الاتحاد

دنيا

«ذا توريست» إغواء متواطئ يتلقفه المشاهد

ليز (انجلينا جولي) وفرانك (جوني ديب) يستهلان رحلة المتاعب

ليز (انجلينا جولي) وفرانك (جوني ديب) يستهلان رحلة المتاعب

يكاد الريف الأوروبي أن يكون علامة سردية فارقة، لفرط ما قيل وكتب عنه، ولكثرة ما جرى توظيفه في الأعمال المرئية أيضاً، فقد كان لثرائه المشهدي المفرط أن جعل العبور منه نحو عمل سينمائي ما بمثابة قيمة إخراجية راسخة، لا يتردد صناع الفن السابع في اعتمادها دون خشية الوقوع في مطب النمطية والتكرار. تكررت المشاهد الخضراء طويلاً على الشاشة وهي ستظل تفعل لاحقاً فالألوان هوية السينما التي لا تتميز إلا بها

متكئاً على جمالية المنظر، وعلى هدى بوح ساحر يقترحه الريف الإيطالي الموشى ببذخ لوني استثنائي، يفتتح المخرج الألماني فلوريان هنكل فيلمه المميز «ذا توريست»، الذي كتب قصته دوجلاس يونج، وهو مأخوذ عن قصة الفيلم الفرنسي «أنتوني زيمر»، حيث سيشدنا منذ اللحظة الأولى مشهد مؤطر بالسهول الخضراء يضم ليز (انجلينا جولي) في مطعم قطار فاخر، وبمحاذاتها يجلس فرانك (جوني ديب، بطل سلسلة أفلام «قراصنة الكاريبي») وهو أستاذ الرياضيات الذي يعاني الارتياب، كما ستصفه في إحدى محطات حديثها معه.

مشروع عشق
لا يجد المسافران المتجهان نحو مدينة البندقية، خليلة البحر، صعوبة في فتح حديث يغدو ضرورياً في مثل هذه الحالات، حيث تكون ليز المبادرة دوماً إلى تناول المسائل الشخصية، لاسيما حين تكسر حيادية الحوار لتطرح على جليسها سؤالا يبدو من خارج سياق البحث: «وما الذي تفعله وحدك في مدينة العشاق»؟ قبل أن تلحقه بسؤال أكثر مباشرة ووضوحاً: «ألست مرتبطاً»؟ بملامح تعبة يرد فرانك: «كنت كذلك».. «وأين ذهبَت»؟ تسأل ليز، وقد اتسعت عيناها فازدادت ملامحها فتنة، «تركتني» يجيب الرجل بنبرة يميزها الأسى..
المشهد موحي ومحرض، يدفع بالمشاهد نحو مناخ مفرط في دلالاته العاطفية، خاصة أنه قد أمكن للموسيقى الرومانسية التي رافقت الحوار أن تمهد الأجواء نحو اكتمال الصورة: نحن منذ اللحظة الأولى أمام مشروع عشق تهيأت لطرفيه كل الظروف الملائمة، وإن كانت جرأة ليز، وقدرتها على المبادرة، تبدو متخطية مثيلتها لدى فرانك، فإن البراءة المتملكة من ملامح هذا الأخير تتولى مهام ردم الهوة.. ثم يتسع الكادر نحو ما لا يدخل في إطار التوقعات، فتمضي بنا الكاميرا بسلاسة وانسيابية مدهشتين إلى ما يناقض المناخ الذي دخلنا فيه لتونا، لتحط رحالها على طاولة محاذية لطاولة العاشقين، وقد احتلها رجلان يبدو عليهما الاهتمام المفرط بما يجري حولهما، لن يطول بنا الوقت قبل أن نكتشف أنهما من الشرطة السرية التي تُخضع بطلينا لمراقبة صارمة.

مصادفات مكلفة
يحدث كل ذلك على وقع لعبة إخراجية متوازية مع السياق الدرامي، وبعد أن نكون في ضيافة إضاءة مبهرة لحظة يتسلل الإنجذاب إلى دواخل العاشقين، وينعكس في عيونهما بريقاً تصعب مداراته، مع خلفية صارخة اللون تتيحها مناظر طبيعة بالغة السخاء، نتحول فجأة إلى أماكن مغلقة متسمة بشحوب لوني معبر، وبملامح آدمية يهيمن عليها التوتر والجدية المفرطة، كما يضيق أفق الحوار حيث يصبح محاصراً بقدر واضح من الترميز والاختصار، نحن الآن في إحدى دوائر الشرطة السرية المعنية بمتابعة ملف يخص ليز بالدرجة الأولى، أما وقد صار فرانك شريكاً لها، وإن بمحض الصدفة، فقد أصبح محط شبهة هو الآخر، دون أن يشفع له مخزون البراءة المحاذية للسذاجة الذي لا يجد الناظر اليه أي صعوبة في اكتشافه.
الثنائي على أهبة الوصول إلى البندقية، وأجهزة الأمن مستنفرة للقبض على فرانك، ففي حساباتها أنه الكسندر بيبرس الملاحق من إدارة الضرائب بمبالغ هائلة، وفي أولى التداعيات سيتكشف أيضاً أن ليز عميلة استخبارات، وهي مكلفة الإيقاع بألكسندر، لكنها تخلت عن مهامها الأمنية مدفوعة بهاجسها العاطفي، ولم ترسل لمشغليها حتى صورة واضحة تظهر ملامح الشخص المطلوب، بالرغم من مشاطرتها إياه السكن لفترة طويلة، وفي لحظة غضب سيصرخ رئيسها من أعماق خيبته: «هي عميلة رائعة.. لولا أنها تقع في حب أول رجل تصادفه في أول قطار». هكذا كان على رجال الأمن أن يتكهنوا بأنَّ فرانك هو الكسندر، استناداً لكونه رفيق ليز في رحلتها إلى مدينة العشاق، وقد قطع الشك المحتمل حدوثه في حالات مماثلة بيقين قبلة تبادلها الاثنان، كانت ليز كالعادة هي المبادرة لها.

في مرمى النار
لم يكن ممكناً تحديد الأسباب التي حالت دون إلقاء القبض على فرانك في محطة القطار بالرغم من استنفار عناصر الأمن، وقد تكون الإشارة إلى ثغرة إخراجية متاحة هنا، ما شاهدناه أنَّ رفيقي الدرب الخضراء افترقا في المحطة على وعد عابر بلقاء، وهو ما حصل فعلاً بعد فترة وجيزة من الزمن، وها هي ليز تنادي فرنك من قارب مائي، هو وسيلة تنقل رائجة في البندقية، تسأله ما إذا كان يحتاج لتوصيلة، لم يكن السؤال تعوزه إجابة من العاشق فاقد القدرة على التماسك، وسرعان ما رمى نفسه متهالكاً في القارب، كما لو أنه يمنح قلبه المنهك فرصة الاستراحة من عناء معركة لم يكتب له الفوز بها.
في اللحظة نفسها، وعلى متن طائرة خاصة تحلق عالياً، سيتلقى رجل تضج في عينيه رغبات القتل مكالمة هاتفية من عميل له يعمل مع الأمن، الرسالة مختصرة: «بيبرس في البندقية»، لتنفرج شفتا زعيم العصابة، كاشفتين عن حقد دفين، وعن أوامر صارمة: «يمكنكم أن تقتلوا الفتاة إذا شئتم، أما هو فأريده حياً»!! مسار الأحداث سيكشف لاحقاً أن بيبرس هذا قد سرق أموالاً طائلة من رجل العصابات الذي لم يعتد التساهل مع سارقيه. الرجل يجد متعته في القتل، فقد أودى بكل الرجال الذين عرفتهم زوجته قبل أن تلتقي به، وعندما تبين عددهم قتلها هي!

وقت للسخرية
هكذا بمرونة فائقة تحول الموقف العاطفي نحو سلسلة من المطاردات العنيفة التي يمكن اعتبارها، من ناحية الشكل، مشاهد نادرة في العالم الهووليودي، فقد اعتاد مشاهدو السينما الأميركية نمطاً من العنف المعتمد على السيارات، فيما اختار فلوريان هنكل معارك مائية عمادها القوراب لرفع مستوى الإثارة لدى مشاهدي فيلمه، وبالتأكيد فإنَّ قراراً مماثلاً يختزن جرأة التجربة الجديدة..
تسير الأحداث متوازية بين التورط العاطفي والتأزم الميداني، ليز تقل فرانك متجهة به نحو شقة فندقية فاخرة، حيث ستقدمه لموظف الاستعلامات بوصفه زوجها، ما يثير الريبة هنا أن فرانك لا يبدي دهشة أو اعتراضاً، وفي الجناح الفندقي سيدور حديث متأجج بالعاطفة، لكن ليز ستحسمه بغتة عندما تلقي تحية المساء على شريكها متمنية له نوماً هانئاً فوق الأريكة.. وكعادته سيبدو فرنك مطيعاً، وإن تكن ملامحه قد تخلت عن بعض براءتها.
بين المشاعر المتقدة والعنف المحترف لن يعدم الفيلم مساحة للسخرية تعتمد بصورة أساسية على أداء جوني ديب، الذي يمكن وصفه بالسهل الممتنع، حيث يمكن لإشارة بسيطة منه، أو لتعليق عابر، أن يوحيا بدلالة عميقة الأثر، والارجح ان منظره وهو يهرب من مطارديه، أفراد العصابة، سيرسخ طويلاً في أذهان المشاهدين، حيث تمخض الممثل الذي تشي ملامحه بكثير من الهدوء عن كثير من براعة الإضحاك دون التخلي عن رصانة لطالما تميز بها، حتى ليمكن القول إن جزءاً من تفرد ديب الابداعي يعود إلى قدرته على تقديم كوميديا ناصعة بجدية تامة.
لاحقاً سيكون لفرانك مفاجأته ايضاً اذ سيخبرنا، بينما هو يحادث ليز، انه والكسندر واحد، وان تغيير ملامحه كان بفعل عمل جراحي متقن، خدعة درامية لا تملك فرصة كبيرة للاقناع، لكن براءة فرانك تتدخل مجددا لتدعو المشاهد الى قدر من التواطؤ.. والارجح انه يقبل الدعوة.


«لكنني أحبك»!!

كان يمكن للفيلم أن يكون مجرد تشكيل ضوئي متقن الصياغة، يحمل بين طيات ألوانه بعض المواقف العاطفية والاستعراضات الحركية المثيرة، لولا أن تمخضت احداثه في النهاية عن مفاجآت شتى ليس اقلها اعتراف ليز انها عاشقة لالكسندر وفرانك معا، وانها مستعدة لتسليم الاول الى الأمن لأنها ترغب في وضع حد للأزمة قبل مقتل احدهما، وفي لحظة تالية ستعترف لفرنك انها استخدمته لإبعاد الشبهة عن الكسندر، وان قبلتها بالتالي لم تكن بريئة، ولم تنم عن عاطفة حياله، تقول ذلك أملاً في دفعه للخروج من دائرة الاستهداف، أيضاً في مشهدية فائقة الرمزية تتولى ليز انقاذ فرنك من براثن رجال العصابة، ثم توقف القارب طالبة اليه ربط الحبل بأحد الأعمدة، وعندما يفعل تنطلق مسرعة وقد فكت الحبل ببراعة، كما لو أنها تفك العقدة العاطفية التي جمعت بينهما، داعية اياه للمغادرة فقد كانت قد أوصلته إلى المطار، وبينما هي تصرخ به موغلة في عمق الماء أن إذهب ولا تعد، نسمعه يقول لها بصوت خفيض، كما لو انه يحدث نفسه: «لكنني أحبك»!!

كلام على الشاشة:

هذه ايقونة أهدتني إياها والدتي وفيه وجهان للشخص نفسه، تعلمنا أن من نحبهم مزيج من خير وشر، وعلينا أن نحبهم في الحالين.
(ليز متحدثة إلى فرانك)

اقرأ أيضا