الاتحاد

عربي ودولي

الدولة العربية ومواقفها السياسية··مأزق الحكومات والمعارضة والشعوب


شهرزاد العربي:
منذ سنوات دخلت 'الدولة العربية' في أزمة بدت في البداية مجرد إشكالية تتعلق بالسلطة وأنظمة الحكم، ثم تحولت مع الأيام إلى فصل سياسي يهدد منظومة للمفاهيم والرؤى التي قامت عليها الدولة العربية الحديثة، بما في ذلك تلك التي هي ملك للشعوب، وأقصد بها الاستقلال الوطني·
وفي الغالب لم يكن الفعل السياسي ـ القائم على شعارات المعارضة ـ براءة فقط من أفعال سياسية سابقة مرفوضة من طرف الشعوب، ولكنه نتاج لطموح يتّخذ من أسرار الدولة وتجارب الحكم سندا في السياق المحموم للاستئثار والتفرد بالسلطة، ويقدم أصحابه أنفسهم بدائل شرعية للأنظمة التي كانوا إلى وقت قريب أطرافا فاعلة فيها، مما يسهّل في كثير من الأحيان تحقيق أهداف القوى الخارجية، التي لم تكن دائما ضغوطا، ولكنها اختيار من المشاركين في الفعل السياسي سعيا منهم للصعود أكثر أو للخروج من دائرة الظل إلى دفء الشمس السياسية، حتى لو أحرقت البلاد وقضت على الأمان والاستقرار، مما اسقط كل الشرعيات، بما فيها شرعية البناء والتعمير·
نتيجة لذلك ـ ولغيره ـ تواجه الدولة العربية الحديثة ـ في مشرقها ومغربها ـ خطر الأفول، لأن معظم المواقف النابعة من السياسيين، تعتمد التشكيك في كل الإنجازات التي تحققت، على اعتبار أن الدساتير والمواثيق والقرارات جميعها منسوبة للأشخاص ولا علاقة لها بالمؤسسات، وهذا يكشف عن قربنا من شفا حفرة من الضياع لا منقذ منها·· هنا متابعة لذاك القريب ولقرارات الدولة العربية الحديثة حين لم تعد للسياسة أخلاقها المطلوبة ·
من البداية علينا أن نقر بالحقيقة التالية: رغم التاريخ العربي المشترك فإنه لا وجود لدولة عربية تماثل أخرى أو تقاربها في السياسة، وإلا ما كان وقع الاختلاف حول الثوابت، وكل الخطايات السياسية الموزعة بهدف الاستهلاك تؤكد هذه الحقيقة' ولن أدخل هنا في مجال التفصيل لهذه القضية، غير أن إشكالية السلطة في الوطن العربي تقوم على السؤال التالي: كيف للسياسيين أن يفرّقوا عند معارضتهم ـ من داخل النظام أو خارجه ـ بين الدولة والحكم؟
تجارب عربية
كل الذي حدث خلال السنوات الماضية يؤكد هذا، نرصده هنا في تجارب عربية مختلفة، في التجربة الجزائرية والمصرية والتونسية والسودانية واليمنية واللبنانية وأخيراً السورية، والمعارضة في التجارب السابقة الذكر لم تعتمد إلى الآن على قوة الخارج، وإن كان غير مستبعد ذلك في المستقبل على غرار التجربة العراقية حيث أسقطت المعارضة النظام القائم بالاعتماد على الدعم العسكري الخارجي، وقد اختزل الوطن في النظام، ولم يعد الآن مهما بالنسبة لأصحابه، وقد يلحق بالاختيار العراقي، تجارب عربية أخرى يقودها الذين كانوا في الأمس القريب يقودون دولهم إلى الإفلاس والفتنة·
وحتى لا تستغرقنا التجربة العراقية- خوفا ومصيرا سيّئا أو أملا يرى أصحابه الورود تنبت في أرض الدم ـ لنعد إلى التجارب العربية الأخرى من منطلق غياب شرعية الدولة أمام الضربات الموجعة للقوى التي ترى أنها الأصلح سياسيا، فالتجربة الجزائرية بعد التعددية وإلغاء الانتخابات، تم تصليح البيت وترميمه، أبعدت عن الأذهان مفهوم الدولة من الجانبين، من السلطة ومن المعارضة، والأمثلة كثيرة أهمها: ذلك الخطاب المعروف لقادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وقد طالبوا المجتمع الدولي بحصار الجزائر اقتصاديا بما في ذلك منع توريد القمح، ورفض السلطة بقيادة اليمين زروال لما أسفر عنه لقائي روما ـ سانت ايجيديو ـ بين أحزاب المعارضة الجزائرية بهدف توقيف نزيف الدم· وتتواصل الأمثلة في اختصار الدولة الجزائرية في مجرد مكاسب لأحزاب تقول إنها الأغلبية مع أن قياداتها ولّت يوم الزحف، تاركة استعادة الشرعية للأحزاب الصغيرة·
ولاشك أن الوضع الآن أحسن من الماضي من حيث إحلال الأمن لكن التجربة الجزائرية في عمومها ولفترة قاربت 14 سنة، أفقدت الجزائريين الشعور بمعنى الدولة، خصوصا بعد أن تخلت الدولة الجزائرية عن المطالبة بالمتهين في الإرهاب والمسجونين في عدد من دول الغرب، فلا الذين بقوا في الداخل استطاعوا أن يحققوا مزيدا من الانتماء، ولا الذين هم في الخارج، وقد شقوا طريقهم غرقا في فضاء الإرهاب يطالبون اليوم بحماية من الدولة الجزائرية، وهذه المسألة ـ بشقيها الداخلي والخارجي ـ زادت من ضبابة الرؤية لدى الشعوب من ناحية تحديد هوية الدولة ودورها·
الإسلامي ··والوطني
وغير بعيد من التجربة الجزائرية تقف التجربة المصرية، وهي مختلفة عنها، ليس فقط لاختلاف العمل السياسي في الدولتين وإنما للتربية السياسية، ومفهوم المواطنة في الجزائر يقوم على مبدأ البحث المتواصل عن العدالة، فإذا غابت هذه الأخيرة اهتزت الدولة وسعى أهلها إلى خرابها، وهذا على عكس المواطنة في مصر القائمة على الصبر، والإعلان المتواصل عن حب مصر، وعبارات الخطاب ـ الشفاهي تحديداً ـ في الحياة العامة المصرية تشير إلى ذلك، وليس هذا موضوعنا، لأن الذي يعنينا هنا أن التجربة المصرية ـ خاصة خلال سنة 2005 ـ انتهت فيها المعارضة والسلطة معاً إلى حديث جديد عن الدولة المصرية، قاعدته أن الحزب الوطني الحاكم ليس وحده الممثل للدولة·
ومن الناحية الواقعية ـ ومهما تكن الانتقادات ـ فإن الدولة المصرية قائمة على المؤسسات، وتلك ميزة، لكنها للتناقض القائم ـ وهو تناقض ظهر منذ انتصار الثورات العربية ومشاركة مختلف القوى فيها ـ بين الإسلامي والوطني، وفي وقت لاحق بين الديني بشكل عام والوطني ـ أصبحت المؤسسات رهينة مشارب ورؤى سياسية مختلفة، وتحوّل الموقف من الحزب الحاكم إلى موقف تجاه الدولة، ثم تفرّع ليصبح ثورة داخل الأحزاب، والصراعات بين القيادات الحزبية آخرها ما جرى داخل حزب الوفد تشير إلى فهم جديد للعمل السياسي، وسينعكس هذا على الدولة في المستقبل القريب· الحديث عن الديني في مصر ـ بقسميه الإسلامي والمسيحي ـ يقودنا إلى العمق الداخلي لقيادات التيارين وصلتها بالخارج، ما يعني أن الدولة العربية ـ مصر نموذجاً ـ لا تستند إلى شرعية الداخل ليس على مستوى الأحزاب العلمانية فقط، ولكن ـ وبدرجة أكبر- على مستوى الأحزاب الدينية أيضا، ونتيجة لذلك، ستكتشف مع الأيام حاجتنا إلى معرفة حدود الدولة وهويتها، وحاجتنا أكبر إلى إدراك السبل الكفيلة بإخراجنا من مأزق الفهم الجديد للدولة، طبقاً لميراث ثقيل من سوء العلاقات بين الشعوب والحكومات·
الدين·· والدولة
وإذا كان النقاش والعمل السياسي للإسلاميين مقبولاً في دولة مثل مصر، من حيث أن الرفض للتيار الديني لا يعني الرفض للدين، فإن التجربة التونسية ـ والحديث هنا على الدولة ـ منذ الاستقلال بقيادة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وإلى الآن، اختارت التكفّل بالدين ضمن رؤيتها الخاصة وفهمها الخاص، واختلف هنا مع الذين يرونها ـ سواء من بعض المسؤولين فيها أو المعارضة أو حتى العرب والمسلمين - دولة علمانية بعيدة عن روح الإسلام- فالعكس هو الصحيح - حيث تعلن صراحة عن مواقفها السياسية في صيغة تعتقد أن المطلوب للدولة العصرية، خصوصا الجانب المتعلق بالحريات الخاصة· ما يؤكد القول السابق أن الخلاف بين الحكومة والمعارضة ـ حزب النهضة مثلاً بقيادة راشد الفنوشي ـ حول المشاركة السياسية، وليس حول تطبيق الدين، وقد تكون هذه قراءة خاطئة مني، لكن في حدود مطالعاتي لم أسمع بحديث من المعارضة التونسية عن شكل الدولة المطلوبة، بما في ذلك الدولة الدينية إنما التركيز كله قائم على حقوق الإنسان، والحقوق السياسية، والحق في تداول السلطة، ما يعني أن مسألة الدولة الوطنية هي أكثر وضوحاً لدى الحزب الحاكم منها لدى المعارضة ·
على العموم فإنه لا يوجد اتفاق بين النخب حول مفهوم الدولة العصرية في تونس من جهة أولى، وليس هناك اتفاق بين السلطة والمعارضة، من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة ليس هناك وعي شعبي عام بمفهوم الدولة، مما يجعل التغير منتظراً في المستقبل لكنه مرهون بالرؤية ذات التأثير بالقوة، وليس بتأييد الشعب، وإن كان بعض المراقبين ـ وطبقاً لتجارب عربية سابقة ونظرا للحديث الطويل حول ملف حقوق الإنسان في تونس ـ يتوقعون انفراجاً سياسياً يكون لصالح استمرار الدولة وقدرتها بغض النظر عن الجهة المرشحة للحكم في المستقبل·
سير القبائل
وفي اليمن هنا إجماع على الدولة ما دامت تؤيد العودة إلى القبيلة، لكن ليس هناك إيمان بقدرتها على حل مشكلات المواطنين، لذلك فحسب العمليات الإرهابية التي وقعت في الشهور الماضية، فإن كل قبيلة تعّول على قوتها وموقعها وحيّزها الجغرافي، وهذا يجعل من الدولة مجموعة دول، لن يسير فيها اليمنيون أياماً وليالي آمنين، لأن الحاجات والشعور بالمظالم يجعل الناس هناك يعيدون النظر في شكل الدولة، مع ان تجربة الوحدة تعد مرجعيّة للقول: أن الدولة واضحة في أذهان الكثيرين وقد يكون هذا على المستويين السياسي وحتى الثقافي، لكن الأمر ليس على ذلك النحو بالنسبة للجانب الاجتماعي، ومن ثم القبلي·· المهم أن مقاصد الدولة واسباب وجودها عند الإنسان اليميني مختلفة عنها عند العرب الآخرين·
أوزار الحرب
وفي التجربة السودانية، قامت الدولة - إلى غاية اتفاقية السلام بين حكومة الشمال وحيش تحرير الجنوب على تطويع الآخر الداخلي بالقوة، مما جعل الجنوبي مثلاً يشكك في الدولة، بل يتساءل عن ماهيتها، ويبدو أنه مثلما هناك تنوع ثقافي وسياسي، هناك أيضاً تنوع من ناحية فهم الدولة، ورغم أن اتفاق السلام أوحى للمراقبين باجتماع أصحاب الثقاقات المختلفة تحت وعاء دولة واحدة، لكن ما يحدث في دارفور أعاد مرة أخرى مسألة الوعي بالدولة من عدمها·
من ناحية أخرى فإن التجربة السودانية ـ وهنا تناول لها من الخارج ـ تحمل من ناحية الممارسة السياسة ثراء وتنوعاً مقارنة بالدول العربية الاخرى، لكن إلى الآن لم يحسم شكل الدولة على المستوى الشعبي، حيث نلاحظ الاستنفار العام من أجل السلام، هروباً من الحرب، وشعوراً بآثام وآلام وأوزار سنوات طوال أتت على الحرث والضرع والبشر، وهذا لا يعني الاتفاق على شكل الدولة، وما طرح على مستوى الدستور، مهما حسنت النوايا- هو اتفاق على شكل السلطة، بدليل أن الحديث تكرر خلال المفاوضات، في جميع مراحلها، حول اقتسام السلطة والثروة، وليس هناك من ينكر ضرورة توزيع الثروات على أصحاب البلاد، لكن الدولة ـ أي دولة في العالم ـ أكبر من أن تختصر في الثروة والحكم، ولو تم الاتفاق على شكل الدولة السودانية، التي تشكل اجماعاً عاماً لدى السودانيين، لما دارت الحرب في دارفور، ولا وجدنا قوى دولية تتدخل، وتؤثر على الموقف السوداني الرسمي، بل إنه ـ وطبقاً لمواقف متعددة ـ تحاول أن توجد مشكلات جديدة للدولة السودانية حتى تتاح لها فرصة الخروج من الحرب بشكل نهائي·
تصدير الأزمة
ويعتبر الوضع الراهن في لبنان مدخلاً للحديث عن الدولة العربية حين تتقاطع فيها المصالح، وتتصارع فيها مختلف القوى، وتكون النهاية عدم الاتفاق على شكل الدولة ودورها، والذي تابع مختلف التصريحات والبيانات والمواقف يكتشف كبر الدولة اللبنانية لدى المنشغلين في العمل السياسي، ليس بدورها الحضاري، وإنما بما يمكن أن تصدره من أزمات إلى المنطقة، خصوصاً وأن كثيراً من الذين يتّخذون مواقف ثورية اليوم كانوا أطرافاً فاعلة في الحرب الأهلية في السابق·
لن نركز هنا كثيراً على الأزمة التي بدأت منذ اغتيال رئيس الحكومة اللأسبق 'رفيق الحريري' وتداعياتها على صعيد العلاقات مع سوريا، ولكن لنعد إلى الماضي، ومنذ نشوء الدولة اللبنانية، ونتساءل: ما الشكل الذي قامت عليه؟ والإجابة واضحة، فحين تحققت فيها ديمقراطية كانت بداية عربية موفقة في منطقة سيطرت عليها الأحزاب الأحادية، وقد تعايش اللبنانيون، وتمتعوا بحرية كانت مثار اهتمام من العالم كله، لكن اليوم نحن أمام خلاف واسع حول مصير الدولة اللبنانية، فمثلاً الدولة في ذهن وليد جنبلاط، ليس هي التي في قناعات حسن نصر الله وأتباعه، وليست تلك التي في عقل سمير جعجع، ولا ميشال عون·· وهكذا، ومهما حاولت مختلف القوى، الادعاء بقبول الشكل الذي تميزت به لبنان في السابق فإن الوقائع تكذّب ذلك·
توبة سياسي
إذن الدولة اللبنانية تدفع ثمن الاختلاف حول المواقف السياسية، وعن قرب تواجه جارتها سوريا نفس المصير، بعد أن خرج نائب الرئيس 'عبد الحليم خدام' ليعلن توبته عن مواقف تبنّاها ودافع عنها خلال أربعين سنة، وغاب لديه التمييز بين الدولة ونظام الحكم، وتحدى المسؤولون السوريون لذلك، طاعنين في صدق ونزاهة خدام، الأمر الذي غفلوا عنه السنوات الماضية، وقد تزامن كل هذا مع اتهام سوريا باغتيال رفيق الحريري· ليس من السهل على الشعب السوري أن يرى دولته متهمة، ولكن هذا يظل أهون بالنسبة له وللعرب الآخرين من موقف خدام، ليس لأنها مزيفة وغير صحيحة - هنا ليس مجال تقييمها ـ ولكنها تنهى ما يمكن أن نطلق عليه أخلاقيات العمل السياسي، وبالتالي تهز صورة الدولة العربية الحديثة أمام شعبها وأمام دول العالم الأخرى· التجارب العربية السابقة تنتهي بنا إلى أن الدولة العربية الحديثة ـ شكلاً وهوية ـ تمثل مأزقاً للحكومات وللمعارضة وللشعوب، وأن الرفض الداخلي يسقط بشكل متواصل الشرعيات التي قامت عليها تلك الدولة وعليها أن تعيد النظر ـ حكومات ومعارضة وشعوب ـ في علل الوجود لأن وجود الدولة على ما فيها من مساوئ أفضل بكثيرٍ من الفتنة والفوضى، والحالة العراقية خير مثال لمن يريد أن يذّكر أو يعي أو يتفادى مصائب المستقبل·

اقرأ أيضا

بدء محاكمة شرطي فرنسي بتهمة العنف ضد محتجي السترات الصفراء