الاتحاد

الاقتصادي

التداول الإلكتروني ينذر بنهاية عصر البورصة


ملف من إعداد- أيمن جمعة:
تنعم بورصات الأسهم في شتى أنحاء العالم حاليا بحالة انتعاش كبيرة لم يسبق لها مثيل لكن تجارب التاريخ تحذرنا من أن 'الأوقات الطيبة لا تدوم أبدا'، فالمراقبون يرصدون رياح تغيير جذرية تستهدف اقتلاع كل الهياكل التقليدية للبورصات العالمية الكبرى لصالح مستقبل يقوم بشكل كامل على التداولات الآلية· ويعتقد كثيرون ومنهم اوكتافيو مارينزي الرئيس التنفيذي لشركة 'كيلينت' للاستشارات والأبحاث التقنية أن رياح التغيير هذه لن تهدأ إلا بظهور 'شبكة تداولات دولية' على غرار شبكة الانترنت، مما يقضي على الدور التقليدي الذي تلعبه البورصات في الجمع بين البائع والمشترى، ما قد يؤدي في نهاية الأمر لاختفاء البورصات بمفهومها الحالي خلال فترة بين 15 و22 عاما لأن الباعة والمشترين سيتعاملون بعد ذلك بشكل مباشر عبر شاشات تداول من منازلهم·
وبدأت ملامح التغيير المرتقب في أسواق الأسهم، تتجلى بوضوح بعد وضع اللمسات النهائية على اتفاق اندماج بورصة نيويورك، مع بورصة ارخيبلاجو الالكترونية في صفقة هي الأكبر على الإطلاق بين أسواق تداول الأسهم والسندات حيث تجمع بين أكبر بورصة في العالم (نيويورك) مع أنجح بورصة تعمل بشكل الكتروني بالكامل، وتأخذ شركة مساهمة عامة (ارخبيلاجو هولدنج)· وكانت موافقة أعضاء بورصة نيويورك بأغلبية ساحقة الشهر الماضي على هذه الصفقة، هو بمثابة إعلان واضح بانتصار التغيرات الكاسحة التي هبت على هياكل عمل وأنظمة البورصات الدولية العالمية، وجعلت البعض يتكهن باندثار مهنة السماسرة لصالح أجهزة الكمبيوتر التي ستتولى بنفسها تنفيذ أوامر البيع والشراء ورسم استراتيجيات إدارة الأسواق·
يعزز التصورات المتشائمة لمستقبل البورصات أن هناك تناقصا مستمرا في موارد أسواق الأوراق المالية سواء من رسوم العضوية (بسبب تحول البورصات إلى شركات مساهمة عامة) أو الرسوم التي يدفعها المتعاملون نظير إجراء تداولاتهم· كما يشكك كثيرون في قدرة البورصات مستقبلا على جمع رسوم مقابل نشر أسعار الأسهم وتفاصيل الصفقات وذلك بسبب ظهور العديد من شركات التكنولوجيا التي تبيع برامج تتيح لكل متعامل ان يرصد وبدقة حركة الاسهم والتداولات في السوق· ويعتقد روبن لي عضو مجلس الادارة المنتدب في مجموعة 'اوكسفورد المالية' ان بورصة لندن التي تنشط في هذا المجال قد تكون الأكثر تضررا· وبالفعل فقد اعترفت البورصة البريطانية التي تحصل حوالي 4,75 دولار قبل التداولات مقابل تقديم معلومات تالية على التداولات بان إيراداتها ستتداعى مع دخول عام ·2007
رياح التغيير
وتأخذ رياح التغيير التي تهب على بورصات العالم، صورتين أساسيتين، هما الاندماج والتداول الآلي فهناك حاليا اتجاه لا يخفى على احد للاندماج بين البورصات، فبورصة ناسداك، أكبر سوق أسهم الكترونية في العالم تعتزم شراء بورصة Instinet وهي مؤسسة سمسرة وشبكة تعاملات الكترونية تسيطر عليها مؤسسة رويترز· كما تموج أوروبا بتكهنات منذ شهور حول اندماج قد يتضمن بورصة لندن للأوراق المالية وبورصة فرانكفورت ويورونكست الأوروبية· وإجمالا فإن عدد البورصات الإلكترونية تناقص من حوالي عشرة أسواق في التسعينيات إلى خمسة تقريبا حاليا·
وظهرت كل ملامح التغيير المرتقب في أسواق الأسهم، في اتفاق اندماج بورصة نيويورك، مع بورصة ارخيبلاجو الالكترونية، وتكمن الدلالات الخطيرة لهذه الصفقة في أن بورصة نيويورك تشتهر بأنها معقل 'التعاملات التقليدية' في العالم حيث ينفذ المتعاملون صفقاتهم سواء بالشراء أو البيع وجها لوجه في قاعة التداول دون اعتماد كبير على أنظمة التداول الالكترونية الآلية· وهذه التعاملات التقليدية هي أساس العمل في البورصة منذ نحو 230 عاما عندما عقدت مجموعة من السماسرة والتجار اجتماعا تاريخيا في مانهاتن للاتفاق على قواعد تداول الأوراق المالية· ويرى كثيرون أن التقاليد العتيقة لبورصة نيويورك بما في ذلك تجمع عدد كبير من المتعاملين والسماسرة وجها لوجه في قاعة ذات أرضية خشبية من أجل إبرام صفقاتهم وسط أجواء صاخبة لا بد أن تندثر لصالح التعاملات الالكترونية·
التقاليد العتيقة
وحتى الأعوام الأخيرة، كان مسؤولو نيويورك يرفضون التخلي عن هذه التقاليد العتيقة بل انهم كشفوا عن خطط لبناء قاعة تداول جديدة باستثمارات قيمتها نحو مليار دولار لاستيعاب العدد المتزايد من السماسرة والمتعاملين الذين يتجمعون يوميا في القاعة الحالية والذين يزيد عددهم على أربعة آلاف شخص· والمفارقة أن البورصة أنفقت مبالغ طائلة لتحديث التعاملات وتسريع تنفيذ الصفقات والطلبيات لتستطيع منافسة البورصات الالكترونية، وهي مبالغ كانت تكفي لشراء أنظمة تداول آلية كاملة لتغيير هياكل البورصة بالكامل· ورغم أن 85% من تداولات بورصة نيويورك تتم عبر شاشات الكمبيوتر ولا يتم طرحها في قاعة التداولات فان مسؤولي السوق يصرون على أن نجاحهم يرجع أساسا إلى هيكلها الفريد الذي يستند بشكل رئيسي على إقامة 'شبكة من الخبراء' الذين يضمنون بشكل دائم أن يجد أي بائع أو مشتر لسهم معين من يتداول معه في أي وقت من الأوقات، بما في ذلك أوقات الأزمات المالية العنيفة التي قد تؤدي لانهيار الأسواق العادية· ويفعل الخبراء ذلك بتكييف طلبيات الشراء والبيع أو إقامة مزادات فورية في قاعة التداولات·
ومع ذلك فان مسؤولي بورصة نيويورك يعترفون بان مشهد الصراخ أثناء تداولات اليوم لا يتماشى إطلاقا مع الحياة العصرية التي يتزايد الاعتماد فيها على الانترنت والكمبيوتر· ولعل هذا ما يجعل كثيرا من شركات ما يعرف باسم 'الاقتصاد الجديد' مثل امازون واوراكل ومايكروسوفت ترفض إدراج أسهمها في بورصة نيويورك وتختار بدلا من ذلك بورصة ناسداك· ويتندر مراقب قائلا: 'في نهاية الأمر فان قاعة تداولات بورصة نيويورك قد تتحول بعد فترة من الوقت إلى متحف يزوره الناس لمشاهدة آخر مكان كانت المعاملات تتم فيه وجها لوجه'· ويبدو أننا نسير نحو إقامة هذا المتحف، فالبورصة العريقة لم تستطع أن تصمد كثيرا أمام التحول الطاغي نحو التداولات الآلية، فقررت الانصياع لموجة التغييرات وهي حاليا تستعد من خلال اندماجها مع ارخبيلاجو للتحول من شركة لا تستهدف الربح وتقوم على التداولات المباشرة وجها لوجه، إلى كيان مختلف تماما سيكون أحدث سوق مالي على مستوى العالم·
وحتى الآن لم تصل موجة التغيير القوية إلى بورصة نيويورك التجارية المتخصصة في تداول السلع والبضائع، ما يتيح لتلك البورصة الاحتفاظ بتقاليدها الموروثة· لكن الخبراء يحذرون من أن المنافسة من 'البورصة العابرة للقارات' التي تعمل الكترونيا بشكل كامل قد يجبر نايمكس على تغيير موقفها·
ويقول محلل في صندوق النقد الدولي: 'البورصات بشتى أنواعها في كل بقاع العالم تواجه منذ أعوام معضلة صعبة، وهي كيفية زيادة حصتها في السوق العالمية· وإذا كانت دراسة هذه المسألة تتم بهدوء في الأعوام الماضية فان المرحلة القادمة لا تتحمل أي تأخير في التحرك·· ويكفي لإثبات ذلك إلقاء نظرة واحدة على ما يجري من تطورات دراماتيكية حولت بورصة نيويورك وهي الأكبر في العالم إلى كيان جديد تماما'· ويضيف المحلل الدولي 'لم يعد هناك مجال لحديث عن بورصة قائمة بذاتها أو محلية الطابع، فالأسواق الآن تتنافس لانتزاع أكبر حصة من السوق العالمي بما يعني اجتذاب أكبر عدد ممكن من أسهم الشركات الدولية والدخول في شراكات وتحالفات مع البورصات الدولية تضمن تداول أسهمها طوال اليوم'·
ويتوقع الخبراء أن تختلف أنشطة التداول في البورصات، بشكل دراماتيكي خلال العامين أو الثلاثة أعوام المقبلة على أقصى تقدير، كما يتوقعون أن يختفي عدد كبير من البورصات التقليدية خاصة انه لا يكاد يمر أسبوع من دون الحديث عن أنظمة التداول الجديدة أو الحديث عن عمليات اندماج·
ومثل هذا التغيير ليس بالأمر السهل، فنحن نتحدث عن تداولات مباشرة بقيمة عشرات المليارات من الدولارات ومبالغ أخرى غير مباشرة تزيد قيمتها على ذلك كثيرا وذلك لان تداولات الأسهم تؤثر على عوائد الاستثمارات وسياسات الشركات بل والشكل العام للاقتصاديات المحلية والإقليمية وأيضا الدولية· فالدول ترى الآن أن ضخ المدخرات في سوق الأسهم وتحويلها إلى رؤوس أموال للشركات المحلية هو أفضل وسيلة للاحتفاظ برؤوس الأموال لفترة طويلة في اقتصادها المحلي· وفي نفس الوقت فان انتعاش هذه الأسواق يلقي بأجواء تفاؤل بين المستثمرين والمتعاملين وأيضا المشرفين على عمل هذه الأسواق·
وهذا ما قد يجعل البعض يتساءل قائلا: ما جدوى تطوير البورصات طالما أنها تسير بشكل جيد؟
قبل نحو 20 عاما كانت بورصة نيويورك تتعامل في 106 ملايين سهم يوميا، وارتفع حجم التداول إلى حوالي 1,4 مليار سهم يوميا الآن، ومع ذلك فان قلة هي التي تشعر بالرضا إزاء هذا الأداء· وظهرت المشكلة واضحة بعدما أجرت شركة 'ميريل لينش' مسحا العام الماضي شمل 302 من المسؤولين عن استثمار 994 مليار دولار أميركي·· حيث أظهرت نتائج المسح أن صناديق الاستثمار تفضل الاستثمار في أسهم الشركات اليابانية والأسواق الناشئة على الاستثمار في الأسواق الأميركية، حيث نصح 45% من مديري هذه الصناديق الابتعاد عن الأسهم الأميركية وقال 30% منهم إن الأصول الأميركية ستكون الأضعف أداء خلال الفترة المقبلة·
أوجه القصور
ما هي أوجه القصور التي تعانيها بورصة نيويورك وهي الأكبر في العالم؟
أولا: منع الاكتتابات العامة الأولية حتى عام ،1984 وهو ما لعب في مصلحة ناسداك التي تأسست في السبعينيات واشتهرت بأنها المكان الذي يمكن أن تلجأ إليه الشركات الصاعدة لجمع أموال وفي مقدمتها شركات التكنولوجيا مثل مايكروسوفت وانتل· وربما يكون الاختلاف الرئيسي بين السوقين أن بورصة نيويورك أشبه ما تكون بساحة مزاد بين المتعاملين في حين أن ناسداك مكان يحدد فيه المتعاملون السعر الذي يرغبون عنده في البيع أو الشراء وهو ما يجعل ناسداك رائدة بين البورصات الدولية الكبرى·
ثانيا: عدم ادراك مسؤولي السوق أن قاعدة بيانات البورصة هي أهم أصولهم· ويعترف ريتشارد جراسو، الرئيس التنفيذي السابق للبورصة بان السوق كانت تجني 130 مليون دولار فقط سنويا من بيع سجل تحركات الأسهم لمؤسسات خارجية في حين أن هذه المؤسسات كانت تعيد صياغة وقراءة هذه البيانات ثم تبيعها للمستثمرين لتجني أرباحا لا تقل عن 20 مليار دولار· ويقول جراسو: لو تدفقت هذه المكاسب على البورصة لجمعت مبالغ طائلة تتيح لها أن تفتح الباب أمام إدراج الشركات بشكل مجاني ومن ثم توسيع نطاق قاعدة البيانات التي تبيعها· فالبورصة كلها تقوم على معلومات، وعندما يتوجه مستثمر إلى بورصة ما فإن أول ما يبحث عنه هو بيانات عن أسعار الأسهم وتحركاتها·
ثالثا: عدم وجود تحالفات قوية، فأقوى الأنباء المتعلقة بالبورصات حاليا لا تتعلق بالمنافسة بين استخدام قاعة التداولات في مواجهة التعاملات الالكترونية بل عن الشراكات الدولية والاندماجات· وحتى أعوام قليلة مضت، كانت بورصة نيويورك خارج هذا السياق· وتتحرك الاندماجات تحت شعار 'التكنولوجيا تتقدم على المعايير الجغرافية'، وإذا حدث ما هو متوقع واختفت قاعات التداول البشرية فإن أحدا لن يهتم بمكان تنفيذ الصفقات وأوامر الشراء والبيع· فقد يكون البائع في فرانكفورت والمشترى في واشنطن· وما تتطلع إليه الشركات سواء الصغيرة أو الكبيرة هو شبكة تداول عالمية تربط بورصات نيويورك بلندن وفرانكفورت وطوكيو وسيدني·· حيث التعاملات بلا حدود وبلا آفاق·

اقرأ أيضا

"مبادلة" تطلق صندوقين للاستثمار في التكنولوجيا بالشرق الأوسط وأفريقيا