الاتحاد

رمضان

قوانين وأنظمة إسرائيلية تُغِّيب الحاضرين

جمال إبراهيم
تجتمع في إسرائيل نقائض لا يمكن الجمع بينها في أي سياق تاريخي طبيعي، فهذه الدولة تحاول الجمع بين ديمقراطية الدولة وبين يهوديتها، وتجتهد في الظهور بمظهر المتنورة والمتحضرة وهي دولة احتلال، وتمارس إرهاب الدولة وجميع موبقات الاحتلال وفي المحافل الدولية تدعي مكافحة الإرهاب وتتقمص دور الضحية، وتدعي شدة حساسيتها لحقوق الانسان وفي الوقت نفسه تمارس التمييز العنصري، وتدعي الشفافية في حين تنخرها المؤامرات والفساد· ويفقد المنطق صوابه احياناً عندما يصطدم بجملة من التراكيب المتناقضة التي لا تجد المؤسسات الرسمية غضاضة في تداولها ووضعها في قاموس السياسة الرسمية، مثل دولة يهودية وديمقراطية أو ديمقراطية وخطر ديمغرافي أو احتـــــــلال متنور أو حاضـــــــر غائب أو·····الخ·
إلا أن ما يعنينا في هذا السياق هو الحاضر الغائب وهو الحاضر الذي أصرت أنظمة وقوانين الدولة على إنكار حضوره واعتباره غائباً بهدف وضع اليد على أملاكه، أرضه وبيته وأمواله في المصارف، ولم يشفع لهذا الحاضر حضوره الجسدي ومستنداته وسائر أوراقه الثبوتية· التقرير التالي يعرض جملة من هذه القوانين الاستيطانية العنصرية وبعض النماذج للممارسات الارهابية اليهودية لنهب الأرض من ايدي أصحابها الموجودين فيها، أما بالنسبة للذين طردوا من وطنهم مخلفين أملاكهم وبيوتهم وكل شيء فقد استولى الاحتلال الجديد بجرة قلم واحدة على جميع تلك الأملاك·
وتشير المعطيات الرقمية إلى أن اليهود بكل إمكاناتهم ومواردهم المالية العملاقة، لم يتمكنوا من تملك أكثر من 3في المئة من أرض فلسطين التاريخية، وهذا المعطى صحيح حتى عشية النكبة، ولذلك، ومن أجل السيطرة على الأرض، لجأت إسرائيل إلى سن مختلف القوانين الجهنمية التي لم يعرف المنطق والعدالة والقيم طريقا إليها!
ومن الأنظمة والقوانين التي كان الهدف منها نهب أراضي فلسطين التاريخية: أنظمة الطوارئ بشأن استعمال الأراضي البور لسنة 1948 وانظمة الطوارئ بشأن أملاك الغائبين لسنة 1948 وبموجبها تم وضع كل ما يملكه اللاجئون والمهجرون من أملاك تحت تصرف القيِّم على أملاك الغائبين، وهو تعريف الغائب المهجر من العرب الذين هجروا من قراهم الأصلية بيد أنها لم تمنح القيم صلاحيات نقل هذه الأملاك إلى آخرين وبيعها، ومن هنا بدأ السعي إلى تشريع جديد لتثبيت السيطرة على الأرض· وقانون أملاك الغائبين لسنة ·1950 ويقول المحامي محمد ميعاري إن الغائب حسب الأنظمة الأولى وحسب القانون: ان الغائب هو كل شخص ترك مكان سكناه بعد عام 1947 إلى دولة معادية (الدول العربية المجاورة)، أو إلى أي مكان آخر في فلسطين تواجدت فيه قوات عارضت قيام دولة إسرائيل، ويشمل هذا التعريف كل الذين هجروا اثناء الحرب، كما يشمل اي شخص انتقل من مكان سكناه إلى أقارب له في قرية أخرى، وذلك ريثما تنتهي حالة الطوارئ التي أعلن عنها مع قيام دولة إسرائيل والتي لا تزال سارية المفعول إلى يومنا هذا · ومن الواضح أن هذا التعريف القانوني هو من أغرب ما عرفته القوانين العالمية ولا يتماشى مع أبسط قواعد الفقه القانوني واحكام التشريع! وللدلالة على غرابة هذا التحريف، أنه أثناء بحثه العام 1948 من قبل اللجنة الخاصة التي اقامتها الحكومة المؤقتة استغرب وزير الأقليات وعضو لجنة أملاك الغائبين، بيخور شطريت، أن يتم اعتبار مواطن يقيم في إسرائيل تحت الحكم الاسرائيلي غائباً واقترح أن لا يسري هذا القانون على من هو مواطن أو موجود تحت الحكم الإسرائيلي، وقد صادقت اللجنة الخاصة على اقتراح شطريت هذا لكونه يتسم ببعض المنطق·
وادعت إسرائيل أن مهمة القيِّم على أملاك الغائبين هي إدارة هذه الأملاك باسم أصحابها وإرجاعها لهم بعد انتهاء حالة الطوارئ، التي لم تنته إلى يومنا هذا كما أسلفنا، لكن القانون نفسه أعطى الصلاحية للقيم على أملاك الغائبين بأن يتصرف بها وأن يبيعها بحسن نية إلى مؤسسات رسمية أخرى· وفي سنة 1953 صدر قانون استملاك الأراضي الذي نقل بموجبه القيم على أملاك الغائبين الأراضي إلى سلطة التطوير حيث نقل اليها معظم ما يقع تحت سيطرته من أملاك الغائبين مقابل ثمن رمزي، رصد في حينه في البنك لصالح أصحاب الأرض· كما منح القانون لهذا القيم على أملاك الغائبين الحق في إعلان أي أرض كأنها أرض غائبين، واعتبر أي شهادة صادرة من قبله تعتبر بينة قاطعة في المحكمة، وعلى الطرف الذي يدعي عكس ذلك إثبات دعواه، وإذا كانت الأرض قد بيعت، كما ذكر أعلاه، فلا يحق للمدعي استعادتها حتى لو حكمت له المحكمة بذلك، ويبقى له الحق في طلب التعويض اسما كما كانت قسيمتها في دفاتر المالية العام 1948 هذا إذا كانت مسجلة في دوائر المالية أصلا!·
وتشير التقديرات إلى أن مساحة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها بحسب هذا القانون تصل إلى ملايين الدونمات، أما ما يخص الحاضرين الغائبين فإن المساحة تصل إلى مليون دونم·
وتشمل أملاك الغائبين الأرض والوقف الاسلامي والبيوت والمسقفات والمصانع والشركات وحتى الأموال المودعة في البنوك باسم الغائبين· ويشار هنا إلى أن القانون قد اعتبر الوقف الاسلامي الذي بلغت مساحته 1/16 من جميع أراضي فلسطين أملاك غائبين بحجة أن المتولين عليها من قبل المجلس الاسلامي الأعلى هم غائبون بالرغم من أن ملكية الوقف حسب الشريعة الاسلامية، هي ملك لله والمنفعة منها تعود إلى جميع المسلمين، الذين ظلوا على أرضهم ويبلغ اليوم عددهم مليون مسلم·
وبعد صدور قانون استملاك الأراضي سنة 1953 بدأت دعوة الحاضرين الغائبين لترتيب دفع التعويضات لهم مقابل أملاكهم، حيث يعطى للفلاحين منهم ما مساحته 30 دونماً لمن كان يملك أكثر من ذلك، ويعطى تعويض مالي ورمزي عما تبقى من أملاكهم، فمن امتلك 100 دونم مثلاً، يتم اعطاؤه 30 دونماً من أراضي الغائبين الآخرين وعليه ان يتنازل عن باقي ارضه مقابل تعويض مالي زهيد·
وفي سنة 1977 الغي التعويض العيني واقتصر التعويض على دفع مبلغ مالي فقط، وهنا تجدر الاشارة إلى أن غالبية الحاضرين الغائبين، رفضوا القبول بالتعويض، ولم تتجاوز نسبة الذين قبلوا بهذا الترتيب أكثر من 15 في المئة حسب تقديرات غير رسمية· ومن الجدير بالذكر أن مستندات أموال الغائبين وعمليات التعويض وحتى قيمة أموال الغائبين لا تزال سرية ولا يمكن الاطلاع عليها ! ويذكر في هذا السياق أن النائب عزمي بشارة نجح عقب انتخابه العام 1996 في إقامة لجنة فرعية في الكنيست لبحث أملاك الغائبين، وقد تم استدعاء القيم على أموال الغائبين بحضور عدد من المحامين العرب بينهم المحامي محمد معياري ، وكانت المفارقة ان القيم على أملاك الغائبين ادعى أنه لا يملك معلومات حول هذا الموضوع، وأن الأرشيف قد فقد أثناء نقله من مدينة يافا إلى القدس· وعلى الرغم عن محاولة إخفاء الوثائق المتعلقة بأملاك الغائبين حسب ادعاء القيم، إلا أن تسجيلات هذه الأراضي لا تزال محفوظة في ملفات الأمم المتحدة عن طريق اللجنة الثلاثية التي أقيمت في أوائل الخمسينات لمعالجة قضية اللاجئين، حسب قرار 194 الصادر عن هيئة الأمم المتحدة والذي تقرر بموجبه حق اللاجئين بالعودة والتعويض· وقد صدرت عدة كتب حول هذا الموضوع تتحدث عن أملاك الغائبين في محاولة لاحصاء هذه الأملاك المنقولة وغير المنقولة، كما أن هناك عدة مؤسسات فلسطينية مهتمة بالموضوع ونذكر منها مؤسسة اللاجئين ومعهد شمل ومؤسسة العودة، وما نشره سلمان أبو ستة·

اقرأ أيضا