الاتحاد

سحر الكلمة وعذوبتها


كان للكلمة من قبل همس مسموع وأثر مدو أما الآن فغاب الهمس ودوى الصراخ والضجيج وتعالى الصياح والثرثرة وغاب الحس المرهف ومتذوقو الكلمة التي فقدت وقعها على مسامع العامة وأضحت حاضرة معنا في كل خطانا معلقة بين ألسنتنا نتحدث بها بما يزين منها وما يشين دون ترو وتعقل·
وأصبحت كالداء العضال الذي تملك ألسنتنا واستشرى في نفوسنا واذا وجدت من يؤثر وقعها في نفسه ألماً فجرحت مشاعره رد عليه قرينه (يا عم أهو كلام) وهذا خير مثال على ما آلت اليه الكلمة بيننا وما تذيلته من مكانة اختلط الحابل بالنابل وأصبحنا لا نميز بين الكلمة الصادقة والكاذبة الخداعة ولا نتذوق أسرارها ومغزاها ومفاتنها وسحرها فغاب وقعها في النفوس وتطاول عليها الجاهل والوضيع والغبي ولم تسلم من بعض العلماء والمتكلمين والأذكياء فتعالى السوقي منها والبذيء ليخدش أسماعنا وربما لا يؤثر فيها ولا يصيبها بأذى لأنها اعتادت عليها فصارت تطرب لسماعها·
إن القليل من الناس يقدرها ويعلي من شأنها زاهداً فيها يعدها كدرر عالقة بلسانه أو كرصاصات يخشى من إطلاقها حفاظاً على حياة الآخرين ولكن ما أكثر الذين يجهلون أثرها ووقعها فلا يقدرون مكانتها ولا يحسنون التعامل معها والتحدث بها ولا يتذوقون حلوها وعذوبتها من مرارتها وملوحتها فالتذوق نعمة عظمى علينا جميعاً أن نقدرها ونتذوق الكلمة تلفظاً واستماعاً فهي من أرقى أنواع التذوق وهي طهارة للنفس والقلب والسمع واللسان ومهبط إلى الجنة ونجاة من النيران فعلينا أن نهذب ألسنتنا ونعفها عن قول الخبيث والفاحش والبذيء من الكلمات ولابد أن ننقي دلاءنا حتى لا تتساوى الكلمة الخبيثة بالطيبة وكلمة العالم بالجاهل وكلمة الصادق بالكاذب وكلمة العاقل بالمجنون والبر بالفاجر والكاذب بالسوقي والوضيع·
لذا علينا أن نفكر جيداً في الكلمة قبل التلفظ بها حتى لا تجرح الآخرين وأن نتذوق أثر الكلمة المسموعة والمقروءة ونعمل بما هو نافع ومفيد منها وكفانا ثرثرة وتجاهلاً لما نقرأ أو لما نكتب ويكتب الآخرون وجنبكم الله شر الكلمة الخبيثة وكفاكم وشفاكم من التلفظ بها أو سماعها وأختم مقالي بقول الحق سبحانه وتعالى (مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء·· ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة······)·
محمود عبدالباقي

اقرأ أيضا