أتحوّل إلى دجاجة'· وُلدت بشرياً و'سأبقى هكذا، نبقى جميعاً'·
واشنطن تدخلت بكل قوتها، في العام 1997 للحيلولة بينه وبين الفوز في مقعد نيابي· اتهمته بأنه 'رجل المخدرات'، وبأنه يتولى ادارة شبكة تمتد من الجنوب إلى الشمال· الآن يقال 'ثورة الكوكا': أجل ثورة الكوكا التي تشكل حتى الآن، المورد الرئيسي للبلاد إنها تستخدم فعلاً، في صناعة المخدرات، لكنها تستخدم ايضاً في أشياء أخرى، ومن بينها المرطبات: 'انتبهوا أن ورقة الكوكا ليست قنبلة نووية'·
هذا عندما يعترض ساخراً على الحرب الأميركية ضد الكوكا·
قطعاً، لا يدافع 'مواليس' عن المخدرات، وإن كان يلاحظ أن ما هو أسوأ من ثقافة الكوكايين يفرض علينا، كيف نكون دمى، ونحوّل بلادنا إلى مزرعة للأنين'·
كلمتان قديمتان
لسنوات، كان الناس في أميركا اللاتينية قد ظنوا أن 'الأفكار الجميلة' أضحت أفكاراً بالية· الآن زمن العولمة· انهارت الحدود· هل حقاً انهارت الحدود بين ناطحات السحاب في نيويورك وأكواخ الصفيح في لاباز· الكلمة فضفاضة جداً، ثمة جدار هائل بين الشمال والجنوب في أميركا كما في أي مكان آخر·
لكن من تراه يستطيع في هذه الأيام، أن يطلق ثانية شعارات 'غيفارا'؟ قد تشاهد صوره على الـ 'تي شيرت' في أمكنة مختلفة من العالم· المسألة تتعلق بالاثارة وإبداء الرفض، الرفض العبثي· هنا لا فارق بين 'تشي غيفارا' و'جون ترافولتا'· لا الأيدي تعمل، الآن، رومانسياً، ولا القلوب· المشهد تغير دواوين 'بابلو نيرودا' يعلوها الغبار في المكتبات، لا أحد يكترث بها، مع أن كل الثوريين كانوا يقتطعون مقاطع من القصائد لاثراء مواقفهم·
في برقيته إلى 'كاسترو' تحدث الرئيس البوليفي المنتخب عن 'السيادة والكرامة'، هاتان كلمتان قديمتان قد لا يستخدمهما، في هذه الأيام- وعلى المستوى الثوري- سوى الهنود الحمر، ولكن كيف يمكن للنظام الكوبي أن يكون المثالي؟ رئيس إلى الأبد، لا انتخابات، لا مؤسسات تمثيلية، الأجهزة الأمنية لا تزال تعمل كما لو أن 'جوزف ستالين'، لا يزال، فعلاً، هو أبو الشعوب مع أنه بعثر الشعوب الآسيوية، وحتى الأوروبية ذات اليمين وذات اليسار·
أنا هندي أحمر!
'موراليس' مختلف وصل إلى الرئاسة بالاقتراع المفتوح· رفع شعارات تخاطب الأحاسيس التي ظنت العولمة أنها قد ماتت أو تآكلت 'أنا هندي أحمر ولي قلب ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين'· قال ضاحكاً: 'أحب أن أطمئن الجميع بأن لا نيّة لديّ لغزو الولايات المتحدة'· يشترط: 'لماذا لا نكون شركاء؟'· شركاء؟ الكلمة غير واقعية أبداً· كيف يمكن للمكوك الفضائي أن يكون في حالة شراكة مع العربة الصدئة التي تتكدس فوقها أوراق الكوكا وهي في طريقها إلى المراقئ؟
زمان الانقلابات العسكرية انقضى· نجوم مرصعة بالدم· هكذا كتب 'بورخيس' عن الكولونيلات في الأرجنتين· لا يكفي أن تكون صامتاً· الصمت هو الوجه الآخر للتواطؤ· يفترض أن 'تصدح' للخوذات لأنها تأتي بالحرية وبالخبز وبالمستقبل· أصحاب الخوذات فروا أمام 'مارغريت تاتشر' في حزب الفوكولاند· اذاً، كيف تتصرف الولايات المتحدة اذا لم يعد بالامكان تصنيع الجنرالات بالطريقة نفسها التي يتم فيها تصنيع علب السجائر؟
ثمة مَن يخاف من 'الدومينو البرتقالي'· تلاحظون أن أحداً لم يعد يتحدث عن اللون الأحمر الذي تمزق في موسكو كما في بكين، لا يزال الطاعنون في السن، وفي العزلة، في كوبا يخرجون مناديلهم الحمراء القديمة ويلوحون بها· قال المنشق الكوبي 'فرناندو غولاميز': 'نلوح بالاعلام الحمراء لجهنم'· جهنم الحمراء، كما في الوصف العامي·
أجل، أميركا اللاتينية تشهد في العام 2006 ست عمليات انتخابية·· ماذا لو أتت صناديق الاقتراع بذلك النوع من الرجال؟ هذه ستكون مشكلة بالنسبة للولايات المتحدة التي اعتادت على نمط معين من التعامل مع الفناء الخلفي (أو الحديقة الخلفية···)·
الدبابات لا تصنع الخبز
جدول أعمال الرئيس البوليفي الجديد يلحظ لقاء مع الرئيس الفنزويلي 'هوغو شافيز' الذي يستغرب كثيرون كيف بقي في مكانه رغم كل ذلك الغضب الأميركي· الذي سيحدث هو 'زواج النفط بالغاز في أميركا اللاتينية'· هذا بعدما أظهرت أعمال التنقيب أن بوليفيا تنام فوق ثاني احتياطي للغاز في الجنوب الأميركي·
هذا يعني أن الناس لن يعودوا فقراء إلى ذلك الحد، لابد أن تتحسن أوضاعهم· المسألة تتطلب بعض الوقت· كلمتا 'الكرامة' و'السيادة' لا تحلان المشكلة· أحدهم رفع صوته: 'ما علاقة الكرامة بالملاعق الفارغة'· بوليفيا، كما بلدان أخرى في أميركا الجنوبية والوسطى، عاشت طويلاً مع الشعارات التي رفعها الجنرالات· الدبابات لا تصنع الخبز· غالباً ما تصنع الموت، كثيرون ماتوا في بوليفيا لأنهم قالوا بالعدالة··
هذه تفاصيل· يفترض أن ننظر إلى أميركا الشمالية كلما حدث أمر ما في أميركا الجنوبية· الذي فعلته 'كوندوليزا رايس'، وزيرة الخارجية الأميركية، هو انها جمعت أعضاء الهيئة التي تعنى بالوضع في كوبا، هذا لتبحث في الوضع الذي يعقب نهاية حكم 'فيدل كاسترو'· عنوان الاجتماع غريب· من قال إن الرئيس الكوبي سينتهي قريباً· دعوة 'رايس' أثارت الكثير من التساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تملك معلومات محددة حول تطورات مرتقبة في كوبا·
البقاء في السلطة من أجل السلطة ·· السنوات الثورية أرهقت الكوبيين الذين يرون بالعين المجردة ما يحدث على شاطئ ميامي· لكن أميركا ليست الحل· ما هو إذاً؟
سنوات من الهدوء· الاستقرار ضروري لكي يخرج الغاز من جوف الأرض ويذهب إلى حيثما يجب أن يذهب· ولكن لابد أن يكون هناك خلل ما· فنزويلا تطفو فوق بحيرة من النفط، ومع ذلك ترى أناساً في الأرياف، أو حتى حول العاصمة كاركاس، يعيشون كلياً خارج العصر· من المسؤول؟ اسألوا الدبابات؟
لكن 'موراليس' يعد 'بأن نشق المستقبل بالرماح' ·· رماح الهنود الحمر الذين أمضوا خمسة قرون داخل ذلك 'القفص الأبيض'، القفص المقدس الآن يكتشفون لون وجوههم· إحدى صحف لاباز كتبت 'الجمر يستيقظ'· قرون الرماد انتهت· هذه كلمات حالمة جداً، برتقالية جداً··
الهنود الحمر قادمون!
أورينت برس

اقرأ أيضا

البرلمان البريطاني يناقش غداً اتفاق جونسون للخروج من الاتحاد الأوروبي