الاتحاد

منارة الاسكندرية (2)


تحتوي منارة الاسكندرية على 300 بيت بعضها فوق بعض وكانت الدابة تصعد بحملها إلى سائر البيوت من داخل المنارة، ولهذه البيوت طاقات تشرف على البحر، وكان على الجانب الشرقي من المنارة كتابة تم تعريبها فإذا هي تقول (بنت هذه المنارة منذ فترة قريبة مرينوس اليونانية كرصد الكواكب)·
وهناك من يرجع بفكرة بناء 'المنارة' إلى ما قبل الاسكندر واليونانيين فيقول 'ابن وصيف شاه' ان أبناء 'مصر ايم بن حام بن نوح' هم الذين بنوا مدنا عديدة منها رقودة (التي هي مكان الاسكندرية) وجعلوا في وسطها قبة على أساطين من نحاس مذهب والقبة من ذهب خالص ونصبوا فوقها منارة عليها مرآة عجيبة قطرها خمسة أشبار وكان ارتفاع القبة مائة (100) ذراع فكانوا إذا قصدهم عدو من الأمم التي حولهم فانهم يقومون بتوجيه المرآة ناحيته فتلقي عليه شعاعها فتحرقه، وما زالت على حالها حتى غلب عليها البحر ونسفها حتى جاء 'الاسكندر' وعمل منارة مشابهة لها، عليها أيضاً مرآة يرى فيها من يقصده من أعداء من بلاد الروم، فاحتال ملوك الروم ووجهوا من أزالها وكانت من زجاج·
ويتكلم 'المقريزي' عن بناء 'المنارة' فيقول إنه ثلاثة أشكال· فأكثر من الثلث مربع الشكل تم بناؤه بأحجار بيضاء وطوله حوالي 100 ذراع· ثم بعد ذلك جزء مثمن (ثماني) الشكل مبني بالحجر والجص أكثر من 60 ذراعاً وحواليه فضاء يدور فيه الإنسان وأعلاه دائري·
وكان أحمد بن طولون قد رمم شيئاً من المنارة وجعل في أعلاه قبة خشبية ليصعد اليها من داخلها ·· وفي الجهة الشمالية من المنارة كتابة بالرصاص بقلم يوناني طول كل حرف ذراع في عرض شبر ومقدارها من الأرض نحو 100 ذراع وماء البحر قد بلغ أصلها وقد تهدم أحد أركانها الغربية مما يلي البحر· فقام ببنائه 'أبوالجيشخ ما روية بن أحمد بن طولون' وبينها وبين الاسكندرية حوالي ميل وهي على طرف لسان من الأرض ومبنية على فم ميناء الاسكندرية· ومما يروى عن طرائف هذه المنارة أنها كانت مجمعاً لأهل الاسكندرية في يوم الاثنين ويسمى (خميس العدس) حيث يخرج سائر الأهالي من مساكنهم قاصدين 'المنارة' ومعهم طعامهم ولابد أن يكون فيه 'عدس' فيفتح باب المنارة ويدخل الناس، منهم من يذكر الله ومنهم من يصلي ومنهم من يلهو ولا يزالون حتى ينتصف النهار ثم ينصرفون وفي ذلك اليوم يحترس على البحر من هجوم العدو·
وكان في المنارة نار تشتعل طوال الليل فيقصد ركاب السفن تلك النار على بعد، فإذا رأى أهل المنار ما يريبهم اشعلوا النار من جهة المدينة ليراها الحراس فيضربوا الأبواق والأجراس فيتحرك الناس وقتها لمحاربة العدو·
ويشتد خلال المؤرخين العرب حول العبقري صاحب بناء المنارة فيقول 'ابن عبدالحكيم': إن الذي بناها لم يكن الاسكندر بل هي الملكة (كليوباترا) وهي التي حفرت الخليج في الاسكندرية وبلطت قاعه· ولما استولى أحمد بن طولون على الاسكندرية بنى في أعلى المنارة قبة من الخشب فأخذتها الريح، وفي أيام الظاهر بيبرس تداعت بعض أركان المنارة فأمر ببناء ما هدم منها وبنى مكان هذه القبة الخشبية (أعلى المنارة) مسجداً يتبرك الناس بالصلاة فيه·· إلا أن المسجد قد هدم عام 702 هــ ثم أعيد بناؤه على يد الأمير ركن الدين بيبرس·
ويقال أن المنارة كانت بعيدة عن البحر فلما كان في أيام قسطنطين هاج البحر وغرق مواضع كثيرة وكنائس عديدة بمدينة الاسكندرية ولم يزل يغلب عليها بعد ذلك ويأخذ منها شيئاً فشيئاً حتى اختفت تماماً··
ولم يعد للمنارة أي وجود الآن·· ولا يتذكرها أحد الا باعتبارها أحد أهم عجائب الدنيا·· وربما تكون بقاياها غارقة في البحر أو كما يدعي البعض انها هدمت تماماً وبنى مكانها قلعة قايتباي منذ مئات السنين· لكنها عموماً ستظل اعجازاً بشرياً أقرب إلى الأسطورة فاتحاً أمامناً متاهة الأسئلة·
صبري جميل

اقرأ أيضا